قال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، بوريس فوجيتش، إن التوقعات المتزايدة في الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة مجدداً تستند بدرجة كبيرة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكداً أن صناع السياسة النقدية يعتمدون على مجموعة أوسع بكثير من المؤشرات الاقتصادية عند اتخاذ قراراتهم.
وجاءت تصريحات فوجيتش في مقابلة مع «رويترز»، بعد أن عزز المستثمرون رهاناتهم على مزيد من التشديد النقدي عقب قرار البنك المركزي الأوروبي رفع تكاليف الاقتراض الأسبوع الماضي، في وقت أسهم فيه اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط في زيادة أسعار الوقود داخل منطقة اليورو.
وسعى فوجيتش، العضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، إلى تهدئة هذه التوقعات، محذراً من التركيز المفرط على أسعار النفط والغاز باعتبارها العامل الوحيد المؤثر في مسار السياسة النقدية.
وقال: «إن تسعير الأسواق لمسار أسعار الفائدة يتأثر حالياً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الطاقة»، مضيفاً: «ما أود التأكيد عليه هو أننا لا ننظر فقط إلى أسعار الطاقة، بل إلى مجموعة أوسع بكثير من البيانات والمعايير عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية. ومن غير الحكمة التركيز حصراً على أسعار الطاقة، مهما بلغت أهميتها».
اقتصاد متماسك رغم المخاطر
وأشار فوجيتش إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤدي فقط إلى زيادة الضغوط التضخمية، بل قد يضعف النمو الاقتصادي أيضاً من خلال تقليص الدخل المتاح للأسر والحد من الإنفاق الاستهلاكي.
وأوضح أن بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة خلال الخريف قد يؤثر سلباً في دخول الأسر وسلوك المستهلكين، ما سينعكس بدوره على النشاط الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف أن شتاءً أكثر برودة قد يزيد من هذه الضغوط عبر رفع تكاليف التدفئة، لكنه لفت في المقابل إلى أن منطقة اليورو نجحت خلال السنوات الأربع الماضية في تقليص اعتمادها على الغاز الطبيعي، مما يجعل انخفاض مستويات المخزون أقل خطورة مقارنة بالفترة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
كما رأى أن اقتصاد منطقة اليورو أظهر قدرة أكبر على الصمود مما كان متوقعاً، مدعوماً بأداء الصادرات- التي استفادت من تقديم بعض المشتريات إلى فترات سابقة -إضافة إلى استمرار قوة الاستهلاك الخاص عند مستويات وصفها بأنها «معقولة».
وتيرة رفع الفائدة الحالية مناسبة
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي من 2 إلى 2.5 في المائة عبر خطوتين خلال يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع تحديث توقعاته الاقتصادية الفصلية.
وقال فوجيتش إن هذه الوتيرة «تستحق الاستمرار في الوقت الحالي»، مضيفاً أن البنك سيواصل مراقبة التطورات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة وتعديل سياسته وفقاً للمعطيات الجديدة.
وتتوقع أسواق المال حالياً تنفيذ ثلاث أو أربع زيادات إضافية في أسعار الفائدة بحلول نهاية العام المقبل، مع احتمال أن يأتي الرفع المقبل في أكتوبر (تشرين الأول)، ما قد يدفع سعر فائدة الإيداع إلى نطاق يتراوح بين 3.25 و3.5 في المائة.
ورغم أن البنك المركزي الأوروبي يعتبر مستوى فائدة يتجاوز 2.5 في المائة ذا طابع تقييدي للنشاط الاقتصادي، شدد فوجيتش على أن التركيز يجب أن ينصب على تحديد المستوى المناسب للفائدة في كل مرحلة، بدلاً من الانشغال بالتصنيفات النظرية.
الاحتياطي الإلزامي خيار لسحب السيولة
كما ألمح نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي إلى إمكانية رفع متطلبات الاحتياطي الإلزامي على البنوك كوسيلة لسحب جزء من السيولة الفائضة التي تراكمت نتيجة برامج التحفيز النقدي خلال العقد الماضي، والتي تكلف البنوك المركزية في منطقة اليورو مليارات اليوروات سنوياً كمدفوعات فوائد.
وأوضح أن متطلبات الاحتياطي تسمح «بتعقيم» جزء من هذه السيولة بطريقة بسيطة ومنخفضة التكلفة، معرباً عن تفضيله لهذا الخيار مقارنة ببدائل أخرى مثل فرض رسوم على الودائع أو العودة إلى نظام أسعار الفائدة المتدرج الأكثر تعقيداً.
عوائد السندات ورسالة للحكومات
وفيما يتعلق بارتفاع عوائد السندات العالمية إلى مستويات لم تُسجل منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، قال فوجيتش إن هذه التحركات لا تشكل تهديداً للاستقرار المالي، نظراً لتمتع بنوك منطقة اليورو بمستويات قوية من رأس المال والسيولة.
إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أهمية التزام الحكومات بالانضباط المالي وإبقاء أوضاع المالية العامة تحت السيطرة.
وأضاف: «إذا تراجعت توقعات التضخم مع مرور الوقت فقد نشهد إعادة تسعير في الأسواق، لكن السياسة المالية المسؤولة ستظل عنصراً أساسياً لضمان الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل».
