دخلت الأسواق اليابانية جلسة الأربعاء تحت تأثير قوتين متعاكستين؛ مع ارتفاع الين الذي خفّف توقعات تشديد «بنك اليابان» بوتيرة أكثر حدة، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط الذي أعاد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم إلى الواجهة، مما دفع الأسهم إلى التراجع وألقى بثقله على معنويات المستثمرين.
وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 0.19 في المائة عند 65142.78 نقطة، بعدما ارتفع خلال الجلسة بما يصل إلى 0.8 في المائة، في حين تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.09 في المائة إلى 4046.64 نقطة.
وجاء التحول في اتجاه الأسهم بعدما تصاعدت المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مع إعلان إيران إطلاق صواريخ باليستية على قاعدة في الأردن يستخدمها الجيش الأميركي ومهاجمة عدد من السفن، بعد إعلان واشنطن تدمير ناقلات نفط إيرانية. وأدى ذلك إلى إعادة تسعير مخاطر الطاقة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يهدد اليابان بصورة مباشرة نظراً إلى اعتمادها الكبير على استيراد الوقود، فارتفاع النفط يعني ضغوطاً إضافية على الشركات والأسر، وقد يعيد إشعال التضخم حتى في وقت يساعد فيه ارتفاع الين على خفض تكلفة الواردات.
وقالت استراتيجية الأسهم في «نومورا للأوراق المالية»، ماكي ساوادا، إن تدهور الوضع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط يضغطان على الأسهم اليابانية، رغم استمرار الأداء القوي لأسهم أشباه الموصلات والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وحصل قطاع التكنولوجيا على دعم من أنباء عن صفقة بمليارات الدولارات بين «فيريزون» و«كورنينغ» لتوريد ألياف ضوئية عالية الكثافة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وأسهم ذلك في ارتفاع أسهم شركات الكابلات اليابانية، إذ قفز سهم «فوروكاوا إلكتريك» بنسبة 12.63 في المائة، وصعد «فوجيكورا» 8.07 في المائة.
كما أظهر استطلاع أجرته «رويترز» ارتفاع ثقة كبار المصنعين اليابانيين في سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوى منذ ديسمبر (كانون الأول) 2021، مدعومة بالطلب القوي على أشباه الموصلات ومراكز البيانات، مما يؤكد أن قطاع التكنولوجيا لا يزال يوفر دعماً مهماً للاقتصاد والأسواق.
انخفاض العوائد
لكن سوق السندات بعثت برسالة مختلفة، فقد انخفض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتحركات «بنك اليابان»، بمقدار نقطة أساس إلى 1.835 في المائة، في حين تراجع عائد السندات لأجل خمس سنوات 1.5 نقطة أساس إلى 2.22 في المائة.
ويعكس هذا التراجع تغيراً في توقعات المستثمرين بشأن سرعة رفع أسعار الفائدة، فارتفاع الين يقلص تكلفة الواردات ويخفّف بعض الضغوط التضخمية، ما قد يقلّل حاجة «بنك اليابان» إلى التحرك بوتيرة أسرع مما كانت الأسواق تتوقعه قبل أيام.
وقال كبير مديري الصناديق التنفيذيين في «ميتسوبيشي يو إف جي لإدارة الأصول»، ماسايوكي كوجوتشي، إن الأسواق تراقب الين من كثب، مشيراً إلى أن استمرار قوته يمكن أن يخفف مخاوف التضخم ويزيد الإقبال على شراء السندات طويلة الأجل. وأضاف أن ارتفاع العملة اليابانية، إذا استمر، قد يؤدي أيضاً إلى تراجع توقعات رفع الفائدة بسرعة من جانب «بنك اليابان».
وكانت سوق السندات قد شهدت ارتفاعاً قوياً في الأسعار الأسبوع الماضي، مع إغلاق المستثمرين مراكز تراهن على زيادة انحدار منحنى العائد. وساعد صعود الين في تهدئة المخاوف من أن يكون البنك المركزي متأخراً في مواجهة التضخم. غير أن الصورة ليست محسومة بالكامل، إذ لا تزال خطط الإنفاق الحكومي المرتفعة تدفع بعض المستثمرين إلى الحذر من السندات طويلة الأجل، بسبب احتمال زيادة الإصدارات الحكومية مستقبلاً.
وقال رئيس استراتيجية أسعار الفائدة في «طوكيو مارين لإدارة الأصول»، شينجي إبيهارا، إنه يتوقع اتجاهاً نحو تسطح منحنى العائد على المدى الطويل، مشيراً إلى تراجع المخاوف من أن يكون بنك اليابان «متأخراً عن المنحنى» في مواجهة التضخم. كما أشار إلى أن النمو القوي في مبيعات السندات الحكومية المخصصة للأفراد قد يخفّف الحاجة إلى زيادة كبيرة في الإصدارات الموجهة للمؤسسات، وهو عامل داعم للسندات طويلة الأجل.
وبذلك تبدو الأسواق اليابانية عالقة بين اتجاهين؛ فمن جهة، يدعم ارتفاع الين السندات ويخفف الضغوط على البنك المركزي لتشديد السياسة بسرعة. ومن جهة أخرى، تبقي الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع النفط مخاطر التضخم مرتفعة، في حين يظل قطاع التكنولوجيا مصدر دعم للأسهم. والنتيجة أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية للشراء في بعض أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مع ميل إلى السندات القصيرة والمتوسطة الأجل، مقابل حذر أكبر تجاه الأسهم الحساسة للتضخم والنمو.
وسيظل مسار الين، أكثر من أي عامل آخر، محوراً رئيسياً للأسواق خلال الفترة المقبلة. فإذا استمرت العملة في الارتفاع فقد تهدأ رهانات التشديد النقدي السريع أكثر، أما إذا عاد الين إلى الضعف بالتزامن مع ارتفاع النفط فقد تعود توقعات رفع الفائدة بوتيرة أسرع إلى الواجهة.
