«الخصم الكوري» يختبر جدوى التوزيعات السخية لـ«سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»

متداول يمر بجانب شاشة تُظهر مؤشر «كوسبي» وأسعار سهمَي «إس كيه هاينكس» و«سامسونغ إلكترونيكس» بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداول يمر بجانب شاشة تُظهر مؤشر «كوسبي» وأسعار سهمَي «إس كيه هاينكس» و«سامسونغ إلكترونيكس» بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

«الخصم الكوري» يختبر جدوى التوزيعات السخية لـ«سامسونغ» و«إس كيه هاينكس»

متداول يمر بجانب شاشة تُظهر مؤشر «كوسبي» وأسعار سهمَي «إس كيه هاينكس» و«سامسونغ إلكترونيكس» بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداول يمر بجانب شاشة تُظهر مؤشر «كوسبي» وأسعار سهمَي «إس كيه هاينكس» و«سامسونغ إلكترونيكس» بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

تحوَّلت خطط العوائد الضخمة للمساهمين التي أعلنتها شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» إلى اختبار مبكر لجهود كوريا الجنوبية الرامية إلى إصلاح سوقها المالية وتعزيز جاذبية شركاتها المدرجة، في وقت رحَّب فيه المستثمرون بالتوزيعات السخية، لكنهم أكدوا أن الطريق لا يزال طويلاً لإنهاء ما يُعرف بـ«الخصم الكوري» الذي يضغط على تقييمات الأسهم المحلية منذ عقود.

وأدت الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز التدفقات النقدية لدى أكبر شركتين في البلاد، ما دفع المستثمرين إلى المطالبة بإعادة جزء أكبر من هذه الأرباح إلى المساهمين، وفق «رويترز».

ورغم أن قيمة برامج العوائد المعلنة من الشركتين تتجاوز 130 تريليون وون (97 مليار دولار) خلال العام الحالي، فإن رد فعل السوق ظل محدوداً. فما زال مؤشر «كوسبي» الرئيسي، الذي تُشكِّل الشركتان نحو نصف وزنه، يتداول عند مستوى يقل بنحو 26 في المائة عن أعلى مستوى تاريخي سجله في يونيو (حزيران) الماضي.

ويعكس ذلك حجم التحدي الذي يواجه برنامج «رفع القيمة» الذي أطلقته الحكومة الكورية الجنوبية عام 2024 لمعالجة «الخصم الكوري»، وهو المصطلح الذي يشير إلى تداول الأسهم الكورية عند تقييمات أدنى من نظيراتها العالمية؛ بسبب مخاوف تتعلق بحوكمة الشركات وكفاءة تخصيص رأس المال وحماية حقوق المساهمين.

وقال كلارنس لي، كبير محللي المحافظ الاستثمارية في شركة «تي رو برايس»، إن زيادة توزيعات «سامسونغ» و«هاينكس» وحدها لن تكون كافية لإنهاء الخصم الكوري في الأجل القريب.

ذاكرة «إتش بي إم 4 إي» من «إس كيه هاينكس» معروضة في جناح الشركة... 30 يونيو 2026 (رويترز)

وأضاف أن المشكلة ذات طابع هيكلي، وتتطلب أدلة مستمرة على تحسُّن ممارسات الشركات عبر شريحة أوسع من السوق، عادّاً أن ما أعلنته الشركتان يمثل خطوةً إيجابيةً لكنها غير كافية بمفردها.

وتُعدُّ الأسهم الكورية الجنوبية من بين الأفضل أداءً عالمياً هذا العام، بعدما قفزت بنحو 67 في المائة بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي وتحسُّن توقعات الأرباح. ومع ذلك، لا يزال مؤشر «كوسبي» يتداول عند 4.3 مرة فقط من الأرباح المتوقعة لعام 2027، وهو أدنى مضاعف ربحية في المنطقة، مقارنة بنحو 11 مرة لمؤشر آسيا والمحيط الهادئ، وفق بيانات «غولدمان ساكس».

ويرى مستثمرون أن هذه الفجوة تعكس استمرار الشكوك بشأن مدى استعداد الشركات الكورية الأخرى للسير على نهج شركات التكنولوجيا الكبرى في تعزيز عوائد المساهمين.

وقال سامي سوزوكي، رئيس أسهم الأسواق الناشئة في «ألاينس بيرنشتاين»، إن ضخامة التوزيعات المعلنة من «سامسونغ» و«هاينكس» تعكس إلى حدٍّ كبير الأرباح الاستثنائية التي حققتها الشركتان بفضل الانتعاش القوي في سوق رقائق الذاكرة، أكثر مما تعكس تحولاً جذرياً في فلسفة إعادة رأس المال إلى المساهمين.

وأضاف أن هذا ما يفسر استمرار تساؤل المستثمرين عمّا إذا كانت هذه الإجراءات كافية بالفعل لإحداث تغيير حقيقي في السوق الكورية.

كعب أخيل

ورغم الترحيب الواسع بخطة «سامسونغ» القياسية لإعادة رأس المال، يرى بعض المستثمرين والمحللين أن السياسة المعلنة لا تزال تفتقر إلى الوضوح، وقد تعتمد بدرجة كبيرة على توزيعات استثنائية يرون أنها قد تفيد العائلة المالكة للمجموعة أكثر من مساهمي الأقلية.

وتعتزم «سامسونغ» توزيع نحو 30 تريليون وون نقداً خلال الرُّبع الحالي ضمن برنامج عوائد إجمالي تتراوح قيمته بين 90 و110 تريليونات وون لعام 2026، على أن يتم الإعلان عن التفاصيل النهائية لبقية البرنامج في يناير (كانون الثاني) المقبل.

وقال كيم كيو شيك، مدير المحافظ في صندوق التحوط «فيستا غلوبال لإدارة الأصول» في سنغافورة، إن الإعلان جاء مخيباً للآمال، مشيراً إلى أن غياب أي التزام واضح بإعادة شراء الأسهم يبعث برسالة سلبية إلى السوق.

وأضاف أن هيكل الملكية داخل مجموعة «سامسونغ» يمثل «كعب أخيل» (نقطة ضعف قاتلة أو ثغرة خفية) يحد من قدرة الشركة على تنفيذ عمليات إعادة شراء واسعة النطاق لأسهمها.

ويشير محللون إلى أن أي برنامج كبير لإعادة شراء الأسهم وإلغائها قد يرفع حصص بعض المساهمين الرئيسيِّين، مثل «سامسونغ لايف» و«سامسونغ فاير»، فوق الحدود التنظيمية المسموح بها، ما قد يجبرهم على خفض ملكياتهم، ويؤدي إلى زيادة التدقيق التنظيمي في هيكل الملكية المعقد للمجموعة.

وفي ردها على استفسار لـ«رويترز»، أكدت «سامسونغ» أن قراراتها المتعلقة بعوائد المساهمين تستند إلى مصالح المساهمين أولاً، وأن الاعتبارات المرتبطة بامتثال الشركات التابعة للأنظمة التنظيمية لا تؤثر في تلك القرارات.

وأضافت أن إعادة شراء الأسهم ليست الأداة الوحيدة المتاحة لإعادة رأس المال، مؤكدة التزامها بسياسة تشمل التوزيعات النقدية وإعادة شراء الأسهم وإلغاءها عند الحاجة.

شعار شركة «سامسونغ إلكترونيكس» في رسم توضيحي (رويترز)

ماذا عن بقية الشركات؟

ويرى المستثمرون أن نجاح برنامج «رفع القيمة» على المدى الطويل سيعتمد على مدى استجابة الشركات الأخرى، خصوصاً أن الانضمام إلى البرنامج لا يزال اختيارياً.

وقال عادل إبراهيم، رئيس إدارة الأسهم في مجموعة «كلاي»، إن الأرقام المعلنة حتى الآن جاءت دون التوقعات، مضيفاً أن «سامسونغ» كان بإمكانها أن تكون أكثر جرأة في تنفيذ برامج إعادة شراء الأسهم بدلاً من التركيز على التوزيعات النقدية.

وأوضح أن إحجام أكبر الشركات عن اتخاذ خطوات أكثر طموحاً قد يدفع شركات أخرى إلى التردد في تبني سياسات مماثلة.

وفي المقابل، بدأت مؤشرات التغيير تظهر في السوق. فبحسب بيانات بورصة كوريا، أعلنت الشركات المدرجة منذ بداية العام برامج لإعادة شراء أسهم بقيمة 39 تريليون وون (29.1 مليار دولار)، وهو ما يتجاوز إجمالي ما أُعلن عنه خلال عامَي 2024 و2025 مجتمعَين.

وقالت يي بينغ لياو، مديرة المحافظ الاستثمارية في «تمبلتون غلوبال إنفستمنتس»، إن الشركات باتت تواجه ضغوطاً متزايدة من المستثمرين الأقلية، خصوصاً عند طرح عمليات فصل أنشطة أو استحواذات أو زيادات رأسمالية لا تصب في مصلحة جميع المساهمين.

ومع ذلك، يؤكد المستثمرون أن تحديات هيكلية عدة لا تزال قائمة، من بينها ضعف الرقابة على مجالس الإدارات، وتركيز الملكية، وهيمنة التكتلات العائلية الكبرى المعروفة باسم «تشيبول»، إضافة إلى استمرار المخاوف المتعلقة بحماية حقوق المساهمين الأقلية.

وقالت لياو إن المرحلة الحالية لم تعد تتعلق بإصلاح السياسات بقدر ما تتعلق بقدرة الشركات على إثبات التزامها العملي بتنفيذ خطط رفع القيمة وتحسين الحوكمة.


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة الأميركية ترتفع مع تقييم نتائج «سبيس إكس» و«نتفليكس»

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

العقود الآجلة الأميركية ترتفع مع تقييم نتائج «سبيس إكس» و«نتفليكس»

ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية، الأربعاء، مع تقييم المستثمرين أحدث نتائج أعمال الشركات، في وقت واصلت أسعار النفط صعودها وسط تداعيات الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أمّ لحاسوب في رسم توضيحي (رويترز)

«سامسونغ» و«إس كي هاينكس» تطوران مصانعهما في الصين لإنتاج رقائق ذاكرة أكثر تقدماً

تعمل شركتا «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس» الكوريتان الجنوبيتان على تحديث مصانعهما في الصين لإنتاج رقائق ذاكرة أكثر تقدماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» ببورصة فرنكفورت (رويترز)

تباين أداء الأسهم الأوروبية مع دعم نتائج الشركات ومخاوف الاضطرابات في فرنسا

تباين أداء الأسهم الأوروبية خلال تعاملات الأربعاء، وسط موازنة المستثمرين بين الدعم الذي وفّرته نتائج أعمال قوية للشركات والمخاوف من الاضطرابات العنيفة في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «سبايس إكس» (رويترز)

إيرادات «سبايس إكس» تقفز 161% بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي

قفزت إيرادات شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك بنسبة 161 في المائة خلال الربع الثالث، متجاوزة توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
الاقتصاد عامل يمر بالقرب من خزانات حقل نفط في كازاخستان (رويترز)

شركات النفط الكبرى تواجه اختباراً في خطط إنفاق الأرباح الناتجة عن حرب إيران

من المتوقع أن تسجل شركات النفط الكبرى قفزة كبيرة في أرباح الربع الثالث بعدما عززت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران نتائج التكرير والتجارة

«الشرق الأوسط» (لندن)

من الصين... المركزي الأوروبي يدافع عن توسيع خطوط السيولة باليورو

مبنى البنك المركزي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي في فرنكفورت (رويترز)
TT

من الصين... المركزي الأوروبي يدافع عن توسيع خطوط السيولة باليورو

مبنى البنك المركزي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي في فرنكفورت (رويترز)

قال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، يوم الأربعاء، إن بإمكان البنك تعزيز الدور العالمي لليورو وتوسيع نطاق تأثير سياسته النقدية من خلال توفير شبكات أمان للسيولة للدول الأجنبية.

وخلال حديثه في فعالية مغلقة في شنغهاي بعنوان «النظام النقدي ما بعد الدولار»، قال لين إن الطلب على تسهيلات السيولة باليورو التي وسّعها البنك المركزي الأوروبي مؤخراً كان قوياً، إذ أبدى أكثر من 30 بنكاً مركزياً اهتمامه بها.

وأضاف، وفقاً لنص كلمته المعدّ سلفاً: «تُعزز خطوط السيولة الثقة بالعملة وتحدّ من المخاطر المرتبطة بها، مما يدعم استخدامها على نطاق أوسع». وجاءت الفعالية ضمن القمة السنوية للسندات (بوند).

وتأتي هذه التصريحات في وقت يتساءل فيه صنّاع السياسات حول العالم عن مدى استدامة هيمنة الدولار على المدى الطويل، في ضوء السياسات الاقتصادية غير المتوقعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ورأى لين أن زيادة الاستخدام الدولي لليورو من شأنها تعزيز قدرة البنك المركزي الأوروبي على الوفاء بتفويضه المتعلق بالتضخم، من خلال توسيع نطاق التأثير العالمي للسياسة النقدية لمنطقة اليورو.

وأوضح أن آلية «EUREP» التابعة للبنك المركزي الأوروبي، التي تتيح للبنوك المركزية الأجنبية الحصول على اليورو مقابل ضمانات مقوّمة بالعملة الموحدة، يمكن أن تدعم أسواق السندات في التكتل الذي يضم 21 دولة، ولا سيما من خلال زيادة مشتريات مديري الاحتياطيات الرسمية.

وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قد قالت مؤخراً إن البنك يراجع أيضاً شبكة خطوط مبادلة العملات لديه، التي تتيح للبنوك المركزية الكبرى، بما فيها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك الشعب الصيني، مبادلة عملاتها المحلية باليورو.

وقال لين إن مثل هذه الترتيبات يمكن أن تشجع الاقتراض باليورو، لكن ينبغي قصرها على البنوك المركزية في الاقتصادات التي تربطها بمنطقة اليورو علاقات مالية وثيقة، وتتمتع بقدرة واضحة على سداد الالتزامات المقوّمة باليورو.


السوق المالية السعودية تتراجع 0.26 % وتغلق عند 9926 نقطة

متداول يتابع الأسهم في السعودية (رويترز)
متداول يتابع الأسهم في السعودية (رويترز)
TT

السوق المالية السعودية تتراجع 0.26 % وتغلق عند 9926 نقطة

متداول يتابع الأسهم في السعودية (رويترز)
متداول يتابع الأسهم في السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» تعاملات يوم الأربعاء متراجعاً بنسبة 0.26 في المائة، ليغلق عند مستوى 9926 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 4.13 مليار ريال.

وتراوح المؤشر خلال الجلسة بين 9855 و9989 نقطة.

وتصدّرت أسهم «مرنة» قائمة الأكثر ارتفاعاً بنسبة 9.48 في المائة، لتغلق عند 7.85 ريال، تلتها «العربية» بنسبة 6.44 في المائة إلى 40.58 ريال، ثم «كيان السعودية» بنسبة 6.23 في المائة إلى 4.84 ريال.

في المقابل، تصدّر سهم «لدن» قائمة الأكثر انخفاضاً، متراجعاً بنسبة 8.54 في المائة إلى 1.82 ريال، تلاه سهم «حديد وطني» بنسبة 7.02 في المائة إلى 2.78 ريال، ثم «جاز» بنسبة 6.56 في المائة إلى 13.54 ريال.

وارتفع سهم «أرامكو السعودية» بنسبة 0.39 في المائة، ليغلق عند 25.58 ريال.

وفي سوق الأسهم السعودية، تباين أداء أسهم البنوك التي أعلنت نتائجها المالية للربع الثالث، إذ ارتفع سهم «بنك الرياض» بنسبة 2.58 في المائة، و«مصرف الراجحي» بنسبة 0.08 في المائة، فيما تراجع سهم «مصرف الإنماء» بنسبة 4.97 في المائة، و«البنك العربي الوطني» بنسبة 2.57 في المائة، و«بنك الجزيرة» بنسبة 1.35 في المائة، و«البنك الأهلي السعودي» بنسبة 0.16 في المائة، وذلك عند إغلاق جلسة الأربعاء.


القطاع الخاص يعزز نمو السعودية بين اقتصادات «العشرين»

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
TT

القطاع الخاص يعزز نمو السعودية بين اقتصادات «العشرين»

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

مدفوعةً بزخم القطاع الخاص، وتوسع الأنشطة غير النفطية، تتجه السعودية إلى تصدّر اقتصادات مجموعة العشرين من حيث النمو في عام 2027، متقدمةً على الهند التي يُتوقع أن تسجل نمواً بنسبة 7 في المائة، مقابل 7.9 في المائة للمملكة، وفق توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة الأسبوع الماضي. ويعكس الفارق في التوقعات التحولات التي يشهدها الاقتصاد السعودي، بدعم من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، وتوسع الفرص الاستثمارية. وبحسب وزارة الاستثمار السعودية، فإن تصدّر المملكة توقعات النمو لدول مجموعة العشرين في 2027 بنسبة 7.9 في المائة يعكس قوة الاقتصاد، ومرونته، ويفتح آفاقاً أوسع للاستثمار، والنمو، مدعوماً بزخم القطاع الخاص، وتوسع الأنشطة غير النفطية، متجهاً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، واستدامة، وجاذبية للاستثمار.

وكان صندوق النقد الدولي قد رفع توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة إلى 7.9 في المائة، مقارنة بـ5.5 في المائة في تقديراته الصادرة في يوليو (تموز)، بزيادة قدرها 2.4 نقطة مئوية، في مراجعة تعكس آفاق التعافي بعد تداعيات الحرب، واضطرابات التجارة، والطاقة. ويعكس هذا الأداء التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد السعودي في إطار «رؤية 2030»، مع تنامي مساهمة القطاعات غير النفطية في دفع عجلة النمو، وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى استدامة هذا الزخم، وترجمته إلى فرص استثمارية ووظيفية جديدة.

قطاعات جديدة

يرى عضو مجلس الشورى السابق والخبير الاقتصادي، الدكتور فهد بن جمعة، أن تصدّر السعودية توقعات النمو بين اقتصادات مجموعة العشرين يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، يتجاوز الاعتماد التقليدي على العائدات النفطية، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه أحد المحركات الرئيسة للنشاط الاقتصادي، ومستفيداً من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، وتوسع الفرص الاستثمارية، وارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية.

وقال بن جمعة لـ«الشرق الأوسط» إن هذا التحول يجسد انتقال الاقتصاد السعودي تدريجياً من مرحلة التحفيز الحكومي المباشر إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً، وقدرة على توليد النمو.

وأضاف أن الزخم الذي يشهده القطاع الخاص يرتبط بالاستثمارات الحكومية الكبرى التي أسهمت في تهيئة البيئة الاقتصادية، وفتح قطاعات جديدة أمام المستثمرين المحليين، والدوليين.

وأوضح أن المشروعات الاستراتيجية في قطاعات السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية باتت تحفز نشاطاً اقتصادياً يتجاوز نطاق المشروعات نفسها، مع امتداد آثار الإنفاق الاستثماري إلى سلاسل التوريد، والمنشآت الصغيرة، والمتوسطة، بما يوسع فرص الأعمال، ويعزز إسهام شرائح أوسع من الاقتصاد في النمو.

وفي تقديره، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الأداء في تصدّر ترتيب النمو بين الاقتصادات الكبرى بقدر ما تكمن في القدرة على استدامته خلال السنوات المقبلة. وقال إن «التحدي الرئيس يتمثل في تحويل التوسع الاقتصادي إلى مكاسب إنتاجية طويلة الأجل، من خلال زيادة كفاءة المنشآت الوطنية، وتعزيز الصادرات غير النفطية، وتطوير المهارات، ورفع إسهام الاستثمارات الخاصة المستقلة عن الإنفاق الحكومي».

وأشار بن جمعة إلى أن مواصلة العمل على هذه المسارات تضع الاقتصاد السعودي أمام مرحلة أكثر تقدماً في التنويع، حيث لا يقتصر فيها التقدم على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل يمتد إلى بناء قاعدة اقتصادية أكثر مرونة، وتنافسية، وقادرة على توليد قيمة مضافة، وفرص عمل مستدامة.

الإصلاحات تعزز مرونة الاقتصاد

بدوره، يرى رئيس المركز السعودي للحوكمة، ناصر السهلي، أن تقدم السعودية في توقعات النمو بين دول مجموعة العشرين يعكس الأثر التراكمي للإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها المملكة خلال السنوات الماضية، وليس مجرد تحسن عابر في أداء قطاع بعينه.

وقال السهلي لـ«الشرق الأوسط» إن تطوير التشريعات، وتيسير ممارسة الأعمال، وتوسيع مشاركة المستثمرين، وإعادة هيكلة عدد من القطاعات، كلها أسهمت في بناء بيئة اقتصادية أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات، وتحويلها إلى أنشطة إنتاجية، مشيراً إلى أن نمو دور القطاع الخاص يمثل مؤشراً على انتقال أثر هذه الإصلاحات إلى الاقتصاد الحقيقي.

وأوضح أن أهمية هذه التحولات تتزايد في ظل التحديات الجيوسياسية، واضطرابات التجارة، والطاقة عالمياً، والمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة.

وأضاف أن اتساع قاعدة الأنشطة غير النفطية يعزز قدرة الاقتصاد على تنويع مصادر الدخل، والحد من تأثره بالتقلبات الخارجية.

وقال السهلي إن «التنويع الاقتصادي لا يعني الانفصال الكامل عن المتغيرات العالمية، بل بناء منظومة إنتاجية واستثمارية قادرة على التكيف معها، والمحافظة على استمرارية الأعمال في الظروف المختلفة». وأضاف أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة القطاع الخاص السعودي على الانتقال من الاستفادة من الفرص التي تتيحها المشروعات الحكومية إلى قيادة توسع استثماري مستقل، ومستدام.

ويتطلب ذلك، بحسب السهلي، رفع الإنتاجية، وتعزيز المنافسة، وتوسيع فرص الوصول إلى التمويل، وتحفيز الابتكار، وزيادة حضور الشركات الوطنية في الأسواق الخارجية. وأكد أن الأهمية الاستراتيجية لتقدم المملكة في توقعات النمو لا تقتصر على موقعها بين اقتصادات مجموعة العشرين، بل ترتبط بقدرتها على تحويل هذا الزخم إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وكفاءة، حيث يقوده قطاع خاص قادر على توليد وظائف نوعية، وقيمة مضافة مستدامة.

ترتيب اقتصادات الدول

ووفق تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، جاءت الهند في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين، بمعدل نمو متوقع يبلغ 7 في المائة، تلتها إندونيسيا بنسبة 5.1 في المائة، ثم الصين بـ4 في المائة، وتركيا بـ3.6 في المائة، وفق بيانات الصندوق التي استعرضتها الوزارة. وحلَّت الأرجنتين في المرتبة السادسة بنمو متوقع يبلغ 3.5 في المائة، تلتها كوريا الجنوبية بنسبة 2.8 في المائة، ثم الولايات المتحدة بـ2.3 في المائة. وبلغت التوقعات للبرازيل 1.9 في المائة، والمكسيك 1.8 في المائة، وكندا 1.7 في المائة، وأستراليا 1.6 في المائة، وجنوب أفريقيا 1.3 في المائة، والمملكة المتحدة 1.2 في المائة. وسجَّلت ألمانيا نمواً متوقعاً عند 1.1 في المائة، وروسيا 0.9 في المائة، بينما بلغت التوقعات لفرنسا واليابان 0.7 في المائة لكل منهما، وجاءت إيطاليا في المرتبة الأخيرة بنسبة 0.6 في المائة.