يراهن سينمائيون فلسطينيون وعرب على الأفلام الواقعية والإنسانية لإنصاف القضية الفلسطينية في المهرجانات السينمائية الغربية، وسط استقبال لافت لعدد من التجارب التي تناولت معاناة «أصحاب الأرض» في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «غزة 13»، الذي يُعرض ضمن النسخة الحالية من «مهرجان تورنتو» في كندا.
وجاء العرض العالمي الأول لفيلم «غزة 13»، للمخرج الفلسطيني حسام أبو دان، الذي يقدّم زاوية مختلفة في تناول الحرب، عبر تتبُّع آثارها الخفية على الحياة اليومية من خلال «رغد» البالغة 13 عاماً، التي تجد نفسها داخل مخيّم للنازحين بعد فقدان عدد من أفراد عائلتها.
وصُوّر الفيلم بالكامل في قطاع غزة، بمشاركة ممثلين وفنّيين فلسطينيين، ويُعدّ أول فيلم روائي طويل يُصوَّر داخل القطاع منذ 12 عاماً. كما عُرض الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة» خارج المسابقة في «مهرجان فينيسيا»، ويتابع الصحافي والمصور الفلسطيني أسامة العشي على مدى عام خلال الحرب.
ويُعدّ الفيلم الوثائقي «نازا»، للمخرجَيْن الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، الذي حصل على جائزة «لجنة التحكيم الخاصة» في النسخة الماضية من مهرجان «فينيسيا السينمائي» في إيطاليا، من أحدث الأعمال التي تتناول اتهامات بارتكاب «إبادة جماعية في غزة». والفيلم إنتاج بريطاني-أميركي مشترك، وسبق لمخرجَيْه الفوز بجائزة «الأوسكار» العام الماضي عن فيلم «لا أرض أخرى»، الذي تشاركا في إخراجه مع مخرجين فلسطينيين.
وتضمّن الفيلم الجديد شهادات سرّية لـ24 جندياً وعنصراً مخابراتياً حول استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في عمليات قصف استهدفت، وفق هذه الشهادات، مدنيين في قطاع غزة. ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة وسط تفاعل جماهيري كبير وعاصفة غضب سياسية داخل إسرائيل.

وشهد العام الماضي فوز فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة كوثر بن هنية، بجائزة «الأسد الفضي» في «فينيسيا». وتناول واقعة استهداف الطفلة الفلسطينية هند رجب، بعد إرسالها رسائل استغاثة خلال حصارها في غزة. ووصل العمل إلى التصفيات النهائية لـ«الأوسكار»، وعُدّ من أسباب تسليط الضوء بشكل أكبر على الحادث، فيما أعلنت إسرائيل فتح تحقيقات فيه، ثم أعلنت لاحقاً مسؤوليتها عن قتل الطفلة.
كما شهدت النسخة الماضية من المهرجان عرض الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، الذي وثّق جانباً من حرب الإبادة في غزة وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين.
وترى المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أن الأفلام التي تتناول فلسطين تؤدّي دوراً مهماً في تغيير الصورة التي تصل إلى الجمهور العالمي، بفضل قدرة السينما على تحويل الوقائع السياسية والإنسانية إلى تجارب يراها المشاهد ويتفاعل معها، مشيرةً إلى أنّ «الفيلم قد يصل إلى الإنسان بطريقة لا تحققها الأخبار أو الخطابات السياسية، لأنه يخلق مساحة للتعاطف، ويمنح المتلقّي فرصة لرؤية حياة الآخر من الداخل، ما يجعل السينما أداة للمقاومة والتأثير».
وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «السنوات الأخيرة شهدت حضوراً أوضح لفلسطين داخل الأوساط الثقافية العالمية، مع مواقف لمخرجين وفنانين ومثقفين»، مؤكدةً أنّ «تغيير الوعي لا يكفي وحده لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال، وإنما يحتاج إلى قرارات وضغوط سياسية واقتصادية».
وتستشهد بفيلم «لا أرض أخرى»، الذي نقل قضية «مسافر يطا» إلى جمهور دولي واسع وحاز «الأوسكار»، لكن ذلك لم يوقف ما يواجهه سكان المنطقة. وترى أنّ قوة السينما تكمن في كشف الواقع وصناعة الوعي والتعاطف، فيما يبقى التحدّي في تحويل هذا الوعي إلى فعل يترك أثراً في الواقع.
وفي هذا السياق، يقول الناقد الجزائري فيصل شيباني لـ«الشرق الأوسط» إن الأفلام التي تتناول الحرب في غزة والقضية الفلسطينية تملك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام، بفضل قوة الصورة في الوصول إلى المتلقّي وتغيير نظرته إلى القضايا التي تطرحها، خصوصاً لدى النخب الثقافية والسياسية. ويشير إلى أنّ أفلاماً، مثل «صوت هند رجب» و«نازا»، أحدثت صدى واسعاً، لكن الأخير اكتسب خصوصية من تناوله الأحداث من منظور إسرائيلي، ممّا وسّع النقاش حوله إلى الأوساط السياسية والثقافية داخل إسرائيل.

ويضيف شيباني أنّ قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب وفتح زوايا جديدة أمام الجمهور لفهم التجربة الفلسطينية، مؤكداً أن «وصول هذه الأفلام إلى المهرجانات العالمية يوسّع دائرة النقاش، لأنّ السينما تمنح المتلقّي مساحة للتأمّل والتفاعل الإنساني تتجاوز أحياناً طبيعة التغطية الإخبارية. كما يرتبط تأثيرها بقدرتها على الوصول إلى جمهور متنوّع وتقديم صور متعدّدة عن الفلسطينيين وحياتهم وتجاربهم».
ويؤكد الناقد المصري محمد طارق أنّ تأثير الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية يظلّ مرتبطاً بطبيعة كلّ فيلم وسياقه والجمهور الذي يصل إليه والمهرجانات أو المنصات التي تعرضه، لكن ذلك لا ينفي انعكاساتها السياسية والثقافية، خصوصاً مع التحوّلات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة على طريقة النظر إلى القضية الفلسطينية لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.
ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الأفلام من العناصر التي أسهمت في هذا التحوّل، إلى جانب عوامل سياسية وإعلامية ومجتمعية أخرى، وبالتالي يصعب فصل أثر السينما عن السياق الأوسع الذي تتحرّك داخله»، مؤكداً أنّ «للأفلام دوراً في بناء التعاطف مع القضية الفلسطينية، وربما يكون تأثيرها العاطفي أعمق، في بعض الحالات، من التغطية الصحافية، خصوصاً عندما تنجح في الوصول إلى جمهور واسع خارج الدوائر المعتادة المهتمة بالقضية».

ويشير المخرج الفلسطيني إسماعيل الهباش لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ الأفلام الآتية من غزة، بحكم الظروف التي أُنتجت فيها وما تحمله من شهادات وصور مرتبطة بالحرب، تُعزّز بصورة مباشرة تصوّر الإبادة لدى الجمهور الذي تصل إليه، فيما تختلف الصورة بالنسبة إلى مجمل الأفلام الفلسطينية التي تُنتج في أماكن أخرى وتنطلق من تجارب مختلفة.
ويوضح أنّ «بعض هذه الأعمال يُسهم أيضاً في ترسيخ هذا التصوّر من خلال تناوله الحرب وتداعياتها، في حين تذهب أفلام أخرى إلى موضوعات وقضايا مختلفة لا ترتبط بصورة مباشرة بما يحدث في غزة، وبالتالي لا يمكن وضع جميع الأفلام الفلسطينية في السياق عينه».







