لماذا أصبح شرق ألمانيا معقلاً لليمين المتطرف؟

انتخابات في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الأحد

النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
TT

لماذا أصبح شرق ألمانيا معقلاً لليمين المتطرف؟

النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)
النائبة إليزابيث كايزر (أ.ف.ب)

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، قد تبرز الانقسامات المستمرة بين الشرق والغرب بشكل صارخ في انتخابات الأحد في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الواقعة شرق البلاد.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا»، المناهض للهجرة والمرتبط بعلاقات وثيقة مع موسكو، قد يفوز بغالبية مطلقة في انتخابات المقاطعة ما سيتيح له للمرة الأولى تأليف حكومة محلية، وهو ما سيكون سابقة لحزب يميني متطرف في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب.

نازيون جدد في مدينة ماغدبورغ شرق ألمانيا (أ.ف.ب)

وقد تحدثت مفوضة الحكومة لشؤون شرق ألمانيا، النائبة إليزابيث كايزر، وهي نفسها من ولاية تورينغن الواقعة في الشرق، إلى وكالة الصحافة الفرنسية عن العوامل التاريخية والثقافية التي ترسم ملامح السياسات المتميزة للمنطقة.

* التحوّلات

عندما انهار جدار برلين عام 1989، مؤذناً بنهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية، أُغلقت العديد من الشركات الحكومية، ما أدى إلى بطالة واسعة النطاق ونزوح سكاني، لا سيما في صفوف الشابات.

قالت كايزر: «كانت تلك تجربة صعبة بالنسبة إلى كثير من سكان ألمانيا الشرقية، ولا تزال آثارها ممتدة عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لألمانيا الشرقية»، وأضافت: «تعلّق الأمر بشعور بالانتقاص من المكانة، وتجربة خسارة، وإدراك أن كل شيء يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها».

وبعد عقود لا تزال الأجور والمدخرات أدنى في المتوسط، كما أن الألمان الشرقيين، الذين يشكلون خُمس السكان، لا يحظون بتمثيل كافٍ في الحياة السياسية.

* الهجرة تغذّي التطرف

تلقى مواقف حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهضة للهجرة صدى واسعاً في أنحاء الشرق، رغم أن نسبة المقيمين من مواليد الخارج في الشرق أقل منها في الغرب.

وبينما اعتمد التعافي الاقتصادي في ألمانيا الغربية بعد الحرب على «العمال الضيوف»، استقدمت ألمانيا الشرقية عمالاً بعقود من «الدول الشقيقة» الاشتراكية مثل فيتنام وموزمبيق.

وقالت كايزر إن هؤلاء العمال «كانوا معزولين إلى حد كبير عن سكان ألمانيا الشرقية»، كما كانت عقودهم محدودة المدة، ما يعني أن ألمانيا الشرقية «لم تكن مجتمعاً مهاجراً».

وبينما كانت دعاية الدولة تروج لجمهورية ألمانيا الديمقراطية باعتبارها دولة أممية، قالت كايزر إن «العنصرية وكراهية الأجانب والتطرف اليميني» كانت موجودة أيضاً «وقد انفجرت للأسف في التسعينات»، وهي الفترة التي سميت «سنوات مضارب البيسبول» بسبب الاعتداءات التي استهدفت أجانب.

صورة لمرشح حزب «البديل» في ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند في ماغدبورغ (أ.ف.ب)

وانتشرت مشاعر الاستياء في الآونة الأخيرة، لا سيما تجاه طالبي اللجوء السوريين والأفغان، وفق كايزر، مع الاعتقاد أنهم «كانوا يحصلون على كل الخدمات الإضافية مجاناً».

وتناولت كايزر أيضاً التحذيرات من تنامي نزعة تمجيد ألمانيا الشرقية، التي يطلق عليها «أوستالجي» أو «الحنين إلى الشرق».

وقالت: «في أوقات الأزمات، يتذكر الناس الجوانب الإيجابية من ماضيهم»، مضيفة أن الشعبويين يستغلون «عناصر مشحونة عاطفياً من حقبة ألمانيا الشرقية».

ومن بين هذه العناصر دراجة «سيمسون» البخارية، التي يستخدمها المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند. وقالت كايزر إن الدراجة «كانت آنذاك رمزاً للحرية لأنها كانت تتيح التنقل».

وبينما قد يتذكر الناخبون الأكبر سناً شعورهم بمزيد من الأمان في ألمانيا الشرقية، قالت كايزر إنهم غالباً ما ينسون أن «ذلك كان بسبب الرقابة والسيطرة الشديدتين على كل شيء».

ولفتت أيضاً إلى أن كثيرين في الشرق يفخرون بالثورة السلمية عام 1989، ويرون فيها دليلاً على قدرتهم الجماعية على «إسقاط نظام».

* روسيا والحرب

يدعو حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى توثيق العلاقات مع روسيا رغم غزوها لأوكرانيا و«الهجمات المتعددة الوسيلة» التي تتهم برلين روسيا بتنفيذها.

وقالت كايزر إن التنشئة الاجتماعية للعديد من الألمان الشرقيين عززت «عداءً قوياً للولايات المتحدة» وشكوكاً مستمرة تجاه التحالف عبر الأطلسي، وهي شكوك لم تتلاشَ خلال الإدارة الأميركية الحالية.

ويتطلع كثيرون في الشرق إلى دبلوماسية متجددة مع روسيا، وهو مسار تقول كايزر إن الكرملين لا يُبدي أي رغبة في اتباعه.

وأضافت أن سيطرة السوفيات المحكمة على أوروبا الشرقية خلّفت «شعوراً بالخوف من الروس... شعوراً بأنه لا ينبغي استفزازهم».

ولفتت إلى أن بعض الأصوات في الغرب دعت إلى وقف «دعم» الجزء الشرقي الأكثر فقراً من ألمانيا، لكنها رأت في هذه الأفكار «كارثة»، مضيفة أنها «تزعجني بصفتي ألمانية شرقية».

وأضافت أن خفض أموال التحويلات «لن يؤدي إلا إلى ترسيخ دور الضحية الذي يهوى حزب (البديل من أجل ألمانيا) تبنيه دائماً».

مرشح حزب «البديل» في ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند في لقاء تلفزيوني (أ.ف.ب)

وفي ظل التصدعات الجيوسياسية الراهنة والركود الاقتصادي، قالت كايزر إن كثيرين في الشرق يخشون التغيير بالنظر إلى تاريخهم المضطرب.

ونبّهت إلى أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» ومنافسيه من اليسار المتطرف يشهدون صعوداً أيضاً في أجزاء من الغرب، لافتة إلى أن على ألمانيا ككل أن تنظر إلى الشرق باعتباره «مقياساً للزلازل» السياسية.


مقالات ذات صلة

«البديل» الألماني يستعد لفوز تاريخي قد يوصله إلى الحكم في ساكسونيا أنهالت

تحليل إخباري المستشار الألماني فريدريش ميرتس يستعد لخسارة مُرة لحزبه «المسيحي الديمقراطي» في انتخابات محلية يوم الأحد (إ.ب.أ)

«البديل» الألماني يستعد لفوز تاريخي قد يوصله إلى الحكم في ساكسونيا أنهالت

يستعد «حزب البديل من أجل ألمانيا» لتحقيق فوز تاريخي في انتخابات محلية الأحد قد توصله إلى السلطة ليصبح أول حزب يميني متطرف يحكم في ألمانيا منذ الحقبة النازية.

راغدة بهنام (برلين)
المشرق العربي لقطة من الفيديو الذي يظهر سوكوت وهو يشارك في تحطيم نصب تذكاري أقامه أهالي قرية مادما في الضفة الغربية

عضو في الكنيست يُحطِّم نصباً فلسطينياً في الضفة تحت حراسة الجيش

أظهر مقطع مصور عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف تسفي سوكوت، برفقة عدد من الإسرائيليين، وهم يحطمون نصباً تذكارياً أقامه أهالي قرية مادما.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
تحليل إخباري متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تحليل إخباري من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

الشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين.

أنطوان الحاج
أوروبا نايجل فاراج يزور كلاكتون يوم الاقتراع (رويترز)

انتخابات فرعية في بريطانيا تضع فاراج في مواجهة «وجه سلة القمامة»

يدلي ناخبون في جنوب شرق إنجلترا، الخميس، بأصواتهم في انتخابات فرعية خارجة عن المألوف...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييا (أ.ب)

كولومبيا تتحول لليمين وتنصّب حليف ترمب «دي لا إسبرييا» رئيساً

تولى الرئيس الجديد لكولومبيا أبيلاردو دي لا إسبرييا منصبه رسمياً، الجمعة، متعهداً بإنهاء محادثات السلام مع المتمردين المسلحين وشن حرب على تجار المخدرات.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
TT

بوتين يأمر بوقف قصف كييف 3 أيام بالتزامن مع زيارة موفدَي ترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

نقلت ​وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ‌قوله ‌إن ​الرئيس الروسي ‌فلاديمير ⁠بوتين ​أمر بوقف ⁠شن الضربات على كييف لمدة 3 أيام ⁠بدءاً من اليوم (السبت)، ​في ‌إطار ‌الاستعدادات لزيارة وفد أميركي.

كما قال بيسكوف ‌لوكالة «تاس» للأنباء، إن من ⁠المقرر ⁠أن يجتمع بوتين مع الممثلَين الخاصين للولايات المتحدة ستيف ويتكوف ​وجاريد كوشنر ​اليوم.

ووصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو اليوم، لطرح مقترح لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات في أوكرانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبعد محادثات في موسكو، من المقرر أن يتوجه موفدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى كييف، في أحدث محاولة من واشنطن لكسر الجمود الدبلوماسي، في أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بمحاولة عرقلة زيارة المبعوثين، بشن غارات ليل الجمعة السبت على مطاري كييف، بالإضافة إلى ضرب هدف مدني في منطقة دنيبرو أسفر عن مقتل 5 أشخاص.

وقال زيلينسكي: «من الواضح أن هذه الضربات الروسية على المطارات تشكل رداً على المباحثات والتحضيرات المتصلة باحتمال زيارة الجانب الأميركي لأوكرانيا من طريق الجو، وهبوطه في مطار كييف أو بوريسبيل».

وستكون هذه الزيارة الأولى لصديق ترمب، رجل الأعمال ويتكوف، وصهره كوشنر، إلى كييف التي تمزقها الحرب، منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي متعهداً بحل النزاع.


هجمات روسيا تقلب حياة سكان كييف رأساً على عقب

ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
TT

هجمات روسيا تقلب حياة سكان كييف رأساً على عقب

ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)
ناتاليا وابنتها إيليا تجلسان في العراء بعد إصابة المبنى السكني الذي تقيمان فيه (رويترز)

فرضت الهجمات الروسية شبه المستمرة بالطائرات ‌المسيّرة على العاصمة الأوكرانية كييف واقعاً قاسياً جديداً يشهد تقطع السبل بالركاب وإجلاء أطفال إلى الأنفاق في منتصف اليوم الدراسي وإلغاء الاحتفالات، فيما باتت صفارات الإنذار صوتاً مزعجاً يرافق نزهات المشي، وفق تقرير لوكالة «رويترز».

نجت كييف من صدمات عديدة منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير (شباط) ​2022. ورغم الصدمة الأولى للحرب وتوالي هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، فإن السكان تكيفوا تدريجياً ونجحوا في استعادة قسط من الحياة الطبيعية.

لكن مع اقتراب الشتاء الخامس في ظل الحرب، أصبح الحفاظ على هذا الوضع أكثر صعوبة.

فخلال الصيف، بدأت موسكو إرسال أسراب من الطائرات المسيّرة النفاثة ذات السرعة العالية والتي تتسم بقدرة تدميرية أكبر ويصعب التصدي لها مقارنة بالطرز القديمة التي تعمل بالمراوح.

على مدى الأيام العشرة الماضية، تواصلت الهجمات الجوية على مدار الساعة بعدما كانت روسيا تشنها خلال الليل في معظم الأحيان، مما جعل الأوكرانيين يشعرون بأن كفة الحرب تميل مجدداً لمصلحة موسكو.

من روّاد أسبوع أوكرانيا للأزياء الذين هرعوا إلى ملجأ بعد إنذار بوقوع غارة جوية روسية (أ.ف.ب)

قلق من شتاء قاس

أكثر ما يشغل بال سكان كييف البالغ عددهم ‌ثلاثة ملايين نسمة ‌هو اقتراب فصل الشتاء. فقد تسببت هجمات روسيا في انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه منذ ​بداية ‌الحرب، ⁠لكن حدتها ​خلال ⁠الأيام العشرة الماضية تشير إلى اضطرابات أكبر.

وقال بوهدان (29 عاماً) وهو يتفقد مبنى شقته المتضرر جراء هجوم روسي وقع الأسبوع الماضي: «كان العام الماضي صعباً للغاية بالنسبة لنا... بعد هذا الهجوم، كما ترون، من المرجح أن يصبح الوضع أكثر صعوبة لذلك قررنا الانتقال إلى مكان آخر».

ومع تسبب القتال على خطوط جبهة المعركة في سقوط مئات القتلى والجرحى أسبوعياً دون مكاسب ميدانية كبيرة، تخوض روسيا وأوكرانيا منذ أشهر حرباً جوية متصاعدة، وتتبادلان الهجمات على منشآت الطاقة والخدمات اللوجستية.

صعوبة التنقل ‌والتسوق

أدّت إنذارات الغارات الجوية المتكررة يوم الاثنين الماضي إلى توقف خدمات ‌مترو الأنفاق الرابطة بين ضفتي نهر دنيبرو الذي يقسم العاصمة.

وفي محطة ​أوسوكوركي قرب الضفة المقابلة لوسط المدينة، انتظرت الممرضة والاختصاصية ‌النفسية يوليانا أولينيك مع طفليها على رصيف مكتظ حتى رفع الإنذار.

وقالت: «أفكر بالفعل في أننا قد نضطر ‌إلى إحضار ما يتيح لنا المبيت في محطة المترو القريبة من المدرسة... كان الوضع صعباً في المدرسة العام الماضي، والآن لا أعرف صراحة ماذا أفعل. لا أعرف حقاً».

وأضافت: «الطرق المؤدية إلى وسط كييف مزدحمة ومحطات الحافلات مكتظة ويضطر الناس إلى السير مسافات طويلة للذهاب إلى العمل والعودة منه».

وأصبح التسوق لشراء المواد الغذائية أكثر صعوبة، إذ تغلق المتاجر الكبرى أبوابها عند انطلاق صفارات الإنذار مما يعني ‌أن على الزبائن مغادرة المبنى قبل إكمال مشترياتهم.

عودة المدارس

قال يوري إهنات، المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية، إن روسيا أطلقت أكثر من 2800 ⁠طائرة مسيّرة نفاثة على ⁠أوكرانيا خلال أغسطس (آب)، وذلك بعدما زاد استخدام هذا النوع خمسة أمثال في يوليو (تموز) مقارنة بيونيو (حزيران).

وأضاف أن معدل اعتراض هذه المسيّرات بلغ نحو 60 في المائة مقارنة بأكثر من 90 في المائة للطائرات المسيّرة التقليدية الأبطأ.

وتقول روسيا إن هذه الهجمات هدفها عسكري، في حين تقول أوكرانيا إن الغرض منها كسر معنويات المدنيين والضغط على الحكومة للتنازل عن أراضٍ في وقت يبدو أن واشنطن تبذل فيه جهوداً جديدة من أجل إنهاء الحرب.

أوكرانيون يتناولون الطعام في كييف رغم الدمار والخطر (رويترز)

مع ذلك، أظهر استطلاع رأي أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في أغسطس تزايداً في حدة المواقف تجاه روسيا. فقد ارتفعت نسبة المعارضين للتنازل عن الجزء غير المحتل من منطقة دونباس، أحد المطالب الأساسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى 69 في المائة من 62 في المائة في أبريل (نيسان).

في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد الأسبوع الماضي، كان تلاميذ إحدى مدارس كييف قد أنهوا للتو حصتهم الأولى عندما دوت صفارات الإنذار، فهرعوا إلى الملاجئ تحت الأرض ​لمواصلة دراستهم.

وقال مدير المدرسة رومان فيشتشوك: «إنه أمر مرهق ​لهم، لكن الأطفال أصبحوا أكثر قدرة على التأقلم».

وأوضح فيشتشوك أن 400 طفل تقريباً مسجلون هذا العام في المدرسة، التي لحقت بها أضرار جراء هجوم روسي في مايو (أيار).

ولدى سؤال التلميذة الصغيرة أولكساندرا عن حلمها أجابت: «أن تنتهي الحرب».


عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
TT

عجز القرار الأوروبي: هل تكسر «مجموعة الراين» الحلقة المفرغة؟

أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)
أوروبا... قارة تبحث عن نفسها (غوغل مابس)

قد تكون «مجموعة الراين» واحدة من أكثر المبادرات الأوروبية طموحاً هذا العام، وقد تتحول إلى منصة مؤثرة في دفع القارة نحو مزيد من النمو والابتكار والقدرة على المنافسة في الساحة العالمية. لكن نجاحها، مهما بلغ شأن الأسماء التي تقف وراءها، سيتوقف أولاً على مدى فهم طبيعة المشكلة التي تحاول معالجتها: أوروبا لا تعاني نقصاً في الأفكار أو الدراسات أو الخطط، بل تعاني أزمة في تحويل هذه الأفكار إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ.

انطلقت «مجموعة الراين» في أغسطس (آب) 2026 كمبادرة خاصة تجمع نحو 55 شخصية بارزة من عالم الأعمال والمال والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. ويقودها، كرئيسين مشاركين، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي ورائد الأعمال الآيرلندي باتريك كوليسون، فيما يتولى الأكاديمي الإسباني لويس غاريكانو منصب المدير التنفيذي. والفكرة الأساسية وراء المجموعة واضحة: إنشاء نادٍ رفيع المستوى يستطيع التحرك بسرعة أكبر من المؤسسات الأوروبية التقليدية، والضغط على صانعي القرار لتحويل تشخيص أزمة القدرة التنافسية الأوروبية إلى سياسات ملموسة.

ماريو دراغي (أرشيفية - رويترز)

لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع مبادرة خاصة أن تفعل ما عجزت عنه المؤسسات العامة؟

أزمات متداخلة

تواجه أوروبا اليوم مجموعة من الأزمات المتداخلة، غير أن اثنتين منها تبدوان أكثر إلحاحاً: أزمة النمو والإنتاجية، وأزمة الأمن والسيادة الاستراتيجية. وقد جاء تقرير دراغي لعام 2024 ليضع إصبعه على الجرح، محذراً من اتساع الفجوة بين الاقتصاد الأوروبي من جهة، واقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين من جهة أخرى.

والواقع أن المشكلة الأوروبية لم تعد مجرد تباطؤ في النمو. فالقارة تواجه خطر فقدان قطاعات صناعية كاملة لمصلحة منافسين أكثر ديناميكية، فيما تتزايد الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. كما أن الصعود الاقتصادي للصين، وتوسع فائضها التجاري، يفرضان على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها داخل الاقتصاد العالمي.

والأخطر أن الثورة التكنولوجية نفسها أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القومي. فالسباق الأميركي - الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بمن سيطور أفضل النماذج، بل بمن سيمتلك التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية القادرة على تحديد قواعد اللعبة العالمية. وإذا بقيت أوروبا مستهلكاً للتكنولوجيا التي تنتجها الولايات المتحدة والصين، فإن الحديث عن «السيادة الرقمية» سيظل شعاراً أكثر منه استراتيجية.

وتضاف إلى ذلك أزمة الطاقة والمناخ. فالحرب والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة، إلى جانب موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة، جعلت التحول في مجال الطاقة قضية أمن اقتصادي واستراتيجي، لا مجرد سياسة بيئية. ولذلك بات على أوروبا أن تحقق معادلة شديدة الصعوبة: خفض الانبعاثات، وتأمين الطاقة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية لصناعاتها.

لكن هذه الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية لا يمكن فصلها عن السياسة.

تحرُّك بطيء

فالاتحاد الأوروبي يمتلك سوقاً ضخمة، وثقلاً تجارياً هائلاً، وقاعدة صناعية وعلمية متقدمة، لكنه غالباً ما يتحرك ببطء عندما يتعلق الأمر بالأزمات الاستراتيجية. وبينما تتصرف القوى الكبرى الأخرى وفق حسابات جيوسياسية واضحة، تجد أوروبا نفسها عالقة في آليات اتخاذ قرار معقدة، ومصالح وطنية متباينة، وخلافات بين دولها الأعضاء.

باتريك كوليسون (أرشيفية - رويترز)

وهنا تكمن المفارقة التي تواجه «مجموعة الراين»: فهي تريد تجاوز بطء المؤسسات السياسية، لكنها تحاول في النهاية التأثير في مؤسسات سياسية. ويمكن لمجموعة من أفضل الاقتصاديين ورجال الأعمال والتكنولوجيين في أوروبا أن تحدد بدقة ما ينبغي فعله، لكن تنفيذ هذه الوصفات يحتاج إلى إرادة سياسية.

وهذه ليست مشكلة جديدة.

فعلى مدى سنوات، استخدمت أوروبا كلمة «الأزمة» لوصف وضعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. أزمة الديون، أزمة الهجرة، أزمة الطاقة، أزمة الديمقراطية، أزمة النمو، ثم الأزمة الأمنية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع كل أزمة جديدة، كانت تظهر خطط وتقارير ومبادرات جديدة، لكن الفجوة بين التشخيص والتنفيذ ظلت قائمة.

حتى أزمة الهجرة كشفت محدودية القدرة الأوروبية على التحرك الجماعي، في حين أظهرت التحولات الديموغرافية مشكلة أكثر عمقاً. فأوروبا تتقدم في السن، ومعدلات الخصوبة المنخفضة تهدد بتقليص حجم القوة العاملة ورفع العبء على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي في المستقبل لن يعتمد فقط على التكنولوجيا والاستثمار، بل أيضاً على قدرة أوروبا على إدارة الهجرة وجذب المواهب وتعويض النقص الديموغرافي.

حدود القوة

أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن الحرب في أوكرانيا كشفت حدود القوة الأوروبية بقدر ما كشفت أهمية الاتحاد الأوروبي. ولم يعد كافياً أن تكون أوروبا قوة اقتصادية وتنظيمية؛ المطلوب أن تتحول أيضاً إلى قوة قادرة على حماية مصالحها، وتأمين طاقتها، والدفاع عن حدودها، واستخدام وزنها التجاري والسياسي لتحقيق أهداف استراتيجية.

من هنا تأتي أهمية «مجموعة الراين». فالقيمة المحتملة للمبادرة لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيها، بل في قدرتها على كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها أوروبا منذ سنوات: تشخيص المشكلة، إصدار تقرير، تنظيم مؤتمر، ثم العودة إلى نقطة البداية الإشكالية.

فإذا امتلكت المجموعة وسائل الضغط اللازمة على أصحاب القرار ونجحت في تحويل خبرة النخبة الاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية إلى ضغط سياسي منظم، قد تصبح قوة دفع حقيقية. أما إذا اكتفت بإنتاج تقرير آخر عن القدرة التنافسية الأوروبية، فستكون مجرد إضافة جديدة إلى مكتبة أوروبية مكتظة بالنظريات والتشخيصات.

مقر الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المجموعة ستعقد جلساتها الافتتاحية من 20 سبتمبر (أيلول) إلى 23 منه في جنيف. وبالتالي سينظر المراقبون باهتمام إلى المداولات وما سيخرج به المشاركون.

في النهاية، لا ينقص أوروبا الخبراء ولا المال ولا المؤسسات ولا الأفكار. ما ينقصها هو القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتحمل كلفته، وتنفيذه على مستوى القارة كلها.

وهذه، في جوهرها، ليست مشكلة اقتصادية... إنها مشكلة سياسية.