ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

يرأسه مدير الاستخبارات ويضم نائب الرئيس ووزيرَي الدفاع والخزانة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، تشكيل «قوة الذكاء الفائق» (SIF)، وتعيين مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون لقيادة فريق عمل مكلَّف بتقييم مخاطر هذه التقنية، في خطوة تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه ملفاً تكنولوجياً واقتصادياً تقوده شركات «سيليكون فالي» إلى قضية «أمن قومي» وأداة منافسة استراتيجية مع الصين. ويضم الفريق نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، إضافة إلى مسؤولين ومستشارين آخرين.

وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن القوة الجديدة ستتولى تنسيق جهود الحكومة الفيدرالية لضمان استمرار «ريادة أميركا عالمياً في مجال الذكاء الفائق». وأوضح أن الفريق سيتولى أيضاً تنسيق تعامل الحكومة مع المستهلكين وجماعات المصلحة العامة والمنظمات الدينية ومشغلي البنية التحتية الحيوية وشركات الذكاء الاصطناعي.

وجاء الإعلان عقب ما وصفه ترمب بـ«الاتفاق التاريخي» الذي أُبرم في البيت الأبيض مع كبرى شركات التكنولوجيا بشأن مسؤولياتها تجاه الأميركيين. وإلى جانب كلايتون، تضم قيادة القوة رئيس لجنة التجارة الفيدرالية أندرو فيرغسون، ووكيل وزارة الحرب للبحوث والهندسة، وكبير مسؤولي التكنولوجيا إميل مايكل، ومدير مكتب إدارة شؤون الموظفين سكوت كوبور، على أن ترفع تقاريرها مباشرة إلى ترمب وكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.

وسيكون أمام الفريق الجديد 120 يوماً لرفع تقرير إلى الرئيس حول المخاطر التي تطرحها التكنولوجيا والفرص التي توفرها، وتحديد الأدوات المتاحة للحكومة للتعامل معها.

وصرح كلايتون لصحيفة «وول ستريت جورنال» بأن ترمب يريد ضمان بقاء الولايات المتحدة في الصدارة، محذراً من مخاطر كبيرة إذا لم تكن الشركات الأميركية في المقدمة؛ خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقدرات الخصوم.

وقال كلايتون: «طلب الرئيس تشكيل فريق يضمن تحقيق ما وعد به تماماً، وهو أن نبقى رواداً في مجال الاستخبارات الفائقة، وأن تُوضع مصالح الشعب الأميركي في المقام الأول». وأضاف أنّ «خطر عدم الريادة كبير». وتكشف هذه العبارة أن إدارة ترمب لا تنظر فقط إلى مخاطر تطوير أنظمة ذكاء أكثر قوة، وإنما إلى مخاطر أن تصل الصين إليها أولاً.

مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية جاي كلايتون (أ.ف.ب)

من ساكس إلى كلايتون

ويحمل اختيار كلايتون دلالة خاصة؛ لأنه يأتي خلفاً لديفيد ساكس، المستثمر ورجل الأعمال في «سيليكون فالي» الذي قاد ملف الذكاء الاصطناعي منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 حتى مغادرته في مارس (آذار) الماضي. فساكس كان يمثل العلاقة المباشرة بين الإدارة وصناعة التكنولوجيا. أما كلايتون، الذي لا يمتلك خلفية تقنية مباشرة، وأمضى سنوات طويلة محامياً في قطاع الأعمال والمال في «وول ستريت» ومؤسسات مثل «غولدمان ساكس»، فيأتي إلى الملف من موقع مختلف تماماً: فهو يشرف بصفته مديراً للاستخبارات الوطنية، مما يشير إلى أن البيت الأبيض بات يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أصلاً استراتيجياً يجب حمايته من التجسس والاختراق والسرقة، وإدماجه بصورة أسرع في قدرات الدولة الدفاعية والاستخباراتية.

وكان ترمب قد أصدر في يونيو (حزيران) مذكرة للأمن القومي، تطالب بتسريع إدخال أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً إلى الجيش وأجهزة الاستخبارات، وبناء منشآت حوسبة عالية الأمان، وتعزيز سلاسل إمداد تستطيع الاستمرار حتى في أوقات الصراع.

الصين المنافس الأكبر

تقف الصين في خلفية هذا التحول؛ ذلك أن المنافسة بين القوتين لم تعد مقتصرة على الرقائق الإلكترونية أو نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما تمتد إلى مراكز البيانات والطاقة والحوسبة المتقدمة والبرمجيات مفتوحة المصدر والاستخدامات العسكرية والاستخباراتية. وقد أثار النائب الديمقراطي رو خانا، العضو البارز في لجنة مجلس النواب المعنية بالصين، المخاوف من منافسة الصين في هذا المجال، وطلب من شركات أميركية كبرى (بينها: «OpenAI»، و«Anthropic»، و«Google»، و«Meta»، و«xAI») الكشف عن أي محاولات صينية للوصول بصورة غير مشروعة إلى البيانات شديدة الحساسية التي تحدد قدرات النماذج المتقدمة، وهو ما يكشف أن قلق واشنطن لم يعد يتعلق فقط بمن يستطيع تطوير أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي؛ بل من يستطيع حماية التكنولوجيا والمعرفة التي تقف وراءه.

وتقول التقارير إن الشركات الصينية تعتمد على استراتيجية نشر نماذج مفتوحة المصدر يمكن استخدامها وتعديلها على نطاق واسع، بما يمنح بكين وسيلة لتوسيع حضور التكنولوجيا الصينية عالمياً، حتى في الأسواق التي تهيمن فيها الشركات الأميركية.

معضلة التنظيم

لكن وضع الذكاء الاصطناعي في إطار المنافسة مع الصين يخلق معضلة داخلية لإدارة ترمب. فكلما ازدادت المخاوف من المخاطر الأمنية والسيبرانية والعسكرية للأنظمة الأكثر تطوراً، ارتفعت الدعوات إلى رقابة حكومية أكبر.

ولكن البيت الأبيض يخشى أن يؤدي بناء نظام تنظيمي ثقيل إلى النتيجة المعاكسة: إبطاء الشركات الأميركية بينما تواصل الصين تطوير قدراتها. ولهذا ينص ميثاق فريق كلايتون على مواجهة الأخطار الناجمة عن الذكاء الفائق، مع منع «التنظيم المفرط والهيمنة التنظيمية» التي يمكن أن تعيق الابتكار والمنافسة. وتتفق هذه المهمة مع السياسة التي تبناها ترمب منذ عودته إلى السلطة. فقد ركزت خطته للذكاء الاصطناعي على 3 أهداف رئيسية، هي: تسريع الابتكار، وبناء البنية التحتية الأميركية، وقيادة الدبلوماسية العالمية للذكاء الاصطناعي. كما حذر البيت الأبيض من أن تعدد قوانين الولايات يمكن أن يخلق شبكة متضاربة من القواعد تضعف قدرة الشركات الأميركية على المنافسة عالمياً.

من اليسار: المدعي العام الأميركي تود بلانش ووزير الحرب بيت هيغسيث ووزير الخزانة سكوت بيسنت في حفل إطلاق منصة «America.gov» للذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

فريق للأمن والاقتصاد معاً

وتكشف تركيبة فريق كلايتون حجم التحول. فهو يضم نائب الرئيس، ووزيرَي الدفاع والخزانة، إضافة إلى مسؤولين ومستشارين آخرين. ويشير وجود مسؤولين من وزارات الدفاع والخزانة ومجتمع الاقتصاد والاستخبارات في فريق واحد، إلى أن الإدارة لم تعد تفصل بين القوة التكنولوجية والقوة الاقتصادية والعسكرية.

وفي مفارقة تعكس تعقيد العلاقة بين واشنطن وبكين، يبحث البلدان أيضاً إنشاء قنوات للتعاون في التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي. وكشف وزير الخزانة سكوت بيسنت في تصريحات صحافية عدة عن اتجاه لاقتراح آلية اتصال طارئة بين الولايات المتحدة والصين، للتعامل مع الحوادث الخطيرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في أعقاب القمة التي جمعت الرئيس ترمب بنظيره الصيني شي جينبينغ.

ويقول المحللون أن تكليف كلايتون بهذه المهمة يعني أن يقوم مجتمع الاستخبارات بمهام حماية التفوق الأميركي من الخصوم، وتسريع استخدام التكنولوجيا في حماية الأمن القومي، والاستعداد لمخاطرها، ولكن من دون بناء قيود ترى إدارة ترمب أنها قد تساعد الصين أكثر مما تحمي الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

يوميات الشرق شعار «شات جي بي تي» يظهر في صورة توضيحية على لوحة مفاتيح (رويترز)

قد يؤيد أفكارك ويتجاهل أعراضاً خطيرة... مخاطر استشارة الذكاء الاصطناعي نفسياً

يتزايد اعتماد الأطفال والبالغين على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة والدعم النفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

الذكاء الاصطناعي يدخل المستشفيات أسرع من قوانين حماية المرضى

غالبية الدول توظفه لكنها لا تمتلك استراتيجية وطنية مخصصة للذكاء الاصطناعي الصحي

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)

خاص ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

تكشف «كاسبرسكي» كيف قد تتحول ماسحات «الباركود» إلى بوابة نحو أنظمة المستودعات الحساسة ما يهدد استمرارية التشغيل وحركة البضائع.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
تكنولوجيا الصفحة الرئيسية لموقع الهيئة الوطنية البريطانية للأمن السيبراني تظهر على شاشة هاتف ذكي في لندن اليوم (رويترز)

مواقع إلكترونية عالمية تتوقف مؤقتاً بعد اكتشاف الذكاء الاصطناعي ثغرتين خطيرتين

شهدت شبكة الإنترنت حالة من الاستنفار الأمني عقب اكتشاف الذكاء الاصطناعي لثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «بي إتش بي PHP».

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تنظر خوارزمية التنبؤ بمخاطر الوفيات وخوارزمية تقدير العمر إلى أجزاء مختلفة من الوجه لإجراء تقييماتها (مؤسسة «ماس جنرال بريغهام» في بوسطن)

عبر الذكاء الاصطناعي... صورة للوجه تتنبأ بفرص نجاة مرضى السرطان

قد تحمل صورة سيلفي بسيطة مؤشرات مفاجئة على الصحة العامة ومتوسط العمر المتوقع، خصوصاً لدى المصابين بالسرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يستبعد عودة مسبح البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يستبعد عودة مسبح البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة إنشاء المسبح التاريخي في باحة البيت الأبيض، مؤكداً في منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، السبت، أنه لن يعود أبداً.

وقبل أيام، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن ترمب (80 عاماً) درس إمكانية اتخاذ هذه الخطوة، بالتزامن مع فرض حظر على وجود جميع الصحافيين في البيت الأبيض.

وتحظى قاعة الإحاطات الصحافية في البيت الأبيض بشهرة عالمية، إذ تُعقد فيها مؤتمرات صحافية مهمة. وكانت المنطقة نفسها تضم في السابق مسبحاً داخلياً، قبل أن تحل محله قاعة الصحافة قبل عقود، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي نهاية سبتمبر (أيلول)، نشر ترمب عبر «تروث سوشيال» صورة مركبة تجمع بين قاعة الإحاطات الصحافية الحالية والمسبح.

وكتب ترمب في منشوره الجديد أنه قد ينقل الصحافيين إلى موقع آخر، مستخدماً تعبير «الأخبار الزائفة» الذي كثيراً ما يلجأ إليه للتعبير عن رفضه للتغطيات الإعلامية التي لا تعجبه.

وقال ترمب في منشوره: «هناك تقرير من الأخبار الزائفة يزعم أنني سأزيل قاعة الصحافة في البيت الأبيض وأعيد المسبح القديم الموجود أسفلها مباشرة. وعلى الرغم من أنني قد أنقل وسائل الإعلام التي تروج للأخبار الزائفة إلى موقع أقل إزعاجاً، فإن المسبح القديم لن يعود أبداً».


معركة مجلس النواب الأميركي... خرائط جديدة وسباقات حاسمة على الأغلبية

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

معركة مجلس النواب الأميركي... خرائط جديدة وسباقات حاسمة على الأغلبية

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز أمام الكونغرس في 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

معركة السيطرة على الكونغرس ليست معركةً واحدةً فحسب. فالسلطة التشريعية تتألف من مجلسين، هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ولكل منهما تركيبته وصلاحياته الخاصة، التي تتقاطع في بعض المجالات وتختلف في أخرى. ويُعدُّ مجلس النواب الأقرب إلى ما يمكن وصفه بمجلس الشعب، ويتألف من 435 نائباً يمثلون الدوائر الانتخابية في الولايات الأميركية الخمسين، ويُنتخَبون لولاية مدتها سنتان.

وفي الكونغرس الحالي، الـ119، يتمتع الجمهوريون بأغلبية هشة في مجلس النواب. وفي هذه الجولة الانتخابية، يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع الأغلبية، وهو ما يتطلب منهم تحقيق مكسب صافٍ بـ3 مقاعد مقارنة بنتائج انتخابات 2024، حين فاز الجمهوريون بـ220 مقعداً مقابل 215 للديمقراطيين. رقم قد يبدو صغيراً وبسيطاً، لكن تحقيقه ليس سهلاً، خصوصاً في ظلِّ خريطة انتخابية جديدة رُسمت في بعض الولايات بعد معركة محتدمة بين الحزبين حول إعادة ترسيم الدوائر.

التاريخ في مواجهة حزب الرئيس

تاريخياً، غالباً ما يخسر حزب الرئيس مقاعد في الانتخابات النصفية، لا سيما في مجلس النواب، حيث أدت هذه الخسائر في محطات سابقة إلى انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر.

زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز مع ريبيكا بينيت المرشحة الديمقراطية في نيوجيرسي يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ففي عام 1994، خسر الديمقراطيون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد الرئيس بيل كلينتون. وفي عام 2006، انتقلت الأغلبية إلى الديمقراطيين خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن، قبل أن يستعيدها الجمهوريون عام 2010، إثر خسارة الديمقراطيين أكثر من 60 مقعداً في عهد الرئيس باراك أوباما.

وتكرَّر المشهد عام 2018، عندما خسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى. وفي عام 2022، فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في عهد الرئيس جو بايدن. غير أن هذه القاعدة التاريخية لا تنطبق بالضرورة على جميع الانتخابات. ومن أبرز الاستثناءات انتخابات عام 2002، حين عزَّز الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب خلال عهد جورج بوش الابن، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وسط التفاف شعبي حول الرئيس وتصدّر قضايا الأمن القومي المشهد الانتخابي.

سباقات متقاربة

أما هذا العام، فيبدو المشهد أكثر تعقيداً واختلافاً. فمن جهة، شهدت بعض الولايات إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية وسط معارك سياسية وقانونية بين الحزبين. ومن جهة أخرى، تتصدر اهتمامات الناخب الأميركي ملفات عدة، من الاقتصاد وتكلفة المعيشة، مروراً بالحرب مع إيران، وصولاً إلى الهجرة.

وقد انعكست هذه العوامل على المنافسة في عدد من الدوائر الانتخابية الـ435. وبحسب تصنيفات «كوك بوليتيكال ريبورت»، يُصنَّف 21 سباقاً ضمن فئة «المنافسة المتكافئة»، ما يسلّط الضوء على الدور الحاسم الذي قد تؤديه مجموعة محدودة من الدوائر في تحديد هوية الأغلبية المقبلة.

وتبرز نيويورك في مقدمة الولايات الجديرة بالمتابعة، وتحديداً دائرتها الانتخابية الـ17. فهذه الدائرة، التي صوّتت للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في انتخابات 2024، تشكّل اختباراً مهماً للديمقراطيين، إذ يمثلها النائب الجمهوري مايك لاولر منذ عام 2023، ويواجه في السباق الحالي المرشحة الديمقراطية كايت كونلي. وإذا تمكَّن لاولر من الاحتفاظ بمقعده، فسيثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة الديمقراطيِّين على استعادة المقاعد في الدوائر المتأرجحة.

وتأتي بنسلفانيا في مقدمة الولايات الأخرى الجديرة بالمراقبة، وتحديداً 3 دوائر يدافع فيها الجمهوريون عن مقاعدهم، هي الـ7، والـ8، والـ10، وقد صوّتت جميعها لترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2024. وستشكّل نتائج هذه الدوائر مؤشراً على مدى قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بدعم ناخبي ترمب في انتخابات الكونغرس، ومدى انعكاس المزاج السياسي الوطني على خيارات الناخبين في المنافسات المحلية.

المرشحة الديمقراطية في ولاية أيوا ليندسي جايمس يوم 10 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أما استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتكلفة المعيشة، فيُتوقّع أن يبرز بصورة خاصة في ولاية أيوا، التي صوَّتت لصالح ترمب في انتخابات 2024. ففي هذه الولاية، تتصدَّر قضايا تكلفة المعيشة والرسوم الجمركية وأسعار الوقود والأسمدة أولويات المنافسة الانتخابية، خصوصاً في الدوائر الأولى والثانية والثالثة.

واللافت أن «كوك بوليتيكال ريبورت» عدّل تصنيفه لهذه الدوائر الـ3 في اتجاه أكثر ملاءمة للديمقراطيِّين، فنقل الدائرتين الأولى والثالثة من خانة المنافسة المتكافئة إلى خانة الميل للديمقراطيين، بينما نقل الدائرة الثانية من خانة الميل للجمهوريين إلى خانة المنافسة المتكافئة.

إعادة رسم الخرائط

تبرز أيضاً الولايات التي شهدت إعادة ترسيم دوائرها الانتخابية، وفي مقدمتها تكساس، حيث أعاد الجمهوريون رسم الخريطة سعياً إلى انتزاع 5 مقاعد إضافية في مجلس النواب.

لكن المفارقة أن 3 دوائر في جنوب تكساس ظلّت موضع منافسة رغم تعديل حدودها، وهي الدوائر الـ28 والـ34 والـ35. ولا تقتصر السباقات الجديرة بالمتابعة في هذه الولاية الجمهورية بامتياز على تلك الدوائر، إذ سيكون من المهم أيضاً مراقبة الدائرة الـ15، التي قد تعكس اتجاهات تصويت الناخبين من أصول لاتينية، خصوصاً فيما يتعلق بملف الهجرة.

حاكم تكساس غريغ أبوت ونائب الرئيس جي دي فانس في تكساس يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتشهد فلوريدا مشهداً مماثلاً، بعدما أعادت رسم خريطتها الانتخابية لتعزيز فرص الجمهوريين في انتزاع مقاعد إضافية من الديمقراطيين، في ولاية يشكّل فيها ملف الهجرة قضية أساسية لدى شريحة واسعة من الناخبين من أصول لاتينية. وفي هذا السياق، تبرز الدائرتان الـ19 والـ14، حيث يسعى الديمقراطيان دارين سوتو وكاثي كاستور إلى الاحتفاظ بمقعديهما، بعدما أصبحت الحدود الجديدة للدائرتين أكثر ملاءمة للجمهوريين.

أما الدائرة الـ27، فتختلف فيها طبيعة المنافسة، إذ تسعى النائبة الجمهورية ماريا إلفيرا سالازار إلى الاحتفاظ بمقعدها في منطقة ذات كثافة لاتينية، وسط جدل بشأن سياسات إدارة ترمب المتعلقة بالهجرة والترحيل. وقد انتقدت سالازار علناً هذه السياسات، في موقف يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها بعض النواب الجمهوريين في الموازنة بين توجهات الإدارة ومواقف ناخبيهم.

كاليفورنيا... الخريطة الديمقراطية المضادة

غير أنَّ إعادة رسم الخرائط الانتخابية لم تقتصر على الولايات الجمهورية. كاليفورنيا، التي تمتلك أكبر وفد في مجلس النواب بـ52 مقعداً، تليها تكساس بـ38 مقعداً، ثم فلوريدا بـ28 مقعداً، تتصدَّر ما يمكن وصفه بالتحرك الديمقراطي المضاد على صعيد إعادة ترسيم الدوائر.

حاكم كاليفورنيا غافين نيوسم في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

فقد أعادت الولاية رسم دوائرها بما يعزِّز فرص الديمقراطيين في الفوز بعدد من المقاعد التي يسيطر عليها الجمهوريون. وفي كاليفورنيا، لا ينحصر هدف الديمقراطيِّين في الحفاظ على أغلبيتهم داخل الولاية، بل يتعداه إلى توسيعها عبر استهداف 5 مقاعد يشغلها جمهوريون، في ردٍّ مباشر على الخطوات التي اتخذها الجمهوريون في تكساس.

ومن الولايات التي تستحق المتابعة أيضاً نورث كارولاينا، التي شهدت تعديلاً لحدود الدائرة الانتخابية الأولى، جعلها أكثر ميلاً للجمهوريين. هناك، يسعى النائب الديمقراطي دون ديفيس إلى الاحتفاظ بمقعده في مواجهة الجمهورية لوري باكهاوت، في سباق يشكّل اختباراً لمدى تأثير إعادة ترسيم الدوائر على موازين القوى الانتخابية، وقدرة النواب الحاليِّين على الحفاظ على تأييد ناخبيهم رغم تغيّر الحدود.

سلطة التشريع والمال والرقابة

تتجاوز أهمية السيطرة على مجلس النواب مسألة التوازن الحزبي داخل الكونغرس. فالمجلس يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، ويؤدي دوراً محورياً في إقرار القوانين والميزانية الفيدرالية، فضلاً عن تمتّعه بحق المبادرة في طرح مشروعات القوانين المتعلقة بالإيرادات والضرائب.

النائب الديمقراطي آل غرين يدعو لعزل ترمب في كلمة أمام الكونغرس يوم 14 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ويملك أيضاً صلاحيات واسعة لمساءلة الإدارة من خلال لجانه المختصة، التي تستطيع استدعاء المسؤولين وفتح التحقيقات، إلى جانب صلاحية توجيه الاتهامات في إطار إجراءات عزل الرئيس وكبار المسؤولين.

وفي حال انتزع الديمقراطيون الأغلبية، فسيجد الرئيس دونالد ترمب نفسه أمام واقع سياسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايته. إذ سيتمكَّن الديمقراطيون من عرقلة أولويات الجمهوريين التشريعية، والتفاوض بشأن الإنفاق الحكومي والتمويل الفيدرالي، من دون أن يعني ذلك قدرتهم على تمرير أجندتهم التشريعية منفردين، في غياب موافقة مجلس الشيوخ والرئيس.

والأهم أنهم سيتولون رئاسة لجان مجلس النواب، ما يتيح لهم تشديد الرقابة على الإدارة، وفتح تحقيقات بشأن سياساتها وقراراتها، واستدعاء مسؤولين للإدلاء بشهاداتهم. وبذلك، لا تقتصر المعركة على انتزاع الأغلبية في مجلس النواب، بل تتعداها إلى تحديد هامش المناورة السياسية المتاح لترمب في واشنطن خلال النصف الثاني من ولايته.


القواعد المتعلقة بـ«التحرش الجنسي في الكونغرس الأميركي» تخضع للمراجعة

نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
TT

القواعد المتعلقة بـ«التحرش الجنسي في الكونغرس الأميركي» تخضع للمراجعة

نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)
نائبتا الكونغرس الأميركي كات كاماك وتيريزا ليجير فرنانديز (أ.ب)

عندما بدأت كات كاماك العمل هذا الربيع على فريق عمل مكلف بمكافحة سوء السلوك الجنسي في الكونغرس الأميركي، سرعان ما تلقت النائبة الجمهورية عن ولاية فلوريدا اتصالات من موظفات سابقات أردن مشاركة قصصهن وتجاربهن.

ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، قالت كاماك إنهن «ظهرن فجأة»، موضحة أنهن التزمن الصمت لأن الاعتقاد السائد كان أن التقدم للإبلاغ عما تعرضن له سينهي مسيرتهن المهنية التي بذلن جهداً كبيراً لبنائها.

وأضافت كاماك: «كانت تلك من أصعب المحادثات التي خضتها، وكانت القصص مفجعة للغاية».

ودفعت الزيادة الكبيرة هذا العام في التحقيقات التي تجريها لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب والمتعلقة بسوء السلوك الجنسي، القيادات في الكونغرس إلى تشكيل مجموعة عمل تقودها كاماك والنائبة تيريزا ليجير فرنانديز، الديمقراطية عن ولاية نيو مكسيكو.

وقالت كاماك إن ما توصلت إليه المجموعة «مثير للقلق».

وأوضحت أن الضحايا لا يعرفن بوضوح الجهات التي يمكنهن اللجوء إليها طلباً للمساعدة، كما أنهن لا يثقن بأن الجناة سيواجهون عواقب.

وأضافت أن متطلبات الإبلاغ المعمول بها حالياً عن التحرش قد تأتي بنتائج عكسية، ومن ذلك المهلة المحددة بـ180 يوماً، التي تشبه «ساعة العد التنازلي»، لتقديم شكوى بعد وقوع الانتهاك المزعوم.

وقالت كاماك: «إنه وضع كارثي. فالنظام بأكمله في الكونغرس مصمم في الواقع لخلق تأثير مثبط للضحايا».

ومن المتوقع أن يعلن فريق العمل توصياته لإجراء تعديلات بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بهدف اتخاذ إجراءات قبل نهاية العام.