«إي دبليو بارتنرز»: السعودية تنتقل من سوق استهلاكية إلى مركز أعمال

المؤسسة والشريكة الإدارية لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تتحول إلى قاعدة إقليمية للشركات الآسيوية

محطة مترو مركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض إحدى أبرز معالم شبكة النقل العام في العاصمة السعودية (تصوير: هافتون + كرو)
محطة مترو مركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض إحدى أبرز معالم شبكة النقل العام في العاصمة السعودية (تصوير: هافتون + كرو)
TT

«إي دبليو بارتنرز»: السعودية تنتقل من سوق استهلاكية إلى مركز أعمال

محطة مترو مركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض إحدى أبرز معالم شبكة النقل العام في العاصمة السعودية (تصوير: هافتون + كرو)
محطة مترو مركز الملك عبد الله المالي «كافد» في الرياض إحدى أبرز معالم شبكة النقل العام في العاصمة السعودية (تصوير: هافتون + كرو)

تحوَّلت السعودية خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة رئيسية للشركات العالمية الراغبة في التوسع وبناء أعمالها الإقليمية، مستفيدة من برامج «رؤية 2030» التي أعادت تشكيل البيئة الاستثمارية وفتحت المجال أمام قطاعات جديدة للنمو. وفي وقت تتسارع فيه العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وآسيا، تبرز فرص متزايدة لتأسيس شركات ومنصات تشغيل مشتركة تتجاوز التجارة والاستثمار التقليدي نحو نقل التقنية وتطوير الصناعات وسلاسل الإمداد، وفق رؤية جيسيكا وونغ، المؤسسة والشريكة الإدارية لشركة «إي دبليو بارتنرز» الاستثمارية.

وقالت وونغ إن الفروقات بين منظومتي الابتكار في آسيا والشرق الأوسط لا تمثل عائقاً، بل تخلق فرصاً واسعة للتكامل، مشيرة إلى أن آسيا تمتلك خبرات عميقة في الهندسة والتصنيع وسلاسل الإمداد، بينما يتميز الشرق الأوسط، وخصوصاً السعودية، بقاعدة سكانية شابة واستعداد مرتفع لتبني التقنيات الجديدة والاستثمار فيها.

وأضافت أن الشركات والمستهلكين في المنطقة يظهرون انفتاحاً كبيراً على التقنيات الحديثة، وهو ما يخلق بيئة طلب قوية تدعم الابتكار، إلى جانب الاستثمارات الحكومية الضخمة في البنية التحتية والقطاعات الجديدة ضمن استراتيجيات التنمية طويلة المدى.

وقالت: «أقوى فرص التعاون لا تأتي من مجرد نقل منتج آسيوي إلى الشرق الأوسط، بل من دمج القدرات التقنية والتشغيلية الآسيوية مع رأس المال والبنية التحتية والمواهب المحلية والأولويات الاستراتيجية في المنطقة لبناء نماذج أعمال جديدة تناسب الأسواق المحلية».

جيسيكا وونغ المؤسسة والشريك الإداري لشركة «إي دبليو بارتنرز» الاستثمارية (الشركة)

التوسع الدولي يحتاج أكثر من النجاح المحلي

وأوضحت وونغ أن النجاح في السوق المحلية لا يعني بالضرورة القدرة على النجاح دولياً، مشيرة إلى أن الشركة تركز على ثلاثة عناصر رئيسية عند تقييم فرص التوسع، تشمل وجود نموذج أعمال مثبت وقابل للتوسع، والتزام الإدارة العليا بالسوق الجديدة، وامتلاك الشركة سبباً حقيقياً لدخول السوق عبر معالجة احتياج اقتصادي محلي واضح.

وأضافت أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في النظر إلى دول الخليج باعتبارها وجهة مبيعات فقط، مؤكدة أن المنطقة أصبحت اليوم مكاناً يمكن بناء الأعمال فيه، وليس مجرد سوق لتصريف المنتجات.

واستشهدت بتجربة شركة «جيه آند تي إكسبريس» في السعودية، موضحة أن نجاح المشروع لم يكن نتيجة دخول شركة آسيوية إلى سوق جديدة فحسب، بل جاء من تأسيس منصة تشغيل محلية وشراكة مشتركة استجابت لاحتياجات قطاع التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية في المملكة.

رأس المال الخاص يربط التقنية بالسوق

وفيما يتعلق بدور رأس المال الخاص في دعم الابتكار العابر للحدود، قالت وونغ إن رأس المال الاستراتيجي والسيادي يسهم في رسم التوجهات طويلة المدى وبناء البنية التحتية، بينما يركز رأس المال الخاص على ضمان تحويل التقنيات إلى أعمال تجارية مستدامة.

وأضافت: «نسأل دائماً أسئلة عملية؛ هل تحل التقنية مشكلة حقيقية؟ وهل سيدفع العملاء مقابلها؟ وهل يمكن للشركة المنافسة والنمو بكفاءة؟».

وأكدت أن نجاح الابتكار لا يتحقق بمجرد تطوير التقنية، بل عبر قدرتها على الانتقال من المختبرات والأفكار إلى تطبيقات عملية تحقق قيمة اقتصادية ومجتمعية.

وأشارت إلى تجربة منصة «سهم كابيتال»، موضحة أن دخول الشركة إلى السوق السعودية لم يقتصر على توفير التمويل، بل شمل تطوير التراخيص والمنتجات والفريق المحلي بما يتناسب مع احتياجات المستثمرين السعوديين، مما ساعدها على التحول إلى واحدة من أسرع منصات الوساطة الرقمية نمواً في المملكة.

«رؤية 2030» غيَّرت نظرة المستثمرين

وأكدت وونغ أن أبرز التغيرات التي أحدثتها «رؤية السعودية 2030» تتمثل في تحول نظرة الشركات العالمية إلى المملكة من كونها سوقاً للبيع فقط إلى منصة لبناء الأعمال وإدارة العمليات الإقليمية.

وقالت: «الشركات أصبحت تدرس ما إذا كانت السعودية يمكن أن تكون مقراً إقليمياً أو قاعدة صناعية أو مركزاً للتقنية يخدم أسواق الشرق الأوسط وخارجها».

وأضافت أن الرؤية منحت المستثمرين وضوحاً أكبر بشأن القطاعات التي تستهدف المملكة تطويرها، مثل التقنية والخدمات المالية والتصنيع المتقدم والرعاية الصحية والسياحة والخدمات اللوجستية، وهو ما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.

وأوضحت أن توقعات المملكة من المستثمرين ارتفعت أيضاً، حيث لم يعد المطلوب تقديم رأس المال أو المنتجات فقط، بل الإسهام في نقل التقنية، وتطوير سلاسل الإمداد، والتصنيع المحلي، وتدريب الكفاءات الوطنية.

مبنى «إي دبليو بارتنرز» (الشركة)

مرحلة البناء المشترك

وحول مستقبل العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين آسيا والشرق الأوسط، قالت وونغ إن العلاقة تمر حالياً بمرحلة ثالثة بعد مرحلتي التجارة والاستثمار.

وأضافت: «المرحلة المقبلة ستكون مرحلة البناء المشترك، حيث سنشهد تأسيس شركات وتقنيات وسلاسل إمداد وحقوق ملكية فكرية مشتركة بين المنطقتين».

وأشارت إلى أن الشركات الآسيوية تتجه بشكل متزايد لإنشاء قواعد صناعية ومراكز أبحاث ومنصات تشغيل إقليمية في الشرق الأوسط، بينما يصبح المستثمرون الخليجيون شركاء أكثر فاعلية في التوسع الدولي لهذه الشركات.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتصنيع المتقدم والتحول في الطاقة والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والأمن الغذائي والخدمات المالية ستكون من أبرز القطاعات المستفيدة من هذه المرحلة.

واختتمت بقولها: «لن يُقاس النجاح مستقبلاً بحجم الأموال المتدفقة بين المنطقتين، بل بما تخلقه هذه الأموال من شركات وصناعات ووظائف ونقل للتقنية وأعمال قادرة على المنافسة عالمياً».


مقالات ذات صلة

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

الاقتصاد مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي عن اتفاق لتطوير احتياطيات البلاد النفطية

الاقتصاد ظل رجل على شاشة أسهم متراجعة (رويترز)

الأسواق الخليجية تتراجع بعد تبادل ضربات بين الولايات المتحدة وإيران

تراجعت أسواق الأسهم الخليجية في مستهل تداولات الأربعاء، بعد تبادل الولايات المتحدة وإيران ضربات عسكرية خلال الليل؛ ما أضعف آمال المستثمرين في تهدئة سريعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تستقر قرب أدنى مستوى في شهر

استقرت الأسهم الأوروبية قرب أدنى مستوى لها في شهر، الأربعاء، متأثرة بالارتفاع الحاد في عوائد السندات، في وقت أثارت التوترات بالشرق الأوسط مخاوف بشأن التضخم

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يمر أحد الزوار بجوار لافتة «سيميكون تايوان» خلال اليوم الأول من المعرض في تايبيه (أ.ف.ب)

تايوان تضخ 20 مليار دولار إضافية في أميركا بدعم من الذكاء الاصطناعي

تعتزم شركات تايوانية استثمار 20 مليار دولار إضافية في الولايات المتحدة، مدفوعة بالطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
الاقتصاد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)

رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وصل وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى كراكاس، في زيارة تستهدف دفع الاستثمارات الأميركية في قطاع النفط الفنزويلي.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس - واشنطن)

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا، بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن اتفاق طموح لتطوير احتياطيات البلاد النفطية، ومنح وزارة الدفاع الأميركية حصة من الأرباح.

وقالت «شيفرون» إنها حصلت على مساحات إضافية في حزام أورينوكو النفطي، حيث تتمتع الشركة بوجود راسخ، مشيرة إلى أن خطط المشروعات المشتركة تتضمن استثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتستهدف الشركة، بموجب خطط التوسع الجديدة، أكثر من مضاعفة إنتاجها النفطي إلى نحو 600 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات الإنتاج في 2026.

ويأتي الإعلان بعد يوم من تأكيد مسؤول أميركي أن مسؤولين في «شيفرون» ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت سيزورون فنزويلا الأربعاء، للكشف رسمياً عن الاستثمارات الجديدة.

وتُعد «شيفرون» ثاني أكبر شركة نفط أميركية، والشركة الأميركية الوحيدة التي تتمتع بوجود كبير في فنزويلا، حيث تعمل في البلاد منذ عام 1923.

وتدير مشروعات «شيفرون» المشتركة، عبر شركتي «بتروإنديبندنسيا» و«بتروبيار»، عمليات لإنتاج النفط الثقيل للغاية في حزام أورينوكو، بينما تعمل شركة «بتروبوستان» في ولاية زوليا غرب فنزويلا.


سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
TT

سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)

ارتفع سعر الغاز الأوروبي، الأربعاء، إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2023، مدفوعاً باستئناف إيران والولايات المتحدة الضربات هذا الأسبوع؛ ما يعقّد عملية ملء المخزونات قبل فصل الشتاء.

وقرابة الساعة 08,35 بتوقيت غرينتش، كانت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي، المرجعي في أوروبا، تسجّل 73.85 يورو للميغاواط/ساعة، بعدما بلغت 75.33 يورو، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023.

وتُعدّ احتياطيات الغاز الأوروبية منخفضة بالنسبة لهذه الفترة من العام؛ ما يعني أن الحاجة كبيرة إلى التزوّد بهذه المادة قبل الشتاء.

وتنافس أوروبا آسيا على بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهي تستعد لحظر استيراده من روسيا بالكامل ابتداءً من يناير 2027.

وأوضح جوناثان شروير، المحلل لدى «يوني كريديت»، أن «الصيف الحار بشكل استثنائي في أوروبا وفي الدول الآسيوية الرئيسية المستوردة للغاز، أدى إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال لتغذية أنظمة التكييف». وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

بدوره، رأى آرنه لوهمان راسموسن، المحلل لدى «غلوبال ريسك مانجمنت»، أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط «يجعل من الصعب أكثر فأكثر الركون إلى فرضية عودة تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى طبيعتها سريعاً»؛ وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد.

وشنت إيران الأربعاء هجمات على قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بعد انتهاء جولة من الضربات الأميركية ضدها، في توسيع لدائرة التصعيد مع تعثر الجهود الدبلوماسية للخروج من الحرب التي دخلت شهرها السابع.

وتبقى حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، أدنى بكثير من مستوياتها المعتادة.

ورأى شروير أن «إمدادات النفط أفضل قليلاً؛ إذ تمكّنت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من التصدير عبر خطوط أنابيب بديلة» تُربَط تباعاً بخليج عُمان والبحر الأحمر.

لكن الأمر مختلف بعض الشيء بالنسبة للغاز الطبيعي المسال الذي تُعدّ قطر أبرز منتجيه في الخليج، وهي لا تحظى بأي مسار بديل للتصدير؛ ما يفسّر سبب ارتفاع سعر الغاز أكثر من النفط منذ بداية الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في فبراير (شباط).


«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

دخلت الأسواق اليابانية جلسة الأربعاء تحت ضغط مزدوج من ارتفاع عوائد السندات وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، مع ازدياد الرهانات على أن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة، في وقت دفعت فيه جولة جديدة من الضربات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط إلى الارتفاع، وأعادت مخاوف التضخم العالمي إلى الواجهة.

وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3 في المائة في بداية التعاملات، قبل أن يصل إلى 3.015 في المائة لاحقاً، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 1996. كما قفز عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى مستوى قياسي عند 2.275 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى 1.86 في المائة، وهو الأعلى منذ أبريل (نيسان) 1995.

وتعكس هذه التحركات تغيراً سريعاً في توقعات السياسة النقدية اليابانية. فالأسواق تتوقع بصورة شبه مؤكدة أن يرفع «بنك اليابان» سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماعه هذا الشهر، لكن بعض المستثمرين بدأوا يضعون في الحسبان احتمال أن تكون الزيادة أكبر أو أن تتبعها خطوات متسارعة في الاجتماعات اللاحقة.

وقال تاكاشي فوجيوارا، كبير مديري الصناديق في «ريسونا لإدارة الأصول»، إن عائد السندات لأجل 10 سنوات مرشح لمزيد من الصعود مع زيادة توقعات رفع الفائدة بوتيرة أسرع. وأضاف أن رفع «بنك اليابان» الفائدة 25 نقطة أساس قد لا يكون كافياً لدعم الين إذا أقدم «الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» أيضاً على رفع الفائدة في سبتمبر الحالي، وهو ما يُبقي الفجوة بين العوائد اليابانية والأميركية عاملاً رئيسياً في حركة العملة.

ويترقب المستثمرون كذلك تصريحات هاجيمي تاكاتا، عضو «مجلس بنك اليابان»، المعروف بمواقفه المتشددة، بعدما كان قد عارض في يوليو (تموز) الماضي قرار تثبيت الفائدة، ودعا لرفعها إلى 1.25 في المائة. ومع تسارع التضخم وضعف الين، لا يستبعد بعض المتعاملين أن يطالب تاكاتا بتحرك أكبر.

وقال فوجيوارا إن السوق تستعد حتى لاحتمال دعوة تاكاتا إلى زيادة بمقدار 50 نقطة أساس، وهو سيناريو من شأنه أن يرفع عوائد الآجال القصيرة بصورة إضافية ويضغط على أسعار السندات. ولا ترتبط الضغوط فقط بالسياسة النقدية؛ فالحكومة اليابانية تواجه أيضاً احتياجات تمويل متصاعدة، مع وصول طلبات الوزارات والهيئات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 إلى نحو 143 تريليون ين، أي نحو 893 مليار دولار. وتشير التوقعات إلى أن وزارة المالية قد تزيد مبيعات السندات لأجل عامين و5 سنوات لتمويل الإنفاق؛ مما يزيد المعروض ويضع ضغوطاً صعودية إضافية على العوائد.

وفي الوقت نفسه، انضمت السوق اليابانية إلى موجة بيع عالمية في السندات، بعدما ارتفعت عوائد الخزانة الأميركية عقب تجدد الضربات في الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط، بما يعزز المخاوف من استمرار التضخم ويدفع المستثمرين إلى توقع سياسة نقدية أكبر تشدداً في الاقتصادات الكبرى.

وانعكست هذه البيئة مباشرة على الأسهم اليابانية. فقد هبط مؤشر «نيكي» 2.85 في المائة إلى 64325.64 نقطة، بينما تراجع مؤشر «توبكس» 2.4 في المائة إلى 4081.6 نقطة، منهياً سلسلة مكاسب استمرت 9 جلسات. وقال دايسوكي هاشيزومي، كبير الاستراتيجيين في «دايوا للأوراق المالية»، إن السوق تعرضت لعمليات بيع واسعة مع استعداد المستثمرين لتأثير ارتفاع أسعار النفط. وكانت أسهم التكنولوجيا من أبرز الخاسرين؛ إذ تراجع سهم «سوفت بنك غروب» 6.42 في المائة، وانخفضت «طوكيو إلكترون» 3.4 في المائة، و«أدفانتست» 2.52 في المائة.

وتتأثر أسهم النمو والتكنولوجيا عادة بارتفاع العوائد؛ لأن زيادة معدل الخصم تقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، مما يجعل التقييمات المرتفعة أصعب في بيئة نقدية متشددة. لكن اللافت أن الضغط امتد أيضاً إلى قطاعات يُفترض أنها تستفيد عادة من ارتفاع الفائدة. فقد تراجعت أسهم «ميتسوبيشي يو إف جيه» و«سوميتومو ميتسوي» رغم أن البنوك غالباً ما تستفيد من اتساع هوامش الفائدة، مما يعكس حجم القلق العام في السوق. كما هبطت «تويوتا» 3.39 في المائة و«هوندا» 2.37 في المائة، في جلسة انخفضت فيها 210 أسهم من أصل 225 مكوناً لمؤشر «نيكي».

وتكشف تحركات الأربعاء أن السوق اليابانية تواجه مرحلة إعادة تسعير واسعة، لا تتعلق فقط بقرار فائدة واحد، بل بمسار كامل من التشديد النقدي وارتفاع تكاليف التمويل وزيادة إصدار الديون الحكومية. وإذا استمرت عوائد السندات فوق 3 في المائة، فقد يتحول هذا المستوى من حاجز نفسي إلى مرجع جديد لتسعير الرهون العقارية وتمويل الشركات ومخاطر الأسهم. كما سيزيد الضغط على الحكومة في وقت تحاول فيه تمويل موازنة متضخمة من دون فقدان ثقة سوق السندات. ولهذا؛ فإن المستثمرين يراقبون الآن 3 مؤشرات مترابطة: مدى تشدد «بنك اليابان»، وقدرة الحكومة على امتصاص تكاليف الدين الأعلى، واستمرار ارتفاع النفط الذي قد يُبقي التضخم مرتفعاً. وأي تشدد إضافي في واحد من هذه المحاور قد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى ويُبقي الأسهم، خصوصاً التكنولوجيا، تحت الضغط.