عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

أفلام تستهدف الجمهور المفعم بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
TT

عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية

أندي واير لم يكن شخصًا معروفًا وكل علاقته بالسينما كانت من خلال ذهابه مرتين في الشهر إلى الصالات لاختيار فيلم يشاهده. ذات مرّة جلس وكتب رواية حول ملاح فضائي تائه فوق المريخ. لقد حطّ هناك مع ملاحين آخرين لكنهم اعتقدوه مات عندما كان عليهم مغادرة المريخ قبل أن يعصف بسفينتهم. نشر الرواية على الإنترنت في أواخر عام 2013. كونه روائيًا غير معروف دفعه لاختيار النشر على الإنترنت عوض النشر الكتبي أو الورقي. لم يكن يعلم حين فعل ذلك أن هوليوود ستشتري حقوق الفيلم في التاسع من أبريل (نيسان) لتحويله إلى فيلم بعنوان «المريخي» وأن تصويره سيبدأ بعد ذلك بستة أشهر فقط.
الرواية تحوّلت إلى عمل سينمائي ناجح انطلق للعروض قبل أشهر قليلة وحقق نجاحًا مزدوجًا بين النقاد والجمهور العريض معًا. بات لأندي واير اسم لامع وخلفية في السينما يسهّل عليه مستقبلاً، عندما يضع رواية أخرى، بيعها لدور النشر أو لشركات الإنتاج.
هذا هو الحلم الأميركي في نموذجه المعبّر. تحقيق الذات على نحو كبير شاسع وبحجم لا يقارن بأي وسيط آخر. إنه ليس «فيس بوك» حيث للجميع صورهم وكلماتهم ولا صورة «سيلفي» صالحة للنشر ولا حتى 16 ثانية من الظهور على شاشة التلفزيون، بل المستقبل الرائع الذي تحدّث عنه جون شتاينبك في «أعناب الغضب» ونقله جون فورد إلى فيلم سينمائي سنة 1940 والذي لا يزال صالحًا اليوم وطبّق على طول أيام العام الذي ينضوي، 2015.

* صرخة مكررة
في «أعناب الغضب» لمسٌ للحلم الذي يرفض الهزيمة. للإنسان الذي يصرخ في وجه الحياة بأن من حقه أن ينجز ما يعد به نفسه. أن ينفذ من حالة العدم إلى تحقيق النعيم. كل ذلك وسواه من عناصر إنسانية كوّن على مدى التاريخ ما عرف بـ«الحلم الأميركي». ومن يومها أمّته الكثير من الأفلام، بعضها لينال منه بدعوى أنه ليس سوى سراب لا يمكن تحقيقه وإذا ما تحقق فبثمن باهظ، وبعضها ليؤكد عليه ويُشيد باستمرار إمكانية تحقيقه.
ومن الغريب إلى حد بعيد أن ينتهي العام وهو ما بين هذين المنهجين. فيلم ستيفن سبيلبرغ الأخير «جسر الجواسيس» في مقابل فيلم «سيكاريو» لدنيس فيلينوف. «كريد» في مواجهة «الكبير القصير» و«المريخي» لريدلي سكوت ضد «99 منزلاً» لرامين بحراني. أفلام تشيد بأميركا وأخرى تكشف النقاب عن بقع سوداء في حياة كل يوم فيها.
لم يعد ضروريا أن يتمحور الفيلم حول الحلم الأميركي ليكون معه أو ضده. فيلم سبيلبرغ دراما جاسوسية رائعة تتولى إخبارنا بأن أميركا ملتزمة بدستورها وقوانينها وتتعامل إنسانيًا وأخلاقيًا مع أعدائها وينجز المحامي، بطل الفيلم، مبادئه ويسترد إعجاب المجتمع بما أنجزه. ليس هناك صعوبة ولا يحتاج الأمر لخيال جانح لكي تصبح بطلاً ملتصقا بمبدأ الحلم الأميركي المتداول، في حين يأتي «سيكاريو» ليتحدّث عن الواقع اليوم حيث تهريب المخدرات لم يعد «بيزنس» وحيدا في ميدانه، بل تحوّلت الحرب ضده إلى «بيزنس» آخر يعتدي على الحقوق ويمارس مسؤوليه فسادًا موازيًا.
أيهما تصدّق؟ لا يهم. لكن النبرة التي انتهت أفلام 2015 بها تدعو للتأمل فعلاً.
في «بحر الأشجار» لغس فان سانت يهيم أميركي (ماثيو ماكونوفي) في غابة يابانية تعرف باسم «غابة الانتحار» يؤمها اليائسون لكي يضيعوا فيها ويقضوا. وفي «99 منزلاً» نرى كيف استغل البعض أزمة 2008 لكي يستولي على أحلام العاجزين عن دفع أقساط منازلهم التي اشتروها لكي يستولوا عليها.
هذه الصرخة مكررة في فيلم «الكبير القصير» الذي يتبع سلسلة من الأفلام التي تداولت الأزمة الاقتصادية الأميركية للعام ذاته وكيف تم استغلالها لصالح بعض المضاربين ورجال الاقتصاد لبناء ثرواتهم.
الحالات تتكاثر والمستغلون لديهم أحلام أميركية وردية، كما المستضعفون تمامًا. الفارق هو من يستطيع تحقيقها.

* تحت المطرقة
إذا كان هذا كله من صميم الحياة والسينما الأميركية ومن أهم معالمها وتياراتها في عام 2015 فإن الصلة بين ما يتحقق وما لا يتحقق هي صلة اقتصادية في نهاية المطاف. والعام ينتهي بينما يُطيح «ستار وورز: القوة تستيقظ» الأرقام القياسية واحدًا تلو الآخر في انطلاقة هي بدورها تعبّر عن تحقيق أحلام لا مجال لأي دولة أخرى على الأرض تحقيقها. بميزانية يوم واحد ينجز مخرجون حول العالم أفلامهم. بأجر كالذي تقاضاه المخرج «ج ج أبرامز»، يمكن لدولة آسيوية أو أفريقية إنتاج 10 أفلام مرتاحة. ولنتخيل كم فيلما تكفي البلايين الأربعة التي دفعتها ديزني للمبتدع السلسلة جورج لوكاس لتحقيقه في أي من القارات الخمسة.
لكن لوكاس هو ابن ذلك الحلم ومحققه أيضًا. السبب والنتيجة. برهان على أنه، مثل «روكي» الأميركي الذي يستطيع تحقيق الحلم الأميركي مضاعفًا. كلاهما سعى لإنجاز حلم وواجه في سبيل ذلك مصاعب وإحباطات وعدم ثقة بما يحملانه من آمال. فجأة أول ما استطاعا تحقيق غاياتهما فتحت الأبواب كبيرة أمامهما. وسنجد الكثير من الأمثلة على ذلك في كل يوم وفي كل عام وفي كل مجال.
نجاح «ستار وورز» الجديد وقبله نجاح كل الأفلام التي تقصد التوجه إلى الجمهور المحمّل بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة ليس كل هوليوود، وليست هوليوود كل السينما الأميركية. هناك هذا العام فيض كبير من الأفلام الأميركية الجيدة التي تم تحقيقها داخل نظام الأستوديوهات وخارجه بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق النجاح. الأشهر الثلاثة الأخيرة من العروض السينمائية هي تجسيد لكل المختلف والبديل والجريء من الموضوعات التي تمس الواقع ولا تعيش فوق السحاب. شخصياتها غير مزوّدة بأجنحة ولا بقدرات فولاذية أو عصا سحرية تسبب الإثارة أو الضحك أو أي مشاعر أخرى يتلقاها المشاهد من باب الترفيه عن النفس.
العام 2015 بدأ، أميركيًا، ببقايا ما لم يعرض في العام 2014 من إنتاجات أو ما باشر عروضه في الأسبوع الأخير منه، مثل «سلمى» لآفا دوفرناي و«فوكسكاتشر» لبَنت ميلر و«زاحف الليل» لدان غيلروي جنبًا إلى جنب الفيلم التاريخي المستنبط من مزيج غير مريح بين الخيال والواقع «الهجرة: ملوك وإلهات» لريدلي سكوت الذي عاد في خريف العام ذاته ليقدّم فيلمًا مستقبليًا أقل تحديا للواقع هو «المريخي».
وفي حين ألا حياة للفيلم الديني ذي القالب التاريخي، كما أثبت قبل «الهجرة: ملوك وإلهات» بأشهر قليلة، فيلم «نوح» لدارن أرونوفسكي، فإن الأمر لم يكن هينًا حتى على عدد كبير من الأفلام المسمّاة بالتجارية. سقط «فريق العدالة» المنتمي، ولو كأنيميشن، إلى سينما السوبر هيرو، كما «الاماناك» المنتمي إلى الخيال المستقبلي وواجه «قلب التنين 3» سدًا منيعًا ضد نجاحه، كما حدث أيضًا مع فيلم تنيني آخر هو «نصل التنين». وحاول الكوميدي ول فارل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في Get Hard فأخفق، كذلك أخفق فيلم الكوميدي كفن جيمس (محمد سعد هوليوود) بفيلمه «بول بلارت شرطي المول 2».
خلال فترة الصيف التي تستعد أستوديوهات هوليوود له بمخططات تعود لعامين أو ثلاثة، بدا أنه ليس من المستحيل هوان الأفلام الكبيرة تحت مطرقتي الكلفة العالية وفتور المستقبلين. هذا كان حال «أفنجرز 2» الذي ارتفعت ميزانيته إلى 250 مليون دولار وأنجز في أميركا أقل من 500 مليون دولار (عليك أن تحسب 750 مليون دولار من الإيرادات من قبل أن يبدأ حصد الأرباح الفعلية). إنقاذ هذا الفيلم، وبعض سواه، من مصير الهلاك تم بسبب هيمنة الأفلام الأميركية على الأسواق العالمية وصعود السوق الصينية ليحتل المركز الثاني بين الأسواق النشطة بالنسبة للفيلم الأميركي.

* الأكثر نجاحًا
سقطت أيضًا محاولة استثمار أحد أفلام الرعب السبعيناتية «بولترغيست» في إطلاق جديد ولم ينجز الفيلم الكوارثي «سان أندرياس» الزلزال الذي طمح إليه بل خطف النجاح آنذاك فيلما كوميديا جاسوسيا خفيفا هو «جاسوسة» بطولة ماليسا مكارثي.
هذا إلى أن انبرى فيلم «جوراسيك بارك 4» الذي هو من إنتاج ستيفن سبيلبرغ لإنقاذ الموسم بأسره وهو أنجز ذلك باعتماد المفاتيح والعناصر ذاتها التي مارسها سبيلبرغ مخرجًا في كل أفلامه التجارية.
جاور ذلك سقوط «ترميناتور 5» ونجاح «ماد ماكس: طريق الغضب» مما عزز موقع بطل الفيلم الثاني، توم هاردي، وأطاح بما تبقى من قدرة بطل الفيلم الأول، أرنولد شوارزنيغر الذي احتاج لعملية ترقيع غرافيكية لعله يستطيع جذب الجيل الجديد ولم يفعل.
في نهاية الموسم برهن توم كروز على أنه لا يزال «فارس الكُبّة» رغم ما يحمله من عمر (50 سنة) وذلك بفضل سلسلة «المهمّة: مستحيلة» بجزء سادس. وفي حين ظهر ممثل جيمس بوند السابق بيرس بروسنان في خمسة أفلام ما بين عاطفية وأكشن لم ينجز أي فيلم منها أي نجاح يُذكر، عاد دانيال كريغ، جيمس بوندنا الحالي، إلى النجاح الكبير في الملحق الرابع والعشرين من السلسلة «والرابع تحت إمرته» تحت عنوان «سبكتر».
«سبكتر» هو الفيلم العاشر تبعًا لقائمة أكثر الأفلام رواجًا في الولايات المتحدة وكندا خلال العام الآيل إلى الانصراف.
عالميًا تختلف الصورة ولو أن العناوين ذاتها تبقى:
«جيروسيك وورلد» جمع مليارًا و669 مليون دولار ويتولى المركز الأول، لكن «غاضب 7» (Furious 7) الكامن في المركز الخامس في اللائحة الأميركية هو الثاني في اللائحة العالمية بمليار و515 مليون دولار. «سبكتر» في السادس هنا (والعاشر هناك) بـ838 مليون دولار.
هذا كله من قبل أن ينتهي نشاط «ستار وورز: القوة تستيقظ» المتوقع له أن يسبق الجميع إلى المركز الأول في كلا اللائحتين.

* حصاد المهرجانات
إذا ما كانت الصورة الأميركية مؤلفة من أفلام تنجح وأخرى تخفق، ومن صراع على تفسير ماهية النجاح وبالتالي ماهية الحلم الأميركي وشروطه وتبعاته، فإن الصورة في أنحاء العالم قائمة على معايير مختلفة. ليس أن النجاح التجاري في آخر حسابات السينمات الفرنسية والبريطانية والفلبينية والسويدية والكولومبية وسواها، بل لأنها - بالنسبة لغالبية ما تنتجه من أعمال - تدرك المساحة التي تستطيع إشغالها وتلتزم بها مما يمنح المخرج مجالاً أوسع لتوفير رؤيته الذاتية والفنية.
وما زالت المهرجانات الثلاثة الأولى في العالم، وهي برلين وكان وفينيسيا، بمثابة المكان الأكبر لعرض هذه الأعمال. تتنافس فيما بينها على تقديم الجيد والجديد وتعبّر عن تلك الرغبة في استحواذ المكانة لنفسها ولمخرجيها وكسب الإعجاب من النقاد الذين باتوا لا يستطيعون التوقف عن العودة إليها طلبًا للمزيد من الاكتشافات.
إيران هذا العام خرجت بجائزة ذهبية من مهرجان برلين السينمائي عن فيلم كانت حبست صاحبه في منزله حتى لا يصنع أفلاما فتسلل إلى سيارة تاكسي وقادها وصوّر فيلمه فيها. الفيلم «تاكسي» ليس عملاً فنيًا، لكن إعلان سياسي عن فشل السُلطة الإيرانية في الحد من حرية التعبير ونجاح من تريد كتم أصواتهم في إيجاد السبيل إلى ذلك.
لكن الجائزة في نهاية مطافها كانت سياسية لأن «تاكسي» يخلو من عناصر الفن. لقطة واحدة من «فارس الكُبة» (Knight of Cups) لترنس مالك لا تطيح بالفيلم الإيراني وحده، بل بمعظم ما ورد في مهرجان برلين من أعمال. على ذلك حُرم من الجائزة كما تحرم الأفلام الأميركية غالبًا من جوائز مهرجاني برلين وكان.
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم فيلمًا صافيًا بعنوان «ملكة الصحراء» قامت نيكول كيدمان ببطولته لاعبة شخصية غيرترود بل، الرحالة التي جابت صحراء الحجاز خلال الفترة التي كان فيها توماس إدوارد لورنس يحضّر لجولته الداعية إلى استقلال البلاد العربية عن النفوذ العثماني. كلا هذين الفيلمين، «فارس الكُبة» و«ملكة الصحراء»، لم يشهدا العروض الأميركية بعد وهما مؤجلان للشهر الثالث من العام المقبل، أي بعد دورة برلين القادمة في الشهر الثاني منه.
على بعد ثلاثة أشهر منه أقيمت الدورة الثامنة والستون لمهرجان «كان» والفائز بالذهبية كان «ديبان» لجاك أوديار. مرّة أخرى ربت المهرجان على ظهر السينما الفرنسية بمنحها جائزة ذهبية هي الثالثة في غضون السنوات الخمس الأخيرة من بعد «حب» لمايكل هنيكه، 2011 و«اللون الأزرق أكثر دفئًا» لعبد اللطيف قشيش، 2013.
من الأفلام الأكثر استحقاقًا من «ديبان» «سيكاريو» لدنيس فيلينوف و«شباب» للإيطالي باولو سورتينو و«المغتالة» للتايواني سياو سيين هاو. الثلاثة وجدوا طريقهم مؤخرًا إلى قوائم أفضل عشرة للكثير من النقاد حول العالم.
ولم يخل مهرجان فنيسيا من الأفلام المهمّة هذا العام: «فرانكوفونيا» للمخرج الروسي ألكسندر سوخوروف كان يستحق الذهبية لكنها توجهت إلى الفيلم الفنزويلي (الجيد، لا أكثر) «من بعيد» للورنزو فيغاس. أفلام جيدة أخرى مرّت بما تستحقه من اهتمام نقدي من بينها «العصبة» للأرجنتيني بابلو ترابيرو و«بهيموث» للصيني ليانغ زاو كما البريطاني «فتاة دنماركية» لتوم هوبر.

* عربيًا يبقى الوضع على ما هو عليه لدرجة الملل
نعم، في كل سنة هناك أفلام جيدة تستحق الإشادة والاهتمام لكن السينما العربية ككل لم تتقدّم كثيرًا على أصعدة العروض التجارية حول العالم. لننسى العالم، لا وجود لمعظم ما تنتجه في أسواقنا المحلية المضروبة بتجاهل رجال الأعمال من ناحية والظروف الأمنية القاسية من ناحية أخرى.
اخترق فيلم محمد خان السابق «فتاة المصنع» حصار هذا الوضع عندما تم عرضه، تجاريًا في السويد في صيف هذا العام. لكن الغالب من هذه الأفلام خسر الأسواق الأوروبية التي كانت تطلبه قبل رحيل يوسف شاهين وتراجع الاهتمام بالسينمائيين الذين كانت أعمالهم تعرض في باريس لأسابيع طويلة في السبعينات والثمانينات أمثال التونسي رضا الباهي (أنجز فيلمًا جديدًا صوّره في لبنان) والمغربي نبيل عيوش واللبناني (الراحل أيضًا) مارون بغدادي. تلك فترة ذهبية من فترات النشاط السينمائي العربي تنتظر أن تعود لكن الظروف أقوى مما تستطيع مواجهته على صعيد العروض العالمية التي أصبحت أكثر حزمًا فيما يتعلق بقدرة الأعمال، حتى البديلة، إنجاز ما هو مطلوب منها إنجازه على المستوى التجاري.
هذا ما يجعل مهرجان دبي المجال الأكثر كثافة بالنسبة لمعظم ما تحققه السينما العربية من أفلام. وعام 2015 عزز نجاح مهرجان دبي، بعد توقف مهرجان أبوظبي وقبله مهرجان الدوحة، وبسبب صغر حجم مهرجان قرطاج التونسي وابتعاد مهرجان مراكش المغربي عن المنافسة وظروف مهرجان القاهرة المادية التي لا تسمح له باختراق المستحيلات.
على ذلك، تسرّبت أفلام عربية إلى المهرجانات العالمية بوفرة. هنا علينا أن نعي أن عرض فيلم ما خارج المسابقة ليس تمامًا مثل عرضه فيها، كذلك يتوقف الأمر على أي مسابقة. تلك الرسمية تضع المخرج مباشرة أمام التصنيف الدولي الألمع. المسابقات الثانوية تضعه، إذا ما استطاع الوصول إليها، إما كمخرج واعد أو كمخرج فقد وعده.
في برلين شوهد «حب، سرقة ومشكلات أخرى» للفلسطيني مؤيد عليان كما عرض المصري جوزف رزق فيلمه التجريبي «برة في الشارع». «كان» شهد جفافًا عربيًا باستثناء ما عرض في التظاهرات والأسواق من أفلام تبحث عن مشترين. ولم ينقذ الوضع إلا فيلم لبناني قصير بعنوان «أمواج 98» لإيلي داغر الذي كان أول فوز لبناني بذهبية الفيلم القصير في التاريخ، وثاني فيلم عربي يفوز بالذهبية بعد سنوات طويلة مرّت على اقتطاف «وقائع سنوات الجمر» للجزائري محمد لخضر حامينا، سعفة الفيلم الطويل سنة 1975.
والجزائري مرزاق علواش عرض فيلمه الجديد «مدام كوراج» في فينسيا، كذلك فعلت التونسية ليلى بو زيد بعرضها «على حلّة عيني» والمغربي محمد نبيل عبر فيلمه «جواهر الحزن».
وداومت مهرجانات مهمّة، وإن لم تكن كبيرة بحجم الثلاثة المذكورة أعلاه، مثل تورنتو ولوكارنو ومرسيليا ونانت عرض أفلام عربية أخرى، لكن معظمها، للأسف، اكتفى بفعل العرض من دون أن يفتح المهرجان له إمكانية الانتقال إلى المنصّة التي يرغب بها.



«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.