غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وسط تحذير من ازدياد نسبة الفقر في المجتمع

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
TT

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)
وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

شكت سيدة ليبية - رمزت لنفسها باسم «فاطمة» - من صعوبات المعيشة، في ظل تخوفها من ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي يقارب تخطي حاجز الـ10 دنانير. وقالت هذه السيدة، وهي أرملة وأم لأربعة أبناء، لـ«الشرق الأوسط»، متحفظة على ذكر اسمها، إنها قلّصت استهلاكها من المواد الغذائية بدرجة كبيرة، وباتت تضطر للاقتراض مجدداً لشراء متطلبات باقي الشهر.

حال فاطمة يعكسه مواطنون آخرون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، من بينهم «سامي» الذي قال إنه يعمل في وظيفتين، حكومية وخاصة، ليغطي نفقاته، مشيراً إلى أنه «لا خيار أمامنا سوى التكيف والاستغناء عن سلع كانت تُعد أساسية».

وأوضح سامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن كل رب أسرة «بات مجبراً على إجراء حساب شهري معقد للتعايش مع راتب ثابت، مقابل فاتورة معيشية تتضخم، وسط مخاوف من أي طارئ، كعطل جهاز منزلي أو السيارة، في ظل غياب شبكة مواصلات عامة، وحينها قد تلتهم تكلفة الإصلاح ربما نصف ميزانية الشهر».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة بسبب قفزة واسعة في سعر الدولار وموجات غلاء (أ.ف.ب)

ورغم تمتع البلاد بثروة نفطية كبيرة، تعد عوائدها المصدر الرئيسي للدخل، لكن ليبيا باتت تعاني مؤخراً من عدد من الأزمات الاقتصادية، أبرزها تراجع الدينار وتصاعد السوق الموازية، حيث يُباع الدولار بنحو 9.5 دينار مقابل سعر رسمي يبلغ 6.33 دينار.

ورصد رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، «زيادة في أسعار السلع الأساسية بين 10 في المائة و15 في المائة، تزامناً مع تصاعد الدولار تدريجياً من 8 دنانير الشهر الماضي إلى سعره الراهن، لاعتماد السوق على الاستيراد».

وقال بوزعكوك لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادات «شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية، وغيرها من السلع، مما يثقل كاهل أرباب الأسر، خاصة من العاملين بالقطاع الحكومي الذي يضم أكثر من مليوني مواطن، أغلبهم في درجات وظيفية تتراوح رواتبها بين 1000 و2500 دينار شهرياً»، لافتاً إلى «تزايد أعباء هؤلاء المعيشية بسبب تكبدهم شراء مستلزمات العام الدراسي الجديد، التي قفزت أسعارها تأثراً بالدولار أيضاً».

ويرى بوزعكوك أن «حصر الاستيراد في السلع الضرورية سيسهم في محاربة الاعتمادات الوهمية، حيث يحصل بعض التجار على الدولار بسعر منخفض دون استيراد بضاعة فعلية، بل يبيعونه في السوق السوداء». معتقداً أن «توسع الحكومتين المتنازعتين في الإنفاق، وخاصة بمشاريع الإعمار بعقود ضخمة، وتصاعد مستويات الفساد، وضعف الرقابة والملاحقة القانونية جراء الانقسام، يُضعف أثر أي إجراء رسمي».

وحذر بو زعكوك من أن استمرار «ارتفاع الدولار في ظل توجيه الأسر 70 في المائة من ميزانيتها للطعام والدواء، سيصيب أسواق الملابس والأجهزة بالركود الحاد»، وأشار إلى «ظواهر غير معتادة أفرزها الغلاء، كطلب بعض الأسر المساعدة للعلاج عبر منصات التواصل».

زيادات الأسعار شملت اللحوم والأرز والزيت والبيض والمياه المعدنية ما أثقل كاهل أرباب الأسر (أ.ف.ب)

ووفقاً لأحدث بيان لمصرف ليبيا المركزي، يغطي الفترة من بداية العام الحالي وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، سجلت الميزانية فائضاً ظاهرياً بالعملة المحلية، بإيرادات بلغت 98.9 مليار دينار مقابل إنفاق قدره 68.6 مليار دينار، التهم باب الرواتب الحصة الكبرى منه بنحو 47 مليار دينار.

بدوره، أرجع أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، «تخوف الشارع من وصول الدولار بالسوق الموازية لحاجز العشرة دنانير إلى تداعياته على أسعار السلع الأساسية، خاصة أن استمرار التضخم أنهك مداخيل الشريحة الأوسع من السكان».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شكك الجيباني في البيانات الرسمية لنسب التضخم وذلك «لعدم مطابقتها للأسعار المرصودة في الأسواق»، معبراً عن تفهمه لتساؤلات كثير من الليبيين حول عدم انعكاس الطفرة النفطية عالمياً على حياتهم، واصفاً الأمر بـ«المفارقة الكبرى».

وفسر الأمر في إطار ما ترصده التقارير الرقابية عن استنزاف ملف المحروقات المدعومة، وتهريبها لنسبة كبيرة من العوائد النفطية بالعملة الأجنبية، كما لفت إلى شكاوى المصرف المركزي من عدم تحويل كامل الإيرادات النفطية إليه، ما يحد من قدرته على الدفاع عن الدينار.

ويرى أستاذ الاقتصاد أن الحل يكمن في «إنهاء الانقسام وإيجاد حكومة موحدة بميزانية موحدة، تخضع للرقابة، وهو ما قد يُنهي السوق الموازية تدريجياً».

وحذّر من «التداعيات الاجتماعية للتضخم من جراء استمرار تصاعد سعر الدولار»، ومن «تزايد الأسر الواقعة تحت خط الفقر، وتراكم الديون عليهم، وظهور إضرابات في قطاعات حيوية».

على الرغم من تفهمه لمشروعية هذه المطالب «بسبب عدم كفاية المداخيل أمام الأسعار المتصاعدة، ما تسبب في تآكل القدرة الشرائية»، وأشار الجيباني إلى أن «أي زيادة في الرواتب سيلتهمها التضخم طالما بقي أصل المشكلة قائماً».

كما حذّر من تداعيات الوضع برمته على «تزايد التفاوت الطبقي، وهي ظاهرة جديدة في المجتمع الليبي، بين قلة تملك المليارات، وأغلبية تكافح يومياً لتأمين الخبز».


مقالات ذات صلة

تصاعد الصراع على رئاسة «النواب» الليبي

شمال افريقيا جلسة مجلس النواب الليبي برئاسة دومة النائب الثاني لصالح الاثنين (مجلس النواب)

تصاعد الصراع على رئاسة «النواب» الليبي

يتصاعد الصراع داخل مجلس النواب الليبي على رئاسته بعد تحرك برلماني يفتح الباب أمام انتخاب هيئة جديدة وإنهاء ولاية عقيلة صالح وسط خلافات بشأن شرعية الإجراءات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي مستقبلاً المبعوثة الأممية (البعثة الأممية)

تيتيه تكثّف مشاوراتها دولياً قبيل طرح التطورات الليبية على «مجلس الأمن»

تكثّف المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه اتصالاتها مع أطراف إقليمية ودولية قبيل إحاطتها أمام مجلس الأمن وسط ترقب لمآلات الاتفاق السياسي الأخير.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

ما فُرص الاتفاق على «رئاسي» جديد يُمهد للانتخابات الليبية؟

تتجه الأنظار في ليبيا إلى شكل السلطة التنفيذية التي قد تتولى إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا الأكاديمي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري (حسابه عبر فيسبوك)

اختفاء أكاديمي ليبي في غرب طرابلس يعيد عمليات الخطف إلى الواجهة

أثار اختفاء الأكاديمي والإعلامي الليبي محمد شرف الدين الفيتوري في غرب طرابلس مطالبات حقوقية وأسرية بكشف مصيره، وفتح تحقيق في ظروف غيابه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح خلال جلسة سابقة (المركز الإعلامي لصالح)

هل تمهّد جلسة «النواب» الليبي المنتظرة لإقالة عقيلة صالح؟

يواجه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح اختباراً جديداً مع تحرك أعضاء في المجلس لانتخاب رئيس جديد خلفاً له بالتزامن مع جلسة مرتقبة.

خالد محمود (القاهرة)

مصر: جدل حول سير التحقيقات مع صحافيي «متصدقش»

نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)
نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)
TT

مصر: جدل حول سير التحقيقات مع صحافيي «متصدقش»

نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)
نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)

جدل متصاعد في مصر خلَّفه توقيف 6 صحافيِّين، تابعين لمنصة «متصدقش» الإلكترونية، والتي تتهمها السلطات المصرية بالانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، تبعته بيانات متبادلة بين نقابة الصحافيِّين المصريين ووزارة الداخلية بشأن طبيعة سير التحقيقات، مع ردود أفعال متباينة بشأن كيفية تعامل الأطراف كافة مع القضية.

وألقت قوات الأمن يومَي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الماضي، القبض على 6 صحافيين بمنصة «متصدقش»، المعنية بالتحقق من مصادر البيانات والأخبار، وفي ذلك الحين قالت المنصة إن الصحافيين «يمثلون كل فريق التحرير في غرفة الأخبار».

وفي مطلع الشهر الحالي، اتهمت «الداخلية» هؤلاء الصحافيين بالانتماء إلى جماعة «الإخوان» المُصنَّفة «إرهابية» في مصر، مشيرة إلى أن «تحرياتها توصلت إلى أن المنصة ضمن اللجان الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، ويديرها إخواني هارب بالخارج يدعى عبد الرحمن منصور، ويعاونه داخل البلاد عدد من العناصر الإخوانية الذين يضطلعون بإعداد الأخبار المغلوطة والمفبركة».

ومساء الاثنين، ردَّت وزارة الداخلية المصرية، على بيان صادر عن نقابة الصحافيين تحدث عن تعرض الصحافيين لـ«انتهاكات بدنية» خلال التحقيقات، لكن وزارة الداخلية نفت صحة «تلك الادعاءات» وقالت إنها «لا أساس لها من الصحة، وتأتي في إطار محاولة المذكورين التنصل من التهم المنسوبة إليهم».

وكان مجلس نقابة الصحافيين، قرر الاثنين، «التقدم ببلاغ إلى النائب العام بشأن ما أُثير عن تعرض الموقوفين لانتهاكات بدنية خلال فترة احتجازهم، وإجبارهم على الإدلاء بتصريحات أو تسجيلات على غير الحقيقة، مع إثبات بطلان أي اعترافات أُخذت تحت الإكراه»، بحسب بيان النقابة.

وشكَّلت النقابة لجنةً دائمةً برئاسة النقيب لمتابعة القضية، مطالِبة بالإفراج عنهم بضمان النقابة، أو بأي ضمانات أخرى تراعي حداثة أعمار بعضهم وقلة خبراتهم، مشيراً إلى أن اللجنة «في حالة انعقاد دائم لمتابعة قضية الزملاء».

وأشارت النقابة في بيانها، إلى أن «الصحافيين غير مسؤولين عن التحقق من مصادر تمويل المؤسسة التي يعملون بها، وأن سلطات الدولة هي المنوطة بذلك، بوصفه أمراً يتعذر على الأشخاص العاديين الوقوف عليه»، لافتة إلى أن «الزملاء المقبوض عليهم اتخذوا الإجراءات القانونية لإثبات عملهم وتقنين أوضاعهم».

وواجه موقف النقابة، الذي عدّه البعض «تبنياً لروايات دفاع المتهمين»، انتقادات من جانب بعض الصحافيين الذين طالبوها بـ«الحوار مع السلطات الأمنية، والرد على ما جاء في بيان وزارة الداخلية من اتهامات دون الدخول في خصومة مع أجهزة الدولة»، في حين استنكر آخرون «وضع بيان وزارة الداخلية، موقف النقابة وما تنشره صفحات محسوبة على تنظيم الإخوان، في خندق واحد»، مطالبين الوزارة بـ«التفريق بين الدفاع عن حرية الصحافيين، وبين تبني مواقف الجماعة المحظورة». وذلك في إشارة إلى نصِّ بيان «الداخلية» الذي نفى «جملةً وتفصيلاً صحة الترديدات التي أشار إليها بيان نقابة الصحافيين وبعض الصفحات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية بمواقع التواصل الاجتماعي».

وقرَّرت النيابة العامة استكمال التحقيقات مع الصحافي المقُيد بجداول نقابة الصحافيين، مع استمرار حبسه، ووجَّهت له تهم «الانضمام لجماعة إرهابية، وارتكاب جرائم تمويل جماعة إرهابية، واستخدام موقع للترويج لأفكار ومعتقدات جماعة إرهابية متطرفة وتلقي أفكارها وإذاعتها، وإذاعة ونشر أخبار بهدف تكدير السلم والأمن العام»، بحسب ما ذكره عضو مجلس نقابة الصحافيين محمود كامل على صفحته بموقع «فيسبوك»، الثلاثاء.


تصاعد الصراع على رئاسة «النواب» الليبي

جلسة مجلس النواب الليبي برئاسة دومة النائب الثاني لصالح الاثنين (مجلس النواب)
جلسة مجلس النواب الليبي برئاسة دومة النائب الثاني لصالح الاثنين (مجلس النواب)
TT

تصاعد الصراع على رئاسة «النواب» الليبي

جلسة مجلس النواب الليبي برئاسة دومة النائب الثاني لصالح الاثنين (مجلس النواب)
جلسة مجلس النواب الليبي برئاسة دومة النائب الثاني لصالح الاثنين (مجلس النواب)

تصاعد الصراع داخل مجلس النواب الليبي، بعدما رفض رئيسه عقيلة صالح الاعتراف بجلسة غير رسمية، صوّت خلالها 98 نائباً من أصل 102 حضروا في بنغازي (شرق) على تعديل اللائحة الداخلية. وتفتح هذه الخطوة، التي ستحدد ولاية هيئة رئاسة المجلس بعام واحد، الطريق أمام انتخاب هيئة رئاسة جديدة، تستهدف إنهاء ولاية صالح المستمرة منذ عام 2014.

ويضع التحرك الراهن مجلس النواب أمام نزاع مفتوح حول شرعية قيادته، في وقت تتقاطع فيه المواجهة داخل المؤسسة التشريعية مع الخلاف الأوسع حول مستقبل العملية السياسية، ومن سيمثل شرق ليبيا في أي ترتيبات مقبلة، بينما تدفع الأمم المتحدة والولايات المتحدة باتجاه توحيد المؤسسات والتهيئة للانتخابات.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (رويترز)

وعقدت جلسة برلمانية الاثنين، برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة، وبحضور 102 نائب، في غياب صالح، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، إن النواب أقروا تعديلاً ينص على انتهاء ولاية هيئة الرئاسة بعد 12 شهراً، وانتخاب هيئة جديدة خلال سبعة أيام.

وأعلن دومة تعليق عمل هيئة الرئاسة الحالية إلى حين عقد جلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً لانتخاب رئيس جديد، في خطوة من شأنها إنهاء ولاية صالح إذا جرى تنفيذها.

لكن صالح الذي يرفض محاولات الإطاحة به، قال، الاثنين، إن ما عقده عدد من النواب كان «جلسة غير رسمية»، و«أي قرارات أو مخرجات تصدر عنها تفتقر إلى السند القانوني»، كما ألغى دعوته لجلسة كانت مقررة الثلاثاء، وأجلها إلى إشعار آخر.

من جهته، أعلن فوزي النويري، النائب الأول لصالح، انحيازه الكامل إلى موقف الأخير، رافضاً الاعتراف بجلسة الاثنين، التي ترأسها النائب الثاني مصباح دومة، وعدّ مخرجاتها غير قانونية لعدم استيفائها شروط الانعقاد والنصاب.

ورغم ترحيبه بحق النواب في «الإصلاح وتطوير اللائحة الداخلية»، عدّ النويري أن الإصلاح يجب ألا يكون مبرراً لتجاوز القانون والإجراءات الرسمية، داعياً إلى تسوية الخلافات داخل المؤسسة التشريعية، وتوحيد الجهود نحو استقرار الدولة وتهيئة الظروف للانتخابات.

ويعكس هذا التضارب في المواقف تصعيداً واضحاً في الصراع، بعد أن انقسمت هيئة رئاسة المجلس نفسها إلى معسكرين، حيث يتمسك صالح والنويري بالشرعية، مقابل رفض دومة، الذي قاد جلسة التعديل، وتجميد هيئة رئاسة المجلس، ما حوّل الخلاف من مواجهة بين صالح ونائبيه إلى انشقاق داخلي في أعلى هرم المؤسسة التشريعية.

في المقابل، صعّد عضو مجلس النواب عصام الجهاني، أحد أبرز الداعين إلى تغيير قيادة المجلس، لهجته تجاه صالح، ووصف في بيان مقتضب على صفحته في «فيسبوك» صالح بأنه «عن غير ذي صفة»، مضيفاً أن هذه التصرفات «قد تجبر مجلس النواب على تشكيل لجنة تحقيق نيابية حول إصدار مثل هذه البيانات، وانتحال صفة رئيسه».

وكان الجهاني قد وصف ما جرى بأنه «لحظات تاريخية»، مشيراً إلى أن عدد الحاضرين بلغ 102 عضو، مؤكداً أنه تم إقرار تعديل اللائحة، وتعليق الجلسة تمهيداً لاختيار رئاسة جديدة.

وتكشف هذه التصريحات عن انتقال الخلاف من المطالبة بإعادة تنظيم عمل المجلس إلى مواجهة مباشرة حول صفة رئيسه وصلاحياته، إذ يرى النواب الداعمون للتغيير أن التصويت فتح الطريق أمام انتخاب هيئة رئاسة جديدة، بينما يتمسك صالح بأن الإجراءات المتخذة ضده لا تستند إلى أساس قانوني.

رئيس المجلس الرئاسي حذّر من أي إجراءات تتعارض مع المرجعيات الدستورية (رويترز)

وفي طرابلس، حذّر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي من أي إجراءات تتعارض مع المرجعيات الدستورية، داعياً أعضاء مجلس النواب إلى الالتزام بدولة القانون والمؤسسات، والإعلان الدستوري وتعديلاته.

وقال المنفي في بيان على منصة «إكس» في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، إن التعديل السادس للمادة السادسة، الفقرة «د»، المتعلقة بالنصاب الدستوري لإقالة رئيس مجلس النواب، لا يستقيم معه أي تفسير أو نص قانوني أو لائحي يخالف النص الدستوري، ما دام أن رئيس المجلس لم يقدم استقالته.

ودعا المنفي النواب إلى تقديم المصلحة العليا ووحدة المؤسسة على «تنازع الشرعيات»، والاحتكام أمام القضاء الدستوري، والالتزام بالنصوص الدستورية.

ويعني موقف المنفي، حسب مراقبين، أن الخلاف قد ينتقل إلى ساحة القضاء حول ما إذا كان تعديل اللائحة الداخلية يستطيع إنهاء ولاية رئيس المجلس، في ظل وجود نص دستوري يحدد شروط إقالته.

من جهته، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه لأي إجراء أحادي يتخذه عقيلة صالح، وحمّله الآثار المترتبة على تلك الإجراءات، لافتاً إلى تصويت 72 عضواً من أصل 92 على رفض نتائج لجنة «4 + 4»، في موقف يعكس أيضاً اتساع الخلاف بين المؤسستين حول المرجعية القانونية والسياسية للمسار الانتخابي.

ودعا المجلس الأعلى، خلال جلسة عقدها في العاصمة طرابلس مساء الاثنين، المحكمة العليا إلى إعادة تفعيل الدائرة الدستورية للفصل في النزاعات المتعلقة بالمخالفات الدستورية، كما حذّر المفوضية العليا للانتخابات من التعامل مع أي إجراءات أحادية، يرى أنها تخالف الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي.

جلسة المجلس الأعلى للدولة في العاصمة طرابلس الاثنين (المجلس)

ويعني مضي النواب الداعمون لدومة في انتخاب هيئة رئاسة جديدة أن ليبيا ستواجه نزاعاً جديداً حول شرعية قيادة المؤسسة التشريعية، بالتوازي مع الخلافات القائمة حول السلطة التنفيذية والعسكرية والمسار الانتخابي. ولم تصدر بعثة الأمم المتحدة موقفاً علنياً محدداً بشأن جلسة مجلس النواب، أو محاولة تغيير صالح.


جولة السيسي الآسيوية... دفعة للتعاون الاستراتيجي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

جولة السيسي الآسيوية... دفعة للتعاون الاستراتيجي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

بدأ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، جولة آسيوية، تشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع الدول الآسيوية، وسط الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

وتركز جولة السيسي الآسيوية، على تعزيز الشراكات الاقتصادية، وفق خبراء، وقالوا إن «آلية الدبلوماسية الرئاسية كان لها دور فاعل في جذب استثمارات أجنبية كبرى لمصر خلال السنوات الأخيرة»، وأشاروا إلى أن «القاهرة تسعى لاستقطاب صناعات عالية التكنولوجيا من هذه الدول».

وتوجه الرئيس المصري، إلى جمهورية كوريا الجنوبية، الثلاثاء، في مستهل جولة آسيوية، تشمل أيضاً ماليزيا وإندونيسيا، وبحسب إفادة للرئاسة المصرية، «سيعقد السيسي، محادثات مع نظيره الكوري، لي جاي ميونج»، كما سيشارك في «مائدة مستديرة مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات الكورية».

وكان الرئيس الكوري، قد زار القاهرة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث كانت أول زيارة له لمصر منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) من العام نفسه.

وتسعى مصر لتعزيز علاقاتها مع دول شرق آسيا، ويظهر ذلك في زيارات ثنائية ومشاركات متعددة الأطراف مع هذه الدول، كان من بينها مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اجتماعات رابطة دول جنوب شرقي آسيا (الآسيان)، التي أقيمت نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي في العاصمة الفلبينية مانيلا، وقالت الخارجية المصرية آنذاك إن «المشاركة تأتي ضمن توجه دبلوماسي لتطوير العلاقات مع دول الرابطة، بما يسهم في توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي».

وينظر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، لجولة السيسي الآسيوية باعتبارها «امتداداً لنهج السياسة الخارجية المصرية، القائم على تنويع العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية»، وأشار إلى أن «الزيارة تحمل أهدافاً سياسية واقتصادية، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية وتداعياتها على اقتصاديات دول المنطقة».

ويرى بيومي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «جولة الرئيس المصري تستهدف تعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول شرق آسيا»، وقال إن «هذه الدول تمتلك أسواقاً كبيرة، يمكن الرهان عليها تجارياً»، كما يمكن في الوقت نفسه «إقامة شراكات استثمارية معها، خصوصاً أنها تمتلك تكنولوجيا تصنيع متقدمة في قطاعات عديدة»، ونوه بأن «من عوامل القوة التي تستند إليها القاهرة في علاقاتها مع هذه الدول، الأزهر الشريف، بالنظر إلى ارتباط مواطني هذه الدول بالتعليم الأزهري في مصر».

وبحسب إحصائيات رسمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وكوريا الجنوبية 995.3 مليون دولار خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، مقابل 1.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2024، كما بلغت الاستثمارات الكورية في مصر 413.8 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 288.3 مليون دولار في العام المالي السابق.

وتستهدف الحكومة المصرية جذب استثمارات صناعية من الدول الآسيوية، ومنها كوريا الجنوبية، وفق عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، وليد جاب الله، وقال إن «هناك تنسيقاً سياسياً بين القاهرة وهذه الدول، غير أن التعاون الاقتصادي لا يرقى لمستوى العلاقات السياسية»، وأشار إلى أن «دولة مثل كوريا الجنوبية تمتلك تكنولوجيا متطورة في التصنيع، يمكن توطينها في المناطق الصناعية بمصر، مثل المنطقة الاقتصادية بقناة السويس».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «آلية الدبلوماسية الرئاسية المصرية، كان لها دور كبير في جذب الاستثمارات الكبرى للبلاد خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أن «الجانب الاقتصادي يحتل أولوية في جولة السيسي الآسيوية، خصوصاً أن اقتصاديات هذه الدول واعدة، لذلك تبحث القاهرة تنويع شراكاتها معها».