الجامعات الأهلية تُغيّر خريطة التعليم العالي في مصر

وسط جدل بشأن مصروفاتها المرتفعة

داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
TT

الجامعات الأهلية تُغيّر خريطة التعليم العالي في مصر

داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)

يستعد الطالب المصري ياسين العدل لبدء عامه الجامعي الثاني داخل كلية الهندسة بـ«جامعة المنصورة الأهلية»، خلال أيام، حيث يدرس العمارة التي كانت حلماً بالنسبة له كاد أن ينهار مع عدم حصوله على مجموع يؤهله للالتحاق بأي من الجامعات الحكومية العام الماضي، لولا تمكنه من الالتحاق بكليته الحالية التي تبلغ مصروفاتها سنوياً نحو 75 ألف جنيه (الدولار نحو 51 جنيهاً)، بينما تتضاعف مصروفات التخصص نفسه في الجامعات الخاصة.

يعد العدل أن الجامعات الأهلية، مهّدت الطريق لكثيرين لدراسة ما يرغبون فيه، لكنه في الوقت نفسه يتمنى أن تتحسن اللوجستيات في هذه الجامعات لتسهيل فترة الدراسة على الطالب، وكذلك افتتاح أقسام أكثر، قائلاً إن «في الجامعات الأهلية تخصصات غير موجودة في الجامعات الحكومية». وغيّرت الجامعات الأهلية خريطة التعليم العالي بمصر، وسط جدل بشأن مصروفاتها المرتفعة.

وتتوسع الحكومة المصرية منذ سنوات في افتتاح الجامعات الأهلية، وهي «غير هادفة للربح» وفق تعريفها الرسمي، وتخضع لإشراف المجلس الأعلى للجامعات، وتعتمد على نظام المصروفات التي تصل في بعض الجامعات وبعض التخصصات لـ150 ألف جنيه سنوياً.

وصاحب الجدل الجامعات الأهلية منذ تأسيسها، وسط تباين في المواقف منها، بين مرحبين بها بوصفها الوسيلة الأفضل لمواكبة التطور في العملية التعليمية دون تحميل ميزانية الدولة أعباءً إضافية، ومن يعدّها مؤشراً على تقلص المساواة في الفرص والتعليم بناء على الدخل، بوصفها تحرم الطلاب في الفئات الأفقر، من فرص مثيلة لزملائهم في الطبقات الأعلى.

الخبير التربوي عاصم حجازي ينحاز للفريق الأول، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجامعات الأهلية «غير الهادفة للربح تملك أفضل فرصة للتطوير ومواكبة الحداثة التعليمية بشكل يتجاوز حتى الجامعات الخاصة»، مفسراً أن «الجامعات الخاصة هدفها الأساسي الربح، لذا فالإنفاق على تطوير التعليم يأتي في مرحلة تالية بعد الحصول على الأرباح لأصحاب المشاريع، عكس الجامعات الأهلية التي تخصص ميزانيتها للإنفاق على نفسها وعلى العملية التعليمية، فلا أحد يتربح منها، ما يمنحها فرصاً أكبر للتطور» .

افتتاح «جامعة كفر الشيخ الأهلية» العام الماضي (وزارة التعليم العالي)

وأضاف حجازي أن «الجامعات الأهلية هدفها الرئيسي تعزيز المجالات التي تحتاج إليها سوق العمل، لذا يوجد بها كثير من التخصصات غير الموجودة في الجامعات الحكومية، مثل تخصصات مرتبطة بتصنيع الأثاث أو بصناعة السيارات وهكذا»، لافتاً إلى أنها تتكامل كذلك مع البيئة المحيطة، «فالجامعة في محافظة معينة تركز على ما تشتهر به هذه المحافظة أو ما تحتاج إليه سوق العمل من أقسام داخلها».

ورغم إعجابه بها، فإنه لا يتجاهل أيضاً فكرة «المصروفات التي تعد عائقاً أمام بعض الطلاب للالتحاق بها»، لكنه أشاد في هذا الإطار بالمنح بوصفها وسيلة لتقليص هذه الفجوة.

وأطلقت وزارة التعليم العالي قبل أيام منحة «علماء المستقبل» بالشراكة مع «البنك المركزي»، وتهدف إلى دعم 30 ألف طالب متفوق من الفئات الأكثر احتياجاً.

ولا يرى الخبير في ملف التعليم وائل كامل «أن المنح كافية لتحقيق العدالة في ملف التعليم، مع توجه الدولة لتقليص أعداد المقبولين في الجامعات الحكومية مقابل التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية ذات المصروفات المرتفعة بالنسبة لكثير من الأسر»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «المنح محدودة وغير مؤثرة، فعدد طلاب الثانوية العامة هذا العام تجاوز 900 ألف طالب».

قاعة محاضرات داخل «جامعة المنصورة الأهلية» (جامعة المنصورة الأهلية)

ويشرح كامل، كيف أن هذه الجامعات من وجهة نظره بداية لـ«خصخصة التعليم» بشكل غير مباشر، موضحاً أن «التوسع غير المدروس في الجامعات الأهلية والخاصة مع تكرار التخصصات الموجودة نفسها في الجامعات الحكومية، لم يعد مجرد زيادة في عدد الجامعات، بل أصبح تغييراً في شكل وفلسفة التعليم الجامعي نفسه».

وأضاف: «بدلاً من إصلاح الجامعة الحكومية وتوفير التمويل الذي تحتاج إليه، أنشأنا بجوارها بدائل مدفوعة تستطيع جذب أعضاء هيئة التدريس إليها بأجور بأضعاف مضاعفة، بينما تُترك الجامعة الحكومية تعاني من ضعف الرواتب والأعداد والموارد».

ويوجد في مصر حالياً 33 جامعة أهلية، وفق الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للجامعات، من بينها «الجلالة، والملك سلمان، والقاهرة الأهلية، وعين شمس الأهلية، وحلوان الأهلية»، وبلغ عدد الطلاب بهذه الجامعات 60 ألف طالب العام الماضي؛ وفق تقديرات رسمية.

طلاب داخل «جامعة المنصورة الأهلية» (جامعة المنصورة الأهلية)

ويحذر كامل من أنه «إذا أضفنا جامعات مدفوعة تقدم التخصصات نفسها وبالمحتوى نفسه والأساتذة أنفسهم، ثم بدأنا في تقليص أعداد المقبولين في بعض التخصصات بالجامعات الحكومية، فالنتيجة الطبيعية أن جزءاً من الطلاب سيجد نفسه أمام خيارين إما أن يغيّر التخصص الذي يريده وإما أن ينفق».

ويتابع: «الطالب قد يصبح في النهاية أمام معادلة غير عادلة، فالذي يملك المال يستطيع أن يحصل على تعليم، والذي لا يملك المال وقدراته الذهنية أعلى فعليه أن يبحث عن بديل، لأنه لا يستطيع دفع المصروفات».

ولم يجد ياسين صعوبة في الالتحاق بالجامعة الأهلية في ظل ظروف عائلته الميسرة مادياً، إذ يعمل والده في شركة بإحدى الدول العربية، ولديه شقيقتان فقط.


مقالات ذات صلة

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

تتواصل التحركات الإريترية الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارة إريتريا في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية الإريترية في مصر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي أكد أن الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها (رويترز)

تطمينات السيسي لم تهدئ المخاوف من «الحرب بين مصر وإسرائيل»

أكّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال وقت سابق هذا الشهر، أن «بلاده لا تحمل أي أجندات خفية»، وأنه لا توجد لها «مطامع تجاه أحد».

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا صورة أرشيفية لوزير التربية والتعليم خلال لقائه عدداً من أولياء الأمور (وزارة التربية والتعليم)

«تقييمات المدارس» تثير تساؤلات المصريين حول خطط تطوير التعليم

تتوالى شكاوى أسر مصرية من عبء التقييمات المدرسية، وسط تحركات برلمانية لمساءلة الحكومة عن جدواها؛ إذ قدمت نائبتان طلبيْ إحاطة بخصوصها.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا «منتدى مصر» يتطرق إلى انتقادات طالت التوسع العمراني في مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

الحكومة المصرية تواصل خطط التوسع العمراني رغم انتقادات «الإشغال»

دافع رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، الثلاثاء، عن توجُّه الدولة نحو التَّوسُّع العمراني، في مواجهة انتقادات وتساؤلات عن جدوى هذا المسار وأولويته.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

«قفزة قياسية» في سعر الدولار تُربك السوق المصرية

تترقب الأسواق في مصر ما ستؤول إليه أسعار الجنيه أمام الدولار في أعقاب تراجع العملة المحلية بنحو 2 في المائة خلال أسبوع لتسجل أدنى مستوى معدل لها في غضون 5 شهور.

أحمد جمال (القاهرة)

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
TT

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي
المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي

قضت المحكمة العسكرية في تونس بسجن المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي، أربع سنوات بتهم متعددة، من بينها «التآمر على أمن الدولة».

وقال المحامي أكرم موسى: «لقد صدر الحكم في حقها بالسجن أربع سنوات، وبغرامة مالية قيمتها أربعون ألف دينار (نحو 12 ألف يورو)». وأضاف المحامي موضحاً أن من بين التهم الموجهة إليها «تحريض العسكر على عدم الإطاعة، والتآمر على أمن الدولة استناداً للتدوينات التي نُسبت إليها»، مبرزاً أن هذه الأحكام قابلة للاستئناف.

وتُحاكَم ألفة الحامدي (38 عاماً)، التي أعلنت ترشحها للانتخابات الرئاسية في عام 2024، في ثلاث قضايا، وصدر في حقها حكم قضائي سابق من قبل القضاء العسكري بالسجن عامين، قبل توقيفها عند وصولها إلى مطار تونس قرطاج، في منتصف فبراير (شباط) الماضي. وتتعلق التهم بتدوينات على صفحتها بموقع «فيسبوك»، انتقدت فيها الرئيس التونسي قيس سعيد والجيش.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قبل النطق بالحكم، إن السلطات الأميركية على عِلم بالمعطيات المتعلقة بالملاحقات القضائية، و«تتابع الوضع عن كثب».

شغلت الحامدي التونسية - الأميركية، لفترة وجيزة منصب الرئيسة المديرة العامة لشركة خطوط الطيران التونسية «تونس إير» مطلع عام 2021، وأسست في عام 2022 حزب «الجمهورية الثالثة»، وكانت شديدة الانتقاد لسياسة الرئيس قيس سعيّد الذي يحتكر السلطات في البلاد، منذ صيف عام 2021. وسجن عشرات من المعارضين السياسيين، وصدرت بحقهم أحكام مشددة، بتهم «التآمر على أمن الدولة». ولهذا السبب تُوجِّه منظمات حقوقية دولية ومحلية انتقادات لجهة تراجع الحريات في تونس، التي اعتبرت مهد ما سُمّي «الربيع العربي» في عام 2011.


جدل في مصر حول ألقاب السيسي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

جدل في مصر حول ألقاب السيسي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

أثار إطلاق لقب «فخامة الرئيس الزعيم» على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوسائل إعلام محلية محسوبة على الدولة، ردود فعل متباينة وجدلاً في الأوساط الإعلامية والسياسية.

وعقب جدل وتحفظات على تلك الألقاب، ظهرت وسائل الإعلام ذاتها، الأربعاء، وحذفت لقب «الزعيم» من التوصيف مكتفية بلقب «فخامة الرئيس السيسي» أو «الرئيس السيسي».

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان السيسي أن نهاية فترة رئاسته «أمر محسوم» في عام 2030، مشدداً على «عدم تعديل الدستور»، ونافياً تجهيز أحد أقاربه لحكم مصر، حيث نشرت وسائل إعلام، وصحف محسوبة على الدولة، اسم الرئيس المصري في أكثر من مناسبة، مقروناً بلقب «فخامة الرئيس الزعيم» الأمر الذي صار لافتاً للانتباه وتصدر «الترند» على «إكس» بمصر، الأربعاء.

ونشرت «قناة إكسترا نيوز»، خبراً عن «فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي يشارك في جلسة التنمية الحضرية والعمرانية في إطار اليوم الثاني لأعمال منتدى_مصر2026»، كما نشرت بوابة «الأهرام» خبراً يقول: «وصول فخامة الرئيس الزعيم عبد الفتاح السيسي إلى مقر فعاليات منتدى مصر 2026» الاثنين الماضي.

صحف ومواقع استخدمت اللقب (فيسبوك)

وترى عميدة كلية الإعلام السابقة بـ«جامعة القاهرة» الدكتورة ليلى عبد المجيد، أن «الألقاب التي انتشرت أخيراً بوسائل إعلام مصرية تصف الرئيس السيسي بالزعيم - وهو رجل عظيم وزعيم بالفعل وليس بحاجة لمن يطلق عليه هذه الألقاب - جاءت من صحافيين وإعلاميين كانعكاس لردود الفعل الغاضبة، بسبب إعلان الرئيس أن فترة حكمه تنتهي في 2030 وسيسلم السلطة في هذا التاريخ».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الألقاب تأتي تعبيراً عن الحب والانتماء والامتنان للدور الذي قام به الرئيس، ومن ذلك مشروعات كثيرة وضعت مصر في مكانة مميزة، لكنني لا أفضل استخدام تلك الألقاب، حتى لا يتهم أحد من يستخدموها بالنفاق أو المبالغة أو المزايدة بأي شكل».

وتولى السيسي الحكم في مصر عام 2014 بعد انتخابات أعقبت فترة اضطرابات شهدتها البلاد منذ «أحداث 20 يناير 2011» وما تلاها من حكم «جماعة الإخوان» ثم قيام «ثورة 30 يونيو».

وعدّ المحلل السياسي والصحافي المصري، طلعت طه، «أنه لا يوجد ما يمنع من إطلاق هذه الألقاب على الرئيس، خصوصاً حين يكون قد تقدم بالوطن خطوات واسعة على المستوى المحلي أو العالمي، لكن دائماً الزعيم الوطني، لا يحتاج إلى ألقاب، فمواقفه وأعماله هي التي تحدد صفاته وألقابه».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس السيسي استطاع خلال العشر سنوات الماضية أن يحقق الكثير من الإنجازات ويحقق ما لم يستطع تحقيقه الكثير من الرؤساء، وعادة ما يستخدم البعض لقب (الزعيم) كنوع من التفخيم، والرئيس المصري لا يحتاج لذلك في رأيي الشخصي، فهو رئيس مصر وكفى».

أخبار الرئيس تصدرها اللقب (إكس)

وحول تصدر لقب «الرئيس الزعيم»، الترند على مواقع التواصل، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الجدل حول الألقاب المستخدمة يستحق قراءة مهنية هادئة، بعيداً عن ثنائية التأييد والرفض»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم التمييز بين الصفة الدستورية، واللقب البروتوكولي، والوصف التقييمي، فعبارة (رئيس الجمهورية) تشير إلى منصب دستوري، و(فخامة الرئيس) صيغة تشريفية معروفة في البيانات الرسمية، بينما تحمل كلمة (الزعيم) دلالات سياسية وتاريخية تتفاوت تفسيراتها لدى الجمهور».


الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
TT

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)
ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية، في ظل جملة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي تفرض نفسها على الجانبين.

تجري الأشغال في مدينة الوادي جنوب شرق الجزائر، في إطار «اللجنة الثنائية لتنمية مناطق الحدود»، ويشارك فيها المسؤولون المحليون، ومدير التعاون بوزارة الداخلية عن الجانب الجزائري، وولاة الكاف والقصرين وجندوبة وتطاوين وقفصة وتوزر.

جانب من أشغال اجتماع لجنة تنمية مناطق الحدود بين الجزائر وتونس (ولاية الوادي)

وتتناول الأشغال التي تدوم يومين تحقيق توازن بين تأمين الحدود ومكافحة الأنشطة غير القانونية من جهة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز المبادلات التجارية القانونية من جهة أخرى، وفق تقارير صحافية محلية.

وحسبما ترسب من الاجتماعات، لا تقتصر هذه التحديات على تشديد الرقابة الأمنية، بل تتطلب مقاربة شاملة، تقوم على توفير فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل الاستثمار، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، وإطلاق مشروعات تنموية مشتركة تستجيب لاحتياجات سكان المناطق الحدودية في البلدين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار، وتحقيق تنمية مستدامة على جانبي الحدود.

وحسب نفس التقارير الإعلامية، تطرق الولاة المجتمعون، بحضور أطر الشرطة والدرك الجزائريين، إلى التهريب والتجارة غير النظامية والبطالة المتفشية، وضعف فرص العمل، وضعف التنمية والبنية التحتية، والعراقيل التجارية والإدارية. كما تطرقوا إلى الهجرة غير النظامية والشبكات الإجرامية، وضعف الاستثمار والمبادرات الاقتصادية المشتركة، والمخاطر البيئية والتغيرات المناخية، وضعف استغلال الإمكانات السياحية والفلاحية، والتفاوت في التنمية بين المناطق وصعوبات التنسيق وتطبيق الاتفاقات.

والي الوادي ومسؤول بوزارة الداخلية الجزائريان في اجتماع لجنة الحدود (ولاية الوادي)

وأكدت ولاية الوادي بحسابها بالإعلام الاجتماعي، أن الاجتماع «يعكس تجسيد التوجهات المشتركة للبلدين نحو تعزيز التعاون الحدودي، وتكثيف التنسيق والتشاور بين مختلف القطاعات المعنية، بما يسهم في متابعة تنفيذ التوصيات المنبثقة عن أشغال الاجتماع الأول للجنة الثنائية (نظم في 2024)، وتقييم مدى تجسيدها على أرض الواقع، فضلاً عن بحث السبل الكفيلة بتطوير المبادرات والمشروعات التنموية بالمناطق الحدودية، بما يستجيب لتطلعات سكانها ويدعم التبادل والتكامل بين البلدين الشقيقين».

وأوضحت أن اللقاء «يندرج ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الشراكة الجزائرية - التونسية، من خلال توحيد الرؤى وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، بما يسمح بتذليل الصعوبات المطروحة، واستكشاف فرص جديدة للتعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وترسيخ التنمية المستدامة بالمناطق الحدودية».

ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

وتم إطلاق «اللجنة الثنائية الجزائرية - التونسية لتنمية وترقية المناطق الحدودية»، بموجب مذكرة تفاهم وُقعت بين حكومتي البلدين في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بالجزائر. وعقدت اجتماعها الأول في الجزائر العاصمة في نهاية يناير (كانون الثاني) 2024، واختُتم بالتوقيع على خريطة طريق لترقية وتنمية المناطق الحدودية.

وخلال هذا الاجتماع تم الاتفاق على إطلاق «منظومة مشتركة للوقاية والإنذار المبكر، والتدخل للحد من حرائق الغابات». وتعهد وزير الداخلية ابراهيم مرَاد يومها بإعداد مقترحات مطلع 2025 بشأن حماية المناطق الحدودية من مختلف المخاطر، لا سيما تهريب الوقود والمواد الغذائية والماشية، فضلاً عن التصدي لشبكات الهجرة غير النظامية.

كوادر بجهازي الدرك والشرطة الجزائريين في اجتماع لجنة الحدود (ولاية الوادي)

كم تم إطلاق مشروع لتطوير المبادلات التجارية والاقتصادية عبر الحدود بين ولاية الطارف الجزائرية ومحافظة جندوبة التونسية، بما يعزز التعاون الاقتصادي، ويدفع نحو إقامة شراكات عملية بين المناطق الحدودية في البلدين.

وتضمّنت خريطة الطريق، وفقاً لتصريحات وزير الداخلية الجزائري، مشروع إنشاء شركة تونسية - جزائرية متخصصة في تنظيم المعارض، تتولى تنظيم تظاهرات تجارية بالولايات الحدودية، تُعرض خلالها المنتجات والسلع المصنعة محلياً. وأشار إلى أن حكومتي البلدين تعوّلان على هذا المشروع لإحداث حركية اقتصادية على طول الشريط الحدودي، وتنشيط المبادلات التجارية، وفتح آفاق جديدة أمام المنتجين والمتعاملين الاقتصاديين المحليين.

كما كشف مراد عن التوصل إلى اتفاق ثنائي، يهدف إلى تطوير زراعة النباتات الطبية والعطرية، وتوسيع زراعة التين الشوكي وأشجار الزيتون، إلى جانب إنعاش تجارة اللحوم الحمراء والبيضاء، ومنتجات الألبان، والخضر الموجَّهة للتجفيف والتصبير.

الاجتماع الأول للجنة تنمية الحدود الذي عُقد في يناير 2024 (الداخلية الجزائرية)

وشملت الاتفاقات كذلك مشروع استحداث منطقة مشتركة للتبادل الحر بمنطقة «الطالب العربي» بولاية الوادي الجزائرية، ومنطقة حزوة بمحافظة توزر التونسية، في خطوة ترمي إلى تسهيل المبادلات التجارية، وتعزيز النشاط الاقتصادي بين المناطق الحدودية.

وزير الداخلية الجزائري يشرح نتائج الاجتماع الأول للجنة الحدود خلال لقاء عُقد في يناير 2024 (الداخلية الجزائرية)

كما صرح مراد بأنه تم الاتفاق على إعداد برامج تكوينية لفائدة العاملين والناشطين في مجالات السياحة والفندقة والصيد البحري، على مستوى المدرسة السياحية بعين دراهم، ومراكز التكوين السياحي بطبرقة في تونس، بهدف تطوير المهارات المهنية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة في هذه القطاعات.