من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».
قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.
قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.
في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.
وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.
ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.
حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.
ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.
كيف يتطور الدماغ؟
في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.
والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.
أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.
وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.
واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.
ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.
وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.



