الحضور الروسي يتعزز في شرق ليبيا وجنوبها... ويثير تساؤلات

وسط أنباء عن وصول قافلة بحرية عسكرية روسية إلى طبرق

نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بموسكو في أغسطس الماضي (الجيش الوطني)
نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بموسكو في أغسطس الماضي (الجيش الوطني)
TT

الحضور الروسي يتعزز في شرق ليبيا وجنوبها... ويثير تساؤلات

نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بموسكو في أغسطس الماضي (الجيش الوطني)
نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بموسكو في أغسطس الماضي (الجيش الوطني)

أعاد الحضور العسكري الروسي في شرق ليبيا وجنوبها نفسه إلى واجهة المشهد الأمني، إثر صدور تقارير عن وصول قافلة بحرية روسية إلى ميناء طبرق، محملة بمركبات مدرعة ومعدات لوجستية، ما أثار تساؤلات عديدة، في ظل الانقسام الذي تعانيه البلاد.

ويرى متابعون أن هذا التطور يضيف فصلاً جديداً إلى علاقة عسكرية متنامية بين موسكو وقوات «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر.

وحظيت هذه التقارير باهتمام محلي واسع، رغم مرور يومين على تداولها، في ظل تكتم ليبي وروسي بشأنها. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصدرين عسكريين للاستفسار عن هذا التطور، لكنها وُوجهت بامتناع أحدهما عن الرد، ونفي الآخر علمه بالأمر، في حين لم ترد السفارة الروسية على استفسار أُرسل إليها عبر البريد الإلكتروني حتى لحظة التحرير.

طائرات مقاتلة في قاعدة طبرق العسكرية الجوية (إعلام القيادة العامة)

وقلّل الباحث العسكري المقرب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، محمد الترهوني، من أهمية الحديث عن توسع روسي، واصفاً التقرير الأخير في هذا الشأن بأنه «تهويل إعلامي»، وربط ذلك بما يصفه بتنامي الحضور الأوكراني في غرب ليبيا، الخاضع لسلطة حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

ومع ذلك، لم يتوقف الحديث عن الحضور الروسي في شرق ليبيا وجنوبها، خصوصاً بعد تقرير لوكالة الأنباء الإيطالية «نوفا»، منتصف الأسبوع، أفاد بأن قافلة عسكرية وصلت إلى ميناء طبرق عبر البحر المتوسط، محملة على الأرجح بمركبات مدرعة ومعدات لوجستية.

واستندت الوكالة إلى تحليل مجموعتَي «سونارو» و«جيو إنسايدر» لصورة قمر اصطناعي التُقطت في 13 سبتمبر (أيلول) الحالي، أظهرت سفينة الشحن «أناستاسيا» داخل الميناء، وسفينة الإنزال «يوري أرشينيفسكي» عند مدخله، في حين ظهرت «ألكسندر شابالين» في عرض البحر.

كما أظهرت الصورة شاحنات من طراز «أورال» ومركبات مدرعة، حددها محللون بأنها ناقلات جنود ومركبات مقاومة للألغام والكمائن، وهو ما عزز التكهنات بشأن طبيعة الشحنة، من دون وجود تأكيد رسمي روسي أو ليبي حول محتوياتها أو وجهتها.

ومنذ سنوات، تتحدث تقارير دولية عن امتداد الوجود العسكري الروسي إلى ما لا يقل عن ست قواعد جوية ليبية، تتوزع بين الشرق والوسط والجنوب، وتشمل الخادم قرب المرج، والجفرة والقرضابية، وتمنهنت، وبراك الشاطئ، ومعطن السرة في أقصى الجنوب الشرقي.

نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف ملتقياً حفتر في موسكو عام 2023 (الجيش الوطني)

وتضم هذه المواقع، وفق تلك التقارير، أفراداً ومعدات تابعة لـ«فيلق أفريقيا» الروسي، مع إتاحة وصول عملياتي إليها، في إطار حضور عسكري روسي يتجاوز نطاق التعاون التقليدي، ويمنح موسكو موطئ قدم في مناطق استراتيجية، تمتد من الساحل إلى عمق الصحراء.

ويرى جلال حرشاوي، الباحث المساهم في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، أن وصول قافلة بحرية عسكرية روسية إلى طبرق «يقدم مزيداً من الإشارات» إلى تعزيز الحضور الروسي في شرق ليبيا وجنوبها، مرجحاً توجيه الشحنات إلى قوات «الجيش الوطني».

وقال حرشاوي لـ«الشرق الأوسط» إن الشحنات العسكرية «من المحتمل أن تكون موجهة للجيش»، وهو ما يفتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين موسكو والقيادة العامة، وحدود الدعم العسكري الروسي المقدم إلى قوات شرق ليبيا.

وفي سياق هذا الدعم، سبق أن أشار كيريل سيمونوف، الخبير المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمجلس الشؤون الدولية الروسي، لـ«الشرق الأوسط» إلى اعتماد حفتر بدرجة كبيرة على كوادر روسية لتشغيل بعض منظومات الدفاع الجوي، في ظل محدودية الكوادر المحلية المتخصصة في إدارتها.

كما ذهبت تقديرات الخبير الروسي إلى أن موسكو تعمل كذلك على بناء صلات مباشرة مع الجيل المقبل من قيادة عائلة حفتر، من خلال تدريب نجلَيه خالد وصدام، معتبراً أن المسار يتجاوز الاحتياجات العسكرية الآنية إلى المساهمة في تشكيل بنية القيادة المستقبلية، واستمرارية العلاقة بين الطرفين.

من جهته، يرى الباحث السياسي، محمد مطيريد، أن صفقات التسليح وتطوير قدرات «الجيش الوطني الليبي» لا تعني تلقائياً توسعاً روسياً، موضحاً أن الجيوش تطور تسليحها وفق احتياجاتها الأمنية، وأن التعاون العسكري قد يشمل التدريب، ورفع الكفاءة وتبادل الخبرات، وتطوير القدرات والعمليات المختلفة.

وحذر مطيريد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «الخلط بين التعاون العسكري وتبادل المصالح الدفاعية من جهة، ومفهوم التوسع والنفوذ من جهة أخرى»، مشيراً إلى أن «وصف التعاون بين موسكو وسلطات بنغازي بالتوسع الروسي فقط، قد يقود إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة العلاقات العسكرية بين الطرفين».

نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف في زيارة سابقة إلى بنغازي (الجيش الوطني)

ويشير مطيريد إلى أن «خصوصية المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وتاريخ تسليحها يجب أخذهما في الاعتبار؛ إذ تعتمد بنيتها التسليحية جزئياً على منظومات روسية وشرقية، ما يجعل استمرار هذا التعاون امتداداً لبنية قائمة، لا تحولاً مفاجئاً في العقيدة العسكرية الليبية».

ومنذ مطلع العام، أجرى نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر زيارتين إلى روسيا، حيث التقى في مايو (أيار) وزير الدفاع أندريه بيلوسوف لبحث التعاون العسكري، كما استقبله الرئيس فلاديمير بوتين وبيلوسوف في أغسطس (آب)، لبحث توحيد المؤسسات الليبية، ووحدة الأراضي الليبية، والتعاون الأمني والعسكري.


مقالات ذات صلة

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا كشافة طرابلس يؤدون التحية لصورة شيخ المجاهدين عمر المختار في متحفه بمدينة بنغازي شرق ليبيا (الشرق الأوسط)

في الذكرى 95 لإعدامه... عمر المختار رمز تاريخي يتحدى الانقسام الليبي

بعد 95 عاماً على إعدامه، لا يزال المناضل الليبي عمر المختار يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أبرز الرموز التاريخية الجامعة لليبيين، في بلد أنهكه الانقسام السياسي.

علاء حموده (بنغازي (ليبيا))
شمال افريقيا المبعوثة الأممية هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري عقب لقاء مع وفد من تجمع «الرؤية الوطنية» الليبي في طرابلس الثلاثاء (البعثة الأممية)

ليبيا: غوتيريش يساند اتفاق «4+4» رغم اعتراضات «الأعلى للدولة»

أبدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مساندة لتحرك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

فرضت بلديات الجنوب الليبي نفسها مجدداً على واجهة الصراع السياسي بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
TT

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّا تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا مدينة سبتة في يوليو (تموز) الماضي، ولا يحق لهم البقاء في أوروبا.

وندد النص الذي لا يحمل طابعاً ملزماً بـ«عمليات العبور الجماعية وغير القانونية للحدود من المغرب إلى سبتة، برّاً وبحراً، فضلاً عن استخدام الهجرة غير النظامية سلاحاً ضد السلامة الإقليمية لأي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي»، بحسب ما ذكره تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويحض البرلمان إسبانيا والمغرب على تسريع تعاونهما بشأن عودة جميع المهاجرين غير النظاميين، الذين وصلوا في أواخر يوليو الماضي إلى المدينة التي تحتلها إسبانيا شمال المغرب.

وكان حزب الشعب الأوروبي (يمين الوسط) قد تقدّم بالنص، وتمت الموافقة عليه بأغلبية 339 صوتاً، مقابل 225، مع امتناع 16 عضواً عن التصويت. وصوّت حزب الشعب الأوروبي وثلاثة من أحزاب اليمين المتطرف لصالح النص، بينما صوّتت ثلاثة من أحزاب اليسار ضده، وانقسم الليبراليون بين مؤيد ومعارض.


انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)
لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)
TT

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)
لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

واجهت بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا انتقادات حادة إثر دخولها على خط تنفيذ سلطات بنغازي أحكام إعدام بحق «مدانين بالإرهاب».

وتحدثت البعثة، مساء الأربعاء، عن قيام سلطات شرق ليبيا بإعدام «أكثر من 30 شخصاً خلال الأسابيع الأخيرة»، وأعربت عن «قلقها البالغ» إزاء هذه العمليات، داعية السلطات إلى «الوقف الفوري لأي عمليات إعدام إضافية».

وقال محللون سياسيون مقربون من «الجيش الوطني» إن البعثة «تتجاهل معاناة الشعب الليبي مع التنظيمات الإرهابية الدولية، التي سبق أن غزت البلاد في أعقاب سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011، وأمعنت في التنكيل والقتل».

المدعي العام العسكري بشرق ليبيا فرج الصوصاع (القيادة العامة)

وتحدث ثلاثة محللين إلى «الشرق الأوسط»، رافضين ذكر أسمائهم، وقالوا: «ماذا كانت تنتظر البعثة؟ هل تُكرم السلطات العسكرية في بنغازي رؤوس التنظيم بدلاً من محاكمتهم ومعاقبتهم؟».

وكان «داعش» قد اتخذ من درنة وسرت معقلين له في وسط ليبيا وشرقها منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عبر تحصيل «الجزية»، وتنفيذ إعدامات بحق المناوئين من المدنيين والعسكريين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من طرده من هذه المناطق في 28 يونيو (حزيران) 2018.

وانتقد محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، البيان الصادر عن البعثة الأممية، وقال متسائلاً: «أين كانت البعثة ومنظمة العفو الدولية، ودكاكين حقوق الإنسان الوهمية مما جرى في ليبيا على يد الإرهابيين؟».

واستحضر بعيو، مثل غيره من الليبيين، جرائم «داعش» في عدة مدن ليبية، مستذكراً «الزمن الأسود قبل سنوات ليست ببعيدة، حين كانت خناجر الإرهابيين تنحر الأبرياء في بنغازي ودرنة، وسرت وبراك الشاطئ وأجدابيا والقبة، وتُعلّق جثث المدنيين على بوابة الزعفران عند مدخل سرت، فضلاً عن اغتيال ضباط الجيش والشرطة بالعبوات الناسفة».

وانتهى بعيو إلى الدفاع عن عمليات تنفيذ الإعدام في بنغازي، وقال إن في «القصاص حياة، وذلك أمر الله يؤمن به أولو الألباب ويخالفه المرجفون».

وأوضحت البعثة في بيانها أنه منذ ظهور التقارير الأولى عن هذه الإعدامات، أجرت اتصالات مكثفة مع السلطات المعنية في شرق ليبيا، وحثتها على تعليق تنفيذ أحكام الإعدام، وإخضاع الحالات المعنية بهذه الأحكام لمراجعة دقيقة وذات مصداقية، تتوافق مع التزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان، بموجب القانونين الوطني والدولي، وأعربت عن «أسفها العميق لكون عمليات الإعدام استمرت رغم هذه الجهود».

قوات ليبية تهاجم مواقع «داعش» خلال عملية «البنيان المرصوص» في مدينة سرت 2016 (غيتي)

وحثت البعثة من جديد السلطات في شرق ليبيا على التواصل مع فريق حقوق الإنسان الأممي «لمناقشة ومراجعة الإجراءات المتبعة، بما يضمن التقيد التام بمعايير المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة، مع الإقرار بحقوق الضحايا وأسرهم». مبرزة أن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أشار في بيانه بتاريخ 26 أغسطس (آب) إلى أن هذه الإعدامات تمثل نهاية الوقف الفعلي لتطبيق عقوبة الإعدام في ليبيا، الذي كان يُعمل به على مدى نحو 15 عاماً.

وأوضحت البعثة أن «استئناف تنفيذ هذه العقوبة يثير مخاوف حقيقية تتعلق بحقوق الإنسان، في وقت تبرز فيه الأهمية البالغة لضرورة تعزيز ثقة عموم الليبيين في مؤسسات الدولة، وسيادة القانون والمصالحة الوطنية».

كما أقرت البعثة بـ«مسؤولية السلطات الليبية المختصة في حماية المواطنين، وضمان المساءلة عن الأعمال الإرهابية، وغيرها من الجرائم الخطيرة». وقالت إنها «تدرك حجم المعاناة والمظالم التي تعرض لها ضحايا هذه الأفعال، وتقر بالتطلعات المشروعة لأسرهم في تحقيق العدالة».

وانتهت البعثة الأممية مؤكدة «استعدادها للتعاون البنّاء مع السلطات المعنية، دعماً للامتثال الكامل لالتزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز نظام العدالة، وحماية الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة».

وفي 23 أغسطس الماضي، أعلن مكتب المدعي العام العسكري بالقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، تنفيذ إعدام 10 مُدانين بـ«الإرهاب» في بنغازي رمياً بالرصاص، تنفيذاً لأحكام المحكمة العسكرية العليا؛ وقال حينها إن الأحكام جاءت «عقب مداولات قضائية استمرت لسنوات، وبعد استيفاء الإجراءات القانونية المتعلقة بالادعاء والدفاع، وانتهائها إلى ثبوت التهم المنسوبة إلى المدانين».

واستغربت «منظمة سجين الحقوقية الإنسانية» ما قالت إنه «محدودية التحرك الرسمي والدولي تجاه ملف الإعدامات، التي نُفذت مؤخراً في ليبيا؛ رغم خطورة هذه التطورات، وما تثيره من مخاوف جدية تتعلق بالحق في الحياة، وسلامة الإجراءات القضائية، واستقلال القضاء، وحق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة».

وقالت المنظمة إنها تستهجن «عدم التحرك العاجل والفعّال من جانب رئاسة المجلس الرئاسي، وحكومة (الوحدة الوطنية) المؤقتة، ومكتب النائب العام تجاه ما تم تنفيذه من أحكام إعدام، وما تلاه من الإعلان عن أحكام جديدة، رغم المطالبات والمذكرات، التي تقدمت بها المنظمة إلى الجهات المختصة، وما تم طرحه من مخاوف ووقائع تستوجب التحقيق». مشيرة إلى أن «خطورة هذه القضية لا تسمح بالتعامل معها بوصفها شأناً قضائياً داخلياً فحسب، على أساس أن تنفيذ عقوبة الإعدام إجراء لا يمكن تدارك نتائجه إذا ثبت لاحقاً وجود خطأ قضائي، أو انتهاك لحقوق المتهمين».

حكومة «الوحدة» أدانت «استمرار تنفيذ أحكام الإعدام» بحق عدد من نزلاء السجون بالمنطقة الشرقية (الوحدة)

وأدانت حكومة «الوحدة» في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي، ما قالت إنه «استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من نزلاء السجون بالمنطقة الشرقية؛ فضلاً عن سلامة المحاكمات والضمانات القانونية والقضائية لهم»، وطالبت بـ«الوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام، وأي إجراءات مماثلة، ومراجعة أوضاع المحكوم عليهم، وضمان حقهم في محاكمات عادلة، والدفاع والاستعانة بمحامٍ والتواصل مع ذويهم».


مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)
TT

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

اتخذت القاهرة خطوة جديدة في مجال توسيع شراكاتها المائية، عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي، والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية، ورفض الإضرار بمصالح الدول»، في ظل استمرار المخاوف من تداعيات «سد النهضة» الإثيوبي على حصة مصر المائية، المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

وتعزز الشراكات المائية، بحسب خبير مائي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، جهود الاطلاع على أحدث سبل توفير المياه، وتبادل الخبرات المائية، مؤكداً أن مثل هذه اللقاءات ترفع منسوب التنسيق، وتتيح لمصر استعراض أزمتها المائية، وتحديد مدى خطورة «سد النهضة» الإثيوبي على احتياجاتها المائية أيضاً.

ومنذ عام 2011 توترت العلاقات بين مصر وإثيوبيا على خلفية بناء أديس أبابا سداً على نهر النيل، دون تنسيق مع مصر دولة المصبّ. وبعد عقد من المفاوضات تم تجميدها عام 2024 بين البلدين، وعاد التوتر مع إعلان إثيوبيا نيّتها بناء سدود جديدة على نهر النيل، مقابل إعلان مصر في أكثر من مناسبة استحالة قبولها ذلك، وحقها في الدفاع الشرعي عن حقوقها المائية.

تعزيز رقمنة المياه

التقى وزير الري والموارد المائية المصري هاني سويلم مع وفد رفيع المستوى من أوزبكستان برئاسة إلهام إبراهيموفيتش، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات الموارد المائية بين البلدين، بحسب بيان لوزارة الري المصرية الخميس.

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

وأشار سويلم إلى أهمية تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة سابقاً بين البلدين في مجال الموارد المائية، والتي تتضمن التعاون في مجالات تحديث نظم الري والصرف، ورفع إنتاجية المياه وكفاءة استخداماتها، مبرزاً أن الجيل الثاني لمنظومة المياه يمثل منصة مهمة لتعزيز التعاون الفني مع أوزبكستان، من خلال تبادل الخبرات في مجالات الإدارة الرقمية للمياه، وأنظمة الرصد والقياس عن بُعد، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وحصاد مياه الأمطار، وتطوير محطات الرفع، وكذا استخدام تقنيات موفرة للطاقة بها، وتطبيقات الري الذكي.

ووفق البيان المصري، فقد تم الاتفاق على عقد اجتماع أول لبدء التعاون الفعلي بين الجانبين في هذه المجالات، دون تحديد موعده.

وفي 9 سبتمبر (أيلول) الحالي، زار وفد من وزارة الموارد المائية الصينية القاهرة لمدة 3 أيام، وشهدت الزيارة انعقاد الاجتماع الثاني لمجموعة العمل الفنية المصرية - الصينية، واستعراض الموقف المائي لمصر، والتحديات التي تواجه قطاع المياه والجهود المبذولة لمواجهتها، بحسب بيان لوزارة الري المصرية وقتها.

ويرى أستاذ الموارد المائية والخبير المائي الدكتور عباس شراقي، أن تحركات مصر الأخيرة لتوسيع شراكاتها الدولية والإقليمية، من الصين إلى أوزبكستان ودول آسيا وأوروبا، تهدف إلى تبادل الخبرات، وتحقيق مكاسب استراتيجية ثنائية ودولية متوازنة، وتدعم إدارة ملف الأمن المائي المصري بفاعلية.

وتستهدف الشراكات المصرية، بحسب شراقي، نقل وتوطين أحدث التكنولوجيات العالمية في مجالات معالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية، فضلاً عن تقنيات الري الحديث، وإدارة محطات رفع المياه العملاقة، وتنظيم دورات تدريبية للمتخصصين، والتبادل العلمي.

التعاون الدولي المشترك

أكد سويلم خلال الاجتماع أهمية تعزيز التنسيق بين مصر وأوزبكستان في المحافل والمنتديات المائية الدولية والإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالإدارة المستدامة والتعاونية للأنهار الدولية المشتركة، مشيراً إلى أهمية تبادل الخبرات في مجالات حوكمة الأنهار الدولية المشتركة، وتبادل البيانات، وتطبيق قواعد القانون الدولي للمياه.

ويعتقد شراقي أن مثل هذه اللقاءات تتيح للجانب المصري فرصة استعراض واقع التحديات المائية الوطنية أمام المجتمع الدولي؛ إذ تُصنف مصر كدولة صحراوية تعاني من الشح المائي، بمتوسط نصيب فرد لا يتجاوز 500 متر مكعب سنوياً، وهو ما يمثل نحو 50 في المائة فقط من حد الفقر المائي العالمي.

كما تسهم هذه الشراكات والتنسيقات الدولية، بحسب شراقي، في تأكيد موقف مصر الثابت والشامل بشأن ملف الأنهار الدولية المشتركة، وقضية «سد النهضة»، والمتمثل في عدم الاعتراض على جهود التنمية في دول الحوض، بشرط الالتزام الصارم بمبدأ «عدم إلحاق الضرر»، وضرورة الالتزام بالقانون الدولي، والأعراف المائية المنظمة لاستغلال الأنهار المشتركة، وكذلك احترام الاتفاقيات التاريخية الموقعة بين دول الحوض، والتي تضمن حقوق جميع الأطراف من دول المنابع حتى دول المصبّ.