عادت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو بنجاح إلى كوكب الأرض، بعدما هبطت مركبة «دراغون» التي تقلّها رفقة طاقم مهمة «كرو - 12»، الخميس، في المحيط الهادئ قبالة سواحل كاليفورنيا، لتصل صباح السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول) إلى مدينة كولونيا الألمانية عبر طائرة تابعة لسلاح الجو الفرنسي، منهيةً بذلك رحلتها التاريخية إلى محطة الفضاء الدولية.
وبتحقيقها هذا الهبوط الآمن، سجلت أدنو إقامة امتدت 237 يوماً متواصلة في المدار، محطّمةً بذلك الرقم القياسي كصاحبة أطول إقامة مستمرة في الفضاء لرواد ورائدات فضاء القارة الأوروبية.
[ version FR ] Day 235, orbit 3653 – After nearly eight months in space, our undocking is scheduled for this afternoon. Our return to Earth will mark the end of the orbital chapter of the #εpsilon mission, but not the end of the adventure! I look forward to continuing to... pic.twitter.com/9dckjTndCV
— Adenot Sophie (@Soph_astro) October 7, 2026
وتكتسب هذه المحطة أبعاداً استثنائية مع إعلانها الجاهزية التامة والتطلع للعودة مجدداً إلى الفضاء في المستقبل القريب؛ إذ نجحت هذه الرائدة البالغة من العمر 44 عاماً في تحويل كفاءتها القيادية من مقصورة المروحيات القتالية في سلاح الجو الفرنسي إلى السير في الفراغ الكوني السحيق، لتغدو من أبرز الوجوه الملهمة في تاريخ الفضاء المعاصر.

التكوين الأكاديمي الصارم بين فرنسا وأميركا
بدأت الرحلة الأكاديمية لصوفي أدنو، المولودة في يوليو (تموز) عام 1982 بمنطقة بورغوني الفرنسية، عبر تخصص علمي صارم عكس شغفاً مبكراً بآليات التحليق والهندسة المعقدة.
والتحقت أدنو بالمعهد الوطني العالي للملاحة الجوية والفضاء (ISAE - SUPAERO) في تولوز، حيث نالت شهادتها الهندسة المرموقة عام 2004 متخصصة في ديناميكيات الطيران وميكانيكا المعادن والملاحة الجوية للمركبات الفضائية. ولم تقف الطموحات العلمية لأدنو عند حدود القارة الأوروبية، بل انتقلت إلى الولايات المتحدة لتلتحق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) الشهير. وحصلت من هناك على درجة الماجستير في هندسة العوامل البشرية عام 2004، مركزةً أبحاثها المتقدمة على دراسة كيفية تكيف نظام التوازن في الجسم البشري مع البيئات القاسية والجاذبية الاصطناعية، وهي الدراسات التي وضعت اللبنات الأساسية لمهاراتها المستقبلية في تدريبات رواد الفضاء.

السجل العسكري وأول طيارة اختبار مروحيات
عقب إنهاء دراساتها العليا، انخرطت أدنو في السلك العسكري وانضمت إلى صفوف القوات الجوية والفضائية الفرنسية عام 2005 لبدء التدريب على الطيران المروحي.
وتدرجت في الرتب العسكرية بكفاءة عالية حتى بلغت رتبة عقيد، مسجلةً ما يزيد على ثلاثة آلاف ساعة طيران عبر قيادة اثنين وعشرين فئة مختلفة من الطائرات المروحية. وشهد عام 2018 محطة تاريخية في مسيرتها المهنية، حيث تخرجت بتفوق في مدرسة طياري الاختبار الإمبراطورية في المملكة المتحدة، لتصبح أول امرأة في تاريخ فرنسا تعمل طيارة اختبار للمروحيات التجريبية العسكرية والمدنية. وخلال خدمتها الميدانية، تولت أدنو قيادة مهام شديدة الخطورة في مجالات البحث والإنقاذ في البيئات الصحافية والمعادية، مما منحها صلابة نفسية وقدرة على إدارة الأزمات تحت الضغط العالي.

عهد وكالة الفضاء الأوروبية ورسالة المستقبل
فتحت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) أبوابها لأدنو في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2022، عندما جرى اختيارها رسمياً ضمن فيلق رواد الفضاء الجدد. وعقب عامين من التدريب التخصصي الشاق، نالت رائدة الفضاء الفرنسية شهادتها المعتمدة لتنطلق في بعثة طويلة الأمد، مسجلة اسماً فرنسياً غاب عن المدار لخمس وعشرين سنة كاملة، حيث تعد أدنو ثاني امرأة فرنسية في التاريخ تخرق حدود الفضاء بعد الرائدة التاريخية كلودي إينييري.
وعقب عودتها الآمنة إلى الأرض وهبوط كبسولتها، لم تخفِ أدنو شغفها بالمستقبل؛ إذ صرحت بوضوح عن رغبتها القوية في خوض غمار التدريبات المتقدمة للمشاركة في الرحلات القمرية المقبلة ضمن برنامج «أرتميس» أو العودة مجدداً إلى محطة الفضاء الدولية، مؤكدة أن رحلتها الأولى لم تكن سوى البداية لطموحات فرنسية فضائية جديدة ومستدامة.

السير في الفضاء والأرقام القياسية الأوروبية
لم تكن مهمتها المدارية مجرد رحلة علمية اعتيادية، بل تحولت إلى إنجاز تاريخي غير مسبوق للفرنسيين؛ حيث فتحت أدنو بوابة محطة الفضاء الدولية لتصبح أول امرأة فرنسية في التاريخ تسير في فراغ الفضاء السحيق.
ونفذت الرائدة الفرنسية عمليات خروج دقيقة إلى الفضاء (EVA)، قضت خلالها ساعات عمل طويلة خارج المحطة لاستبدال هوائيات الاتصالات الأساسية وصيانة الأنظمة المدارية. وقد حطمت أدنو بأرقامها القياسية الآفاق الأوروبية لأطول رحلة فضائية متواصلة في فيلقها، مسجلةً أسابيع متتالية من الأبحاث الطبية المتقدمة وتجارب تكنولوجية رائدة.
واختتمت هذه الملحمة بالاستقرار في مركز رواد الفضاء الأوروبي في كولونيا الألمانية لبدء بروتوكول التأهيل الطبي وإعادة التكيف مع الجاذبية الأرضية، تمهيداً لبدء التحضير للمهمة الفضائية المقبلة.


