12 منصة أرضية تنضم إلى 4 طائرات… وخطط لمد العمليات إلى جميع مناطق المملكة

492 مهمة استمطار حتى الآن ونافذة التدخل لا تتجاوز دقائق

طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
TT

12 منصة أرضية تنضم إلى 4 طائرات… وخطط لمد العمليات إلى جميع مناطق المملكة

طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)
طائرة تنفذ عملية بذر للسحب ضمن برنامج الاستمطار (البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب)

ارتبط استمطار السحب طويلاً بصورة طائرة تتجه نحو السحابة المناسبة لتنفيذ عملية البذر، لكن هذه الصورة تتجه إلى التغيّر في السعودية، مع الاستعداد لتوزيع 12 منصة أرضية في مناطق مختلفة، لتعمل ضمن منظومة تضم 4 طائرات مخصصة للاستمطار، في توسع ينقل أدوات البذر من الجو إلى الأرض.

وتكشف معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من البرنامج الإقليمي لاستمطار السحب أن غرفة العمليات المطورة ستتيح إدارة أسطول الطائرات الأربع ومتابعة المنصات الأرضية الـ12 بالتزامن، بينما يتولى 35 خبيراً وفنياً في الأرصاد متابعة العمليات على مدار الساعة.

ويأتي التوسع في وقت بلغت فيه حصيلة البرنامج 942 مهمة استمطار جوية في سماء المملكة، بأكثر من 2509 ساعات طيران تشغيلية، إلى جانب 83 مهمة بحثية بإجمالي 232 ساعة طيران لدراسة السحب، بينما تغطي العمليات حالياً 6 مناطق، مع خطط لتوسيعها مستقبلاً إلى جميع مناطق السعودية.

منظومة في الجو وعلى الأرض

تضع المنصات الأرضية عنصراً جديداً ضمن القدرات التشغيلية للبرنامج إلى جانب الطائرات؛ إذ سيتم توزيع المنصات في مناطق مختلفة، وربط متابعتها بغرفة العمليات؛ ما يسمح بإدارة أكثر من أداة ضمن منظومة تشغيلية واحدة.

ولم يحدد البرنامج، مواقع توزيع المنصات أو الجدول الزمني لدخولها العمل، إلا أن دمج متابعتها مع الطائرات يأتي بالتزامن مع تطوير غرفة العمليات التي تجمع في مساحة واحدة فرق الأرصاد والطيران والخدمات الأرضية وتقنيات الاستمطار والفرق الفنية والإدارات ذات العلاقة.

والهدف هو اختصار المسافة بين المعلومة والقرار؛ فعملية الاستمطار لا تبدأ مع إقلاع الطائرة، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما تظهر سحابة على شاشات المراقبة، ويبدأ الخبراء في تحديد ما إذا كانت تستحق التدخل أصلاً.

ليست كل سحابة هدفاً

ليست كل سحابة تبدو ممطرة قابلة للاستمطار؛ اذ يبحث الخبراء، وفق المعلومات المقدمة لـ«الشرق الأوسط»، عن سحب ركامية متماسكة تمتلك تيارات هوائية صاعدة قوية، تساعد على رفع مواد الاستمطار إلى داخلها، إلى جانب ضرورة توافر رطوبة وقطرات مياه كافية.

ويختلف التعامل كذلك باختلاف درجة حرارة السحابة؛ فالسحب الباردة، التي تقل حرارتها عن الصفر، يجري بذرها بمواد تساعد على تكوين بلورات ثلجية تذوب لاحقاً وتهطل، بينما تستخدم أملاح طبيعية عند قاعدة السحب الدافئة للمساعدة على تجمع القطرات وزيادة حجمها.

وقد تخدع السحابة العين؛ إذ يمكن أن تبدو رمادية وكثيفة في السماء، لكنها تُستبعد من العملية إذا كانت خفيفة أو رقيقة وتفتقر إلى تيارات صاعدة مناسبة؛ لأن بذرها في هذه الحالة لن يحقق النتيجة المستهدفة.

دقائق لحسم القرار

وإذا اجتازت السحابة هذه المعايير، يبدأ سباق آخر مع الزمن، تراقب فرق البرنامج السماء لحظة بلحظة عبر الرادارات والأقمار الاصطناعية، ثم يحلل خبراء الأرصاد مسار الرياح ونمو السحابة لتحديد أفضل موقع وتوقيت للتدخل، قبل أن يقرر فريق الخبراء توجيه الطائرة وتحديد نوع وكمية المواد المناسبة للبذر.

وقد لا تملك الفرق سوى «دقائق معدودة» لتنفيذ ذلك؛ إذ أوضح البرنامج أن فرصة التدخل تقع ضمن نطاق زمني ضيق، ما يستدعي التحرك قبل أن تضعف السحابة أو تبدأ في التلاشي. وهنا تظهر إحدى وظائف غرفة العمليات المطورة؛ إذ تستخدم أنظمة حاسوبية حديثة لتحليل بيانات الطقس في ثوانٍ بهدف اختصار وقت اتخاذ القرار، إلى جانب ارتباطها المباشر بطائرة الأبحاث King Air 360، التي تمد الفرق بصور ثلاثية الأبعاد وبيانات فورية تساعد على قراءة تفاصيل السحابة.

942 مهمة في سماء المملكة

وتظهر الأرقام حجم العمليات التي باتت تُدار خلف هذه المنظومة؛ إذ نفذ البرنامج 942 مهمة استمطار جوية بأكثر من 2509 ساعات طيران تشغيلية. وبالتوازي مع العمليات التنفيذية، نفذ 83 مهمة بحثية بإجمالي 232 ساعة طيران لدراسة السحب، بينما جرى تدريب وتأهيل 115 مختصاً من خلال 38 دورة تدريبية.

ولا تتحرك عمليات الاستمطار بالوتيرة نفسها في أنحاء المملكة؛ إذ تحدد طبيعة المناخ والسحب موسم النشاط في كل نطاق جغرافي. ففي المنطقة الوسطى والشمالية، وتحديداً الرياض والقصيم وحائل، تنشط العمليات من الخريف إلى الربيع لاستهداف السحب الباردة، بينما تتركز على المرتفعات الجنوبية الغربية وجبال الحجاز بين أبريل (نيسان) وأغسطس (آب)، بالتزامن مع نشاط السحب التضاريسية والدافئة.

وإذا ظهرت مجموعة سحب مناسبة في الوقت نفسه، يوجه البرنامج الطائرات إلى السحابة الأكثر جاهزية وغزارة، إلى جانب إعطاء أولوية للمحميات والمناطق الأكثر احتياجاً لدعم مصادر المياه وزيادة الغطاء النباتي.

من المطر إلى أثره على الأرض

ولا تنتهي العملية بانتهاء البذر؛ إذ تنتقل الفرق بعدها إلى متابعة ما حدث داخل السحابة وعلى الأرض. ويقول البرنامج إنه يتابع السحابة بالرادار بعد البذر لرصد نمو قطرات المطر وزيادة كثافتها، ويقارن كميات الأمطار المسجلة، إلى جانب متابعة بيانات أرضية وبيانات الأقمار الاصطناعية المرتبطة برطوبة التربة.

وبحسب المعلومات المقدمة للصحيفة، أُجريت أكثر من 13000 قراءة مرتبطة برطوبة التربة، وسجلت منطقة القصيم ومحمية الملك سلمان الملكية أعلى استجابة في ارتفاع رطوبة الأرض ضمن المؤشرات التي جرى رصدها.

كما غطت عمليات البرنامج 67 في المائة من المواقع البيئية المهمة للمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، بما يعادل 255 موقعاً، في ارتباط بين بعض أولويات عمليات الاستمطار ومستهدفات دعم مصادر المياه وزيادة الغطاء النباتي. ومع ذلك، لا تقدم المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة تقديراً رقمياً لمقدار الزيادة في الهطول التي يمكن نسبتها مباشرة إلى عمليات الاستمطار، وهو ما يجعل الرحلات البحثية وعمليات القياس والمتابعة جزءاً موازياً للعمل التشغيلي.

وبعد سنوات ارتبط فيها مشهد الاستمطار أساساً بالطائرة التي تتجه نحو السحابة، ترسم القدرات الجديدة صورة أوسع للعملية؛ بطائرات ومنصات أرضية مرتقبة في مناطق مختلفة، وغرفة عمليات تتابعها بالتزامن، ضمن خطة تتجه في نهايتها إلى توسيع نطاق عمليات الاستمطار ليشمل جميع مناطق المملكة.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه الإيراني والباكستاني تطورات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه الإيراني والباكستاني تطورات المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الأحد، مع نظيريه الإيراني عباس عراقجي، والباكستاني محمد إسحاق دار، مستجدات الأوضاع الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص صورة لشريحة ذكاء اصطناعي مع علم كوريا (رويترز)

خاص الرقائق الكورية تتجه إلى السعودية... من التصنيع إلى الحوسبة

تستقطب السعودية شركات الرقائق الكورية لدعم طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من الطاقة والبنية التحتية لبناء منظومة حوسبة متقدمة.

عبير حمدي (الرياض)
يوميات الشرق عطاء سعودي بهوية محلَّية وأثر يتجاوز الحدود (واس)

145 مليار دولار ترسم خريطة العطاء السعودي حول العالم

حصدت السعودية، ممثَّلة بـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، سلسلة من الجوائز والتكريمات الدولية، منها «جائزة المؤسسات الصديقة للأسرة والطفولة» لعام 2024.

«الشرق الأوسط» (جدة)
جمانا الراشد الرئيس التنفيذي لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» ورياض معوض الرئيس التنفيذي لقطاع الأعمال في مجموعة ««stc خلال توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

مجموعة stc تختتم مشاركتها في «LEAP 2026» بتفاعل واسع

اختتمت مجموعة «stc» مشاركتها في «ليب 2026» بتوقيع شراكات استراتيجية، وإطلاق مبادرات تدعم التحول الرقمي في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان يأمر بترقية وتعيين 34 قاضياً بديوان المظالم

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً بترقية وتعيين 34 قاضياً بديوان المظالم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
TT

«الآثاريون العرب» يحتفي بتسجيل مواقع سعودية في اليونسكو

قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)
قصر المربع بعد ترميمه (مؤسسة التراث السعودية)

احتفى اتحاد الآثاريين العرب بالجهود التي بذلتها مؤسسة التراث السعودية في تسجيل كثير من المواقع الأثرية بالمملكة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الحضاري في السنوات الأخيرة، وقدم الاتحاد خلال احتفالية، مساء السبت، درعه للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لعطائه الكبير في ميدان التراث وإسهاماته في تسجيل مجموعة مواقع بالمملكة العربية السعودية بوصفها تراثاً عالمياً ثقافياً باليونسكو، وتأسيسه وترأسه لمؤسسة «التراث» غير الربحية، وفتح باب البحث العلمي للتنقيب عن الآثار للبعثات الأجنبية في السعودية، وفق بيان من الاتحاد، الأحد.

وقال الدكتور محمد الكحلاوي، رئيس المجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب، إن «منح درع الآثاريين العرب للأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود قد تقرر منذ عام 2019 لولا ظروف معينة»، وأضاف خلال حفل تدشين كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» أن «شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي وهب حياته للتراث العمراني والمحافظة عليه منذ حصوله على الدكتوراه في تاريخ العمارة وعلوم الترميم من الجامعة التقنية بآخن في ألمانيا في ستينات القرن الماضي وعمل فى مشروعات مهمة لحماية المباني التاريخية والتراثية فى مواقع متعددة فى العالم منها مصر والسعودية والقدس ولبنان».

الأمير سلطان بن سلمان في أحد المواقع الأثرية (مؤسسة التراث السعودية)

وقال مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب الدكتور عبد الرحيم ريحان إن «الاحتفالية التي أقيمت بمقر الاتحاد بمصر شملت تسليم درع الآثاريين العرب الذي منح هذا العام للأمير سلطان بن سلمان إلى الدكتور إسلام عاصم مستشار صاحب السمو الملكي والمشرف على مسار التطوير المؤسسي في مؤسسة التراث غير الربحية بالمملكة العربية السعودية مع إلقاء الضوء على إسهامات الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، التي شملت تسجيل موقع الحجر (مدائن صالح) في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008 بصفته رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار آنذاك، وتسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2010».

وتأسست مؤسسة التراث عام 1996 بهدف حفظ التراث الحضاري، وهي مؤسسة غير حكومية وغير ربحية، وجاء تأسيسها بمثابة مبادرة وطنية مهمة للمناشدة بأهمية العناية بالتراث الوطني بوصفه قضية وطنية تهم الدولة والمجتمع بعد تجربة شخصية لمؤسسها الأمير سلطان تمثلت في إعادة إحياء البيت الطيني في نخيل العذيبات بالدرعيَّة واستطاعت مؤسسة التراث، عبر ما يقارب الثلاثة عقود، الإسهام في نشر الوعي بأهمية التراث، والحفاظ على التراث السعودي بصفة خاصة، والعربي الإسلامي بصفة عامة، وتوثيقه ليصبح ذاكرة وطنية وذلك من خلال تسجيل وترميم المساجد التاريخية والحفاظ على طابعها العمراني المميز، وتتعاون المؤسسة في سبيل تحقيق ذلك مع مؤسسات داخل المملكة وخارجها كما تدعم الجهات التي تعمل في مجال التراث والحفاظ عليه.

جانب من احتفالية اتحاد الآثاريين العرب (اتحاد الآثاريين العرب)

وأشار ريحان إلى مسيرة شيخ المعماريين الدكتور صالح لمعي من خلال كتاب «صفحات من العمر: سبعون عاماً في أروقة التراث صالح لمعي مصطفى» تقديم الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود متضمناً 10 فصول تتناول فترة الكفاح وبدايات العمل في العمارة والترميم بمصر، والتجربة الدولية مع اليونسكو والسعودية.

ومنحت مصر الدكتور صالح لمعي جائزة النيل للفنون عام 2025 التي تمنح لشخصية بارزة واحدة فقط في مجال الفنون كل عام، وكرّمته المملكة العربية السعودية بالعديد من الجوائز لعمله سنوات طويلة في العذيبات وقصر الدوادمي وقصر المربع والدرعية والمدينة المنورة وجدة.


«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
TT

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)
تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب والأكثر تعبيراً عن فكرة تلك المسرحية السعودية التي تُعرض حالياً ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الـ33.

ويتجاوز العرض المعنى المباشر للعنوان، وهو حملة النعوش عند تشييع الجثامين، ليذهب إلى المعنى الأبعد فلسفياً، وهو أن البشر الأحياء أنفسهم أصبحوا موتى في حقيقة الأمر، حين فقد العالم بوصلة النجاة عبر الضمير والأخلاق، وأصبح بحاجة إلى صرخة مخلصة تعيده إلى رشده، وتجعله يفيق من سبات الموت المعنوي ليستعيد الحياة الحقيقية.

وتميزت المسرحية بالجرأة، ليس فقط على مستوى العنوان والرؤية الفكرية التي يتبناها صنّاع العمل، وإنما أيضاً عبر الحبكة الدرامية التي تتمرد على البناء التقليدي المألوف؛ إذ لا توجد قصة ذات بداية وعقدة ونهاية ضمن أحداث متصاعدة، وإنما مشاهد متجاورة ولوحات متداخلة تحذر من تحول الحياة اليومية إلى مسلسل مستمر من الخوف والموت البطيء وكل ما يسرق الطمأنينة من العيون والبهجة من الأرواح.

العرض المسرحي «الناعشون» ضمن مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعدّ مؤلف العمل فهد ردة الحارثي اختيار العنوان «منطقياً نتيجة ما يحدث في السنوات من حروب وأوبئة وأزمات سياسية واقتصادية، وكلها نذير سوء للبشر»، مشيراً إلى أن «العنوان أيضاً هو مفتاح لفهم العمل، فـ(الناعشون) ظاهرياً هم الذين يحملون النعوش، لكن المسرحية تقلب المعنى: ماذا لو كان الأحياء أنفسهم قد أصبحوا نعوشاً متحركة؟ أي أجساداً تتحرك، لكنها فقدت الشغف والأمل والقدرة على صناعة مستقبلها».

وأضاف الحارثي لـ«الشرق الأوسط» أن «الموت حاضر بقوة في عالمنا المعاصر إلى درجة أن الإنسان أخذ يتعايش معه ويألفه، وربما يحتفي به أحياناً أكثر مما يحتفي بالحياة، ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل: هل نحن نعيش أصلاً؟».

ولفت الحارثي إلى أن «النعش في العمل ليس مجرد رمز للموت بقدر ما هو رمز لواقع فارغ من الحياة، ومن هنا فإن رسالة المسرحية قاسية ومؤلمة، لكنها حقيقية ولا غنى عنها، فهي تؤكد أن الخطر الحقيقي ليس أن يموت الإنسان، وإنما أن يتحول إلى ميت من الداخل قبل أن يموت جسده من الخارج»، وفق تعبيره.

العرض السعودي «الناعشون» ضمن فعاليات المسرح التجريبي بالقاهرة (إدارة المهرجان)

وتحظى المسرحية برعاية ودعم من «هيئة المسرح والفنون الأدائية» السعودية، في حين تتولى «فرقة الطائف المسرحية» إنتاجها.

ويضم فريق التمثيل: بدر الغامدي، وممدوح الغشمري، وعبد الوهاب فندي، وعادل الحارثي، وأحمد الخمري، ومطر السواط، في حين يتولى عبد الله دواري تصميم الإضاءة، ويضع سلطان ردة الموسيقى، في حين يحمل تصميم الديكور بصمات صديق حسن، والعمل من إخراج أحمد الأحمري.

ويجمع العمل بين الفانتازيا والأجواء التراجيدية من خلال مشاهد الجنازات المتوالية، ومواكب تشييع الجثامين، لكن الراحلين ليسوا فقط البشر، بل القيم الخالدة التي حفظت البشرية من خطر الفناء، وأبرزها الحق والخير والجمال، فضلاً عن الشعر الذي يلامس أوتار القلب، والذي أصبح هو الآخر ضمن المفقودين.

عرض «الناعشون» السعودي قدم رؤية رمزية للحياة والموت (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

وعما إذا كانت المخاوف قد انتابت المؤلف من تأثير تلك الأجواء «الكابوسية المقبضة» على الجمهور، يقول الحارثي إن «المسرحية ليست قاتمة لهذه الدرجة، بل بها جدل وحراك حول سؤال الحياة وحياة الموت وموت الحياة، فهى تستهدف حث المتلقي على التفكير الإيجابي تمهيداً لتغيير الواقع، والذي يبدأ بإدراك المشكلة قبل كل شيء».

وأشاد الحارثي بالصورة النهائية التي ظهر عليها العرض من حيث الإخراج وطاقم التمثيل وعناصر السينوغرافيا المختلفة، ولا سيما الإضاءة والديكور والأزياء، مشيراً إلى أن «النص المسرحي لا يكتبه المؤلف فقط، فبقية فريق العمل يشاركونه في كتابته وصورته النهائية بلمساتهم ورؤيتهم البصرية، ليصبح الجميع شركاء في المنتج النهائي».


«كنوز المتاحف المصرية» تودّع هونغ كونغ بحصيلة 600 ألف زائر

المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

«كنوز المتاحف المصرية» تودّع هونغ كونغ بحصيلة 600 ألف زائر

المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المعرض الأثري المؤقت في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ودّع المعرض الأثري المصري المؤقت «مصر القديمة تكشف أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية»، هونغ كونغ، بعد أن استقبل أكثر من 600 ألف زائر خلال تسعة أشهر قضاها في متحف قصر هونغ كونغ خلال الفترة من 18 نوفمبر (تشرين الأول) 2025 وحتى 31 أغسطس (آب) 2026.

وضم المعرض 250 قطعة أثرية من عدد من المتاحف والمواقع الأثرية المصرية، اصطحبت الجمهور في رحلة عبر تاريخ الحضارة المصرية القديمة، لتؤكد مجدداً قدرتها على إبهار شعوب العالم وبناء جسور التواصل الثقافي بين الحضارات، وفق ما ذكرته وزارة السياحة والآثار المصرية.

وحضر الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بمصر، مراسم إغلاق المعرض، حيث بدأت إجراءات عودة القطع الأثرية إلى مصر، بعد رحلة ناجحة نقلت كنوز الحضارة المصرية من ضفاف النيل إلى هونغ كونغ.

معرض كنوز المتاحف المصرية شهد إقبالاً لافتاً من الزائرين بهونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي بـ«جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، النجاح الذي حققه معرض «مصر القديمة تكشف أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية» في هونغ كونغ، باستقباله أكثر من 600 ألف زائر خلال تسعة أشهر، مؤشراً مهماً على قوة الحضور العالمي للحضارة المصرية، وعلى قدرة الآثار المصرية على أداء دور يتجاوز العرض المتحفي إلى بناء جسور حقيقية بين الشعوب.

وأضافت سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الإقبال الجماهيري الواسع يعكس فاعلية المعارض الأثرية الدولية كإحدى أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية؛ فحين تنتقل القطع الأثرية إلى جمهور جديد، فإنها لا تنقل إليه معلومات عن تاريخ مصر فحسب، وإنما تفتح حواراً مباشراً بين حضارتين، وتقدم صورة حية عن عمق الحضارة المصرية وإسهامها في التراث الإنساني».

وتراهن مصر على معارض الآثار الخارجية المؤقتة كوسيلة للترويج السياحي والتفاعل الحضاري بوصفها من «أدوات القوة الناعمة». ومن هذه المعارض «رمسيس وذهب الفراعنة» الذي تنقل بين عدة دول حول العالم بين أميركا وأستراليا واليابان واستقر الآن في لندن، ومعرض «كنوز الفراعنة» في العاصمة الإيطالية روما، فضلاً عن معرض جديد من المقرر إقامته في إيطاليا أيضاً بعنوان «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما».

جانب من القطع الأثرية بالمعرض قبل انتهائه (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم: «يحمل هذا النوع من المعارض قيمة سياحية مهمة؛ إذ إن التعرف على الآثار المصرية في الخارج يمكن أن يتحول إلى دافع لزيارة مصر ومشاهدة هذه الحضارة في سياقها الأصلي، داخل متاحفها ومواقعها الأثرية. ومن ثم، فإن المعرض يمثل شكلاً من أشكال الترويج السياحي غير المباشر، خصوصاً للسياحة الثقافية التي تقوم على الرغبة في اكتشاف الحضارات ومواقعها الأصلية».

وأضافت سليمان: «الأهم أن نجاح المعرض يؤكد أن التراث المصري يمثل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة لمصر. فمئات الآلاف الذين شاهدوا هذه القطع أصبحوا جزءاً من جمهور عالمي تعرف على مصر من خلال آثارها، وهو ما يعزز حضورها الثقافي ويمنح المعارض الخارجية وظيفة استراتيجية تجمع بين التعريف بالتراث، وتنشيط السياحة، وتعزيز العلاقات الثقافية مع الشعوب».

وتتابع سليمان: «هنا تبرز أهمية استمرار هذا النهج، مع التوسع في إقامة معارض مصرية نوعية في الأسواق الثقافية والسياحية الكبرى، بحيث تصبح الآثار المصرية جسراً دائماً يصل مصر بالعالم، وليس مجرد معرض مؤقت ينتهي بانتهاء فترة عرضه».

وتراهن مصر على السياحة الثقافية ضمن أنماط سياحية أخرى متنوعة في جذب السائحين من الخارج، باعتبار قطاع السياحة من مصادر الدخل القومي الرئيسية في مصر، وقد حققت خلال العامين الماضيين أرقاماً قياسية في جذب السائحين، وتطمح لجذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended