اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.
كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».
السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».
ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

امرأة وحيدة
وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.
تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.
وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.
ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.
تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح
فيلمان عن الإعلام
كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.
كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.
فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.
لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.
كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».
افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.




