عكست نتائج اجتماعات قمة منظمة «شنغهاي للتعاون» التي انعقدت في عاصمة قرغيزستان بيشكيك، أولويات الأطراف المشاركة. وركزت القمة في إعلان ختامي على التحديات التي تواجهها بلدان المنظمة، وأكدت رفض الإملاءات الخارجية والهيمنة الأحادية لكنها تجاهلت الإشارة إلى الصراع حول أوكرانيا. وركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على القضايا المشتركة وخصوصاً التعاون الاقتصادي والتضامن في مواجهة الضغوط الغربية، وشن هجوماً لاذعاً على الأمم المتحدة، مذكراً العالم بحقبة وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو الذي اشتهر بلقب «السيد لا»، فيما حملت لهجة الرئيس الصيني شي جينبينغ انفتاحاً على التعاون لتسوية الأزمات الإقليمية والدولية، وتحدث خلال القمة عن ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للأزمة في أوكرانيا».

ومع إشاراته المتكررة للسياسة الدولية وحرصه على تكرار مواقف بلاده عكس حديث بوتين تركيزاً واضحاً على ملفات التعاون داخل المنظمة التي تربطها بروسيا اتفاقات تجارية واقتصادية مهمة ساعدت موسكو في تجاوز الكثير من المصاعب التي سببتها الضغوط والقيود الغربية.
وأشار بوتين إلى أن نسبة التسويات التجارية والتعاملات بين روسيا وشركائها في منظمة «شنغهاي للتعاون» بالعملات الوطنية تجاوزت 98 في المائة، وسجلت أكثر من 400 مليار دولار.

وقال الرئيس الروسي إن منظمة شنغهاي للتعاون قطعت على مدى 25 عاماً مساراً طويلاً، وتحولت إلى مركز مؤثر في عالم متعدد الأقطاب، ورأى أنها باتت تعد أكبر تجمع إقليمي في العالم، حيث يعيش فيها نصف سكان العالم. وأشاد بالتعاون النشط بين دول المنظمة في مختلف المجالات، بما يحقق مصلحة الدول الأعضاء في المنظمة.

وأكد أن تعزيز التبادل التجاري بين دول المنظمة يعد من المهام الرئيسية المطروحة حالياً. داعياً بلدان المنظمة إلى مواصلة التنسيق والعمل المشترك في مجال الطاقة.
كما شدد على أهمية أن تبذل المنظمة «قصارى جهدها لاستبعاد أي استفزاز للصراعات المسلحة من الممارسة العالمية».
«السيد لا»
وأشار بوتين في معرض حديثه عن أداء منظمة الأمم المتحدة إلى أن موسكو ليست راضية تماماً عن بعض جوانب عمل هذه المنظمة الدولية، وأن هذا التذمر «لم يكن وليد اليوم، بل رافق عمل الأمم المتحدة منذ عقود».

وقال: «ليس من قبيل الصدفة، وهنا يعرف زملائي في بلدان رابطة الدول المستقلة ذلك ربما أفضل من غيرهم، أن وزير خارجية الاتحاد السوفياتي أندريه غروميكو كان كثيراً ما يلقب بـ(السيد لا)، لما عُرف عنه من تمسكه بحق النقض في القضايا المصيرية».
وأوضح بوتين أن غروميكو لم يكن يستخدم حق النقض دفاعاً عن مصالح موسكو فحسب، بل كان حامياً لمصالح عدد كبير من الدول الأفريقية وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، التي كانت تخوض معارك تحررية ضد الاستعمار، وهو ما جعل من غروميكو صوتاً دولياً قوياً في المحافل الكبرى.
وكان غروميكو أول مندوب دائم لموسكو لدى الأمم المتحدة منذ عام 1946 وعين في 1957 وزيراً للخارجية، وهو المنصب الذي ظل فيه حتى 1985، ليصبح على مدى هذه السنوات رمزاً للسياسة الخارجية الروسية وصاحب مدرسة دبلوماسية متشددة حيال الغرب.

بكين وجذور الأزمة الأوكرانية
وفي مداخلة الرئيس الصيني شي جينبينغ أعلن أن بلاده مستعدة لتعزيز التعاون والتنسيق مع جميع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون لحل الأزمات المستعصية المطروحة على الأجندة الدولية وبينها الأزمة الأوكرانية.
وأعرب عن رغبة في تنسيق المواقف مع دول المنظمة بشأن أوكرانيا وغيرها، ومعالجة أسبابها الجذرية لتسويتها سياسياً. وقال خلال الاجتماع وفقاً لما نقله التلفزيون المركزي الصيني: «بالحديث عن بؤر التوتر الدولية والإقليمية، مثل أوكرانيا والشرق الأوسط وأفغانستان، فإن الصين مستعدة لتعزيز التعاون والتنسيق مع جميع الأطراف». وأكد أن بلاده مستعدة لـ«الالتزام بمبدأ المعالجة المتزامنة لأعراض المشكلات وأسبابها الجذرية، والمساهمة في تسويتها سياسياً».
لاهور عاصمة للثقافة
وقد اختتمت قمة منظمة شنغهاي للتعاون أعمالها الثلاثاء بإصدار «إعلان بيشكيك» الذي حمل حزمة من المواقف السياسية والمشاريع الاقتصادية، وأكد رفض التدخلات الأحادية بالشؤون الدولية.
ووقع قادة دول المنظمة على 28 وثيقة تشمل بالإضافة إلى إعلان بيشكيك لائحة اللجنة التنفيذية لمركز مكافحة المخدرات التابع للمنظمة؛ وإعلان لاهور عاصمة للسياحة والثقافة لمنظمة شنغهاي للتعاون في الفترة 2026 - 2027؛ وإعلان مجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون بشأن تعزيز الشراكة متعددة الأطراف من أجل السلامة والأمن النوويين، بالإضافة إلى عدد من الوثائق الأخرى.

وحملت هذه القمة تسمية «شنغهاي بلوس» بسبب دعوة بلدان ليست عضوة فيها للحضور. وشارك فيها ممثلون عن 17 دولة وست منظمات دولية، بينهم مع الرئيسين الروسي والصيني رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
رفض الهيمنة الأحادية
وشدد الإعلان الختامي الصادر عن اللقاء على رفض الهيمنة الأحادية وتمسك بمبادئ السيادة وتضمن دعوة لإصلاح مالي دولي. وأكد أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون في الإعلان أهمية الحوار مع الأمم المتحدة وهيئاتها لتحقيق السلام.
وبرز تضامن بين الدول الأعضاء في ملفات تتعلق بالسيادة والأمن الداخلي لكل دولة، ونص أحد البنود على أن «تقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية غير المرخصة في أراضي الدول الأعضاء يعد انتهاكاً لسيادتها».
وأعربت دول المنظمة شنغهاي عن استعداد لتطوير شراكات متبادلة المنفعة في مجال الصناعة. كما تحدث الإعلان عن تطوير البنية التحتية للتجارة الإلكترونية عبر الحدود. وأكدت على «الدور الريادي للدول ذات السيادة وسلطاتها المختصة في مكافحة الإرهاب والتطرف».
في الملفات الدولية رأى الإعلان أن «الوضع الدولي لا يزال صعباً بسبب النزاعات والتحديات المختلفة». ولاحظت دول المنظمة أن تعزيز أنظمة الحماية العالمية من قبل دول أو تكتلات منفردة يؤثر سلباً على الأمن الدولي. وشددت على أنه لا يجوز للدول أن تضمن أمنها على حساب أمن الآخرين.
ودعت إلى توسيع التعاون المتبادل المنفعة في مجال الطاقة. كما أكدت التمسك بترسيخ نتائج الحرب العالمية الثانية ومواصلة التصدي لتزييف التاريخ. وحملت هذه الفقرة إشارة غير مباشرة لمصالح روسيا في نزاعها مع اليابان على جزر الكوريل ومصالح الصين تجاه تايوان والوضع في شرق أوسيا والمحيط الهادي. وأكدت الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون على ضرورة إبرام وثيقة دولية تضمن منع سباق التسلح في الفضاء. ودعا الإعلان المشترك إلى دعم إصلاح الهيكل المالي الدولي بما في ذلك تعزيز دور الدول النامية في صندوق النقد الدولي. كما دعت دول المنظمة إلى الامتثال لاتفاقية حظر تطوير واستخدام الأسلحة الكيميائية.

غياب الصراع حول أوكرانيا
وتضمن البيان فقرة عن الاستعداد لدعم الجهود الرامية إلى ضمان السلام والاستقرار والتنمية في أفغانستان. وإشارة إلى أن التسوية العادلة للقضية الفلسطينية هي السبيل الوحيد لضمان السلام في الشرق الأوسط. لكن كان ملاحظاً غياب الإشارة إلى الصراع حول أوكرانيا في الإعلان الختامي للمنظمة.
ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية توجيه ضربة واسعة لقطاع الطاقة واللوجستيات في مقاطعتي كييف وأوديسا في أوكرانيا، طالت مواقع تجميع المسيرات ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء والموانئ. ووفقاً للبيان العسكري فقد طالت الضربات المركزة موقع «أيرو بافونا» في كييف لتصنيع المناطيد المستخدمة في إسقاط المسيرات متوسطة وبعيدة المدى، بما فيها من طراز «خورنت» ومركزاً لتجميع وتجهيز وتخزين القوارب المسيرة في بلدة خوتوف بمقاطعة كييف، ومحطة للطاقة الحرارية و3 محطات فرعية للكهرباء في أوديسا وضواحيها، كانت تؤمن تشغيل البنية التحتية للموانئ. فضلاً عن مواقع لتجميع الطائرات المسيرة.
وأشير في البيان إلى أن موانئ أوديسا وتشورنومورسك على البحر الأسود استخدمت لتسلم وتخزين الشحنات العسكرية والمحروقات للقوات الأوكرانية.
وفي بيان منفصل، أعلنت الوزارة عن إسقاط 516 مسيرة أوكرانية الليلة الماضية في مقاطعات جنوب غربي البلاد.








