مَن يملك الساحل؟... إيطاليا تُعيد النظر في امتيازات تأجير شواطئها

آلاف المنشآت الساحلية التي يديرها القطاع الخاص تتولى تأجير المقاعد والمظلات

لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
TT

مَن يملك الساحل؟... إيطاليا تُعيد النظر في امتيازات تأجير شواطئها

لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)
لقطة للمنازل والقوارب الملونة في ميناء «مارينا كوريتشيلا» بجزيرة بروسيدا في إيطاليا (شاترستوك)

يُعدّ أغسطس (آب) -كما جرت العادة- شهر العطلات المقدّس لدى الإيطاليين. وعادةً ما تكون شواطئ أوستيا، التابعة لبلدية روما، مكتظة في هذا الوقت من العام بالمصطافين؛ فتتلاصق الأجساد، وتتراص المقاعد الشاطئية، وتتجاور المظلات. هكذا تكون الحال كل عام عندما تشتد أشعة الشمس لأسابيع متواصلة. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث هذا العام؛ إذ عملت جرافات الهدم في «شيلينغ» (من أشهر المنشآت الشاطئية في أوستيا) وجرى هدم أكشاك دورات المياه. وباستثناء عمال الهدم، لم يكن هناك أي شخص على الشاطئ، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتُعد «شيلينغ» مثالاً جيداً على التحول في طريقة التعامل مع الشواطئ في إيطاليا. فعلى امتداد الساحل الإيطالي على البحر المتوسط، البالغ طوله 7500 كيلومتر، توجد آلاف المنشآت الشاطئية التي يديرها القطاع الخاص، وتتولى تأجير المقاعد والمظلات، وهو نهج متبع في إيطاليا منذ عقود. لكن السلطات في أوستيا وأماكن أخرى بدأت الآن التصدي لفرض رسوم مقابل السماح للناس بالوصول إلى البحر. ويرتبط ذلك بتوجيه أوروبي صدر قبل 20 عاماً، ومن المقرر أخيراً تطبيقه. غير أن الأمر لا يتعلق بذلك وحده؛ فالوصول إلى الشاطئ مجاني في إيطاليا أيضاً، من حيث المبدأ.

يذكر أنه يوجد رسمياً في إيطاليا أكثر من 7300 منشأة شاطئية، إلا أن العدد الفعلي على الأرجح يزيد على ذلك ببضعة آلاف. وتتولى إدارة هذه المنشآت في الغالب شركات عائلية. كما تشارك المافيا في إدارة بعض الأماكن. وقد جمع كثيرون ثروات من تأجير المقاعد الشاطئية والمظلات. ويبلغ متوسط إيجار مقعدين ومظلة في الموسم الحالي نحو 40 يورو يومياً. وقد تكون التكلفة أعلى بكثير في بعض المناطق مثل توسكانا.

ومع ذلك، فإن الساحل في إيطاليا -شأنه شأن السواحل في أماكن أخرى من أوروبا- ملك للدولة أيضاً من حيث المبدأ. وبموجب القانون، يفترض أن يكون الوصول إلى الشاطئ في أي مكان متاحاً للجميع مجاناً، لكن أكثر من نصف الشواطئ مؤجر للقطاع الخاص، وغالباً بطرق غير رسمية، وفي كثير من الأحيان بأسعار زهيدة للغاية. ويبلغ متوسط تكلفة الحصول على امتياز للتأجير 8200 يورو سنوياً. أما متوسط الإيرادات -وفقاً لحسابات مركز السياسة الأوروبية «سي إي بي»- فيبلغ 260 ألف يورو، وتذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير.

أسوار وجدران تحجب الوصول إلى البحر

وتسببت رسوم استئجار المقاعد الشاطئية مراراً في استياء السياح القادمين من الخارج. أما الإيطاليون، فقد اعتادوا عليها على مدار عقود، لكن الأمر أصبح مبالغاً فيه بالنسبة إلى بعضهم أيضاً. وتقول إيزابيلا بيدرلي، وهي من سكان روما وجاءت إلى أوستيا برفقة طفليها: «الأسرة العادية لم تعد قادرة على تحمّل تكاليف ذلك على الإطلاق».

وفي نابولي، احتل نشطاء مؤخراً مناطق يُفرض على مرتاديها رسوم، مستخدمين مناشفهم ومظلاتهم. كما تثير الأسوار والجدران المرتفعة، التي تحول في كثير من الأماكن دون الوصول إلى البحر، استياءً متزايداً.

ولا يكاد المرء يرى شيئاً من البحر على امتداد كيلومترات في أوستيا. ومن المنتظر أن يتغير الوضع الآن؛ حيث بدأت بلدية روما، التي لا تزال أوستيا تتبع لها، منذ فترة اتخاذ إجراءات صارمة ضد المباني غير القانونية والممارسات المخالفة. وصودرت منشأة «شيلينغ» بسبب مخالفات بناء واتهامات أخرى موجهة إلى مشغلها. كما تعرضت المنشأة لأضرار بالغة خلال الشتاء بسبب العواصف، حتى باتت مهددة بالتحول إلى أنقاض.

السلطات تتحرك أيضاً في أماكن أخرى بإيطاليا

ويجري الآن هدم «شيلينغ»، وكذلك «سبورتينغ بيتش» المجاورة. ويريد رئيس بلدية روما الاشتراكي الديمقراطي، روبرتو جوالتيري، إنشاء «Spiaggia Libera»، أي «شاطئ حر»، في الموقع. كما سحبت المدينة امتياز منشأة «فيليغ» الأخرى في إطار تحقيقات مرتبطة بالمافيا، ومنحته إلى مؤسسة تعاونية.

والهدف من تلك الإجراءات هو زيادة طول الشاطئ المجاني من 1.2 كيلومتر فقط حالياً، من إجمالي 11.3 كيلومتر، إلى 6.5 كيلومتر، وبدلاً من 70 منشأة شاطئية، من المقرر ألا يتجاوز عددها في أوستيا 35 مستقبلاً.

وفي أماكن أخرى أيضاً، مثل الريفييرا الإيطالية في ليجوريا أو بوليا في الجنوب، بدأ رؤساء البلديات إعادة الشواطئ لتصبح مجانية. ويرتبط ذلك أيضاً بتوجيه أوروبي صدر عام 2006. وبموجب هذا التوجيه، يجب طرح الامتيازات الحكومية الخاصة بقطاعات الشواطئ في مناقصات جديدة بصورة دورية، لأنها تتعلق بأراضٍ عامة.

التوجيه الأوروبي بصدد التطبيق أخيراً

وأرجأت حكومات متعاقبة في روما مراراً تطبيق التوجيه الأوروبي. ومن المقرر الآن أن يبدأ تطبيقه في عام 2027، ويأمل كثيرون أن تؤدي زيادة المنافسة إلى انخفاض الأسعار، لكن ذلك ليس مؤكداً.

وتحظى إعادة تنظيم الشواطئ وتحويل أجزاء منها إلى مناطق مجانية بإشادة مبادرات مدنية، مثل جمعية «ماري ليبيرو» (بحر حر). ويقول ممثل الجمعية في روما، دانييلي روجيري: «علينا أن نوضح أن الشاطئ والبحر والهواء منافع عامة، وليست أشياء يمكن ببساطة بيعها أو التنازل عنها... لكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به».

جدل جديد حول الأطعمة والمشروبات

وفي الواقع، اندلع أخيراً جدل جديد بعدما أراد بعض مشغلي المنشآت الشاطئية في بوليا منع زبائنهم أيضاً من تناول الأطعمة والمشروبات التي يحضرونها معهم. وبرر المشغلون ذلك باحتمال «الإضرار بصورة المكان».

وردّ رئيس الإقليم أنطونيو ديكارو بتوبيخ أصحاب امتيازات التأجير، موضحاً أنه في ظل الأسعار المرتفعة للغاية بالفعل للمظلات والمقاعد الشاطئية، فإنه من العبث أن يُفرَض على الناس أيضاً شراء أطعمة باهظة الثمن، وقال: «البحر ملك للجميع، ولا يجوز أن يتحول إلى سلعة فاخرة».


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويُصبح عبوة نادرة يتعقَّبها هواة جمع المقتنيات.

منى أبو النصر (القاهرة)
صحتك قد تساعدنا الدموع على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً (بيكسلز)

لماذا نشعر بالراحة بعد البكاء؟

قد تمنحنا الدموع لحظة من الراحة وتساعدنا على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)

بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

بدأت مجالس محلية بريطانية الاستعانة بروبوتات متطورة تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 3500 جنيه إسترليني، لتمثيل أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول الدراسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الطريقة التي يدرك بها الإنسان مرور الزمن تتغير مع تقدمه في العمر (أ.ف.ب)

لماذا تبدو الأيام أقصر كلما تقدمنا في العمر؟

مع مرور السنوات، قد تبدو الأيام المتشابهة أقصر في ذاكرتنا، فيما تمنحنا التجارب الجديدة لحظات أكثر وضوحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ميرتس يقر بـ«كارثة» لحزبه إثر تقدُّم اليمين المتطرف بانتخابات محلية في ألمانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
TT

ميرتس يقر بـ«كارثة» لحزبه إثر تقدُّم اليمين المتطرف بانتخابات محلية في ألمانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)

أقرَّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (الأحد)، بـ«كارثة» لحزبه «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» الذي مُني بخسارة كبيرة في انتخابات محلية، في وجه اليمين المتطرِّف، ولكنه تعهد المضي قدماً بالإصلاحات المعلنة، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكَّد ميرتس مساء اليوم: «الإصلاحات متواصلة. وأنا أتحمَّل المسؤولية الكاملة؛ لأنني أريد الدفع ببلدنا قدماً».

وأظهرت الاستطلاعات الأولى أن نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب ميرتس اليميني الوسطي بالكاد بلغت عتبة الخمسة في المائة اللازمة لدخول البرلمان، في ولاية مكلنبورغ- فوربومرن (شمال شرق)، في مقابل قرابة 38 في المائة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرِّف.


مدير منطقة «الصنمين» لـ«الشرق الأوسط»: ضالعون بمقتل عناصر أمن يريدون تسليم أنفسهم

عناصر من قوات الأمن السورية في درعا يناير 2025 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية في درعا يناير 2025 (أ.ب)
TT

مدير منطقة «الصنمين» لـ«الشرق الأوسط»: ضالعون بمقتل عناصر أمن يريدون تسليم أنفسهم

عناصر من قوات الأمن السورية في درعا يناير 2025 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية في درعا يناير 2025 (أ.ب)

كشف مدير منطقة الصنمين بريف محافظة درعا السورية، محمد عبد الله العلوه، أن مسلحين ضمن المجموعة الضالعة بمقتل 3 من عناصر قوى الأمن الداخلي في المدينة «يجرون اتصالات من أجل تسليم أنفسهم».

تصريح العلوه جاء بينما أعلن المجمع التربوي في منطقة الصنمين بريف درعا تعطيل المدارس ليوم الأحد، لضمان سلامة الطلاب والكوادر التعليمية، فيما تتواصل العملية الأمنية في الصنمين لليوم الرابع على التوالي، وتتركز بحسب مصادر محلية في الحي الغربي من المدينة، وذلك بعد مقتل 3 عناصر من الأمن، الخميس الماضي، في اشتباك مع المجموعة مسلحة، خلال مداهمة أمنية بحقّ مطلوب، وفق ما أعلنت السلطات، فيما قال مصدر حكومي، حينها، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن المطلوب ينتمي إلى تنظيم «داعش».

وبيّن العلوه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك وساطات تُجري مع الجهات المختصة لإنجاز تسويات للمسلحين الذين ليست عليهم قضايا دم، ولم يتورطوا بأمور كبيرة، وذلك حفاظاً على السلم الأهلي واستقرار المدينة»، لافتاً إلى أن «كل القنوات مفتوحة».

وأشار مدير منطقة الصنمين إلى أن الحياة تعود إلى طبيعتها بشكل تدريجي، مع استمرار في ملاحقة بقايا المجموعات المسلحة بعملية أمنية نوعية، بحيث لا تؤثر على سير الحياة في المدينة. وذكر أنه «في القريب العاجل سيتم توفير الخدمات في المدينة، بما يسهل معيشة المواطنين، وستكون الأمور على ما يرام».

أرشيفية لعناصر من الأمن الداخلي ووزارة الدفاع السورية في مدينة الصنمين (درعا 24)

وأوضح أنه تم خلال العملية إلقاء القبض على «شخصيات بارزة»، إلا أنه أشار إلى أن متزعمي الخلية محسن الهيمد وأحمد العثمان الملقب بـ«الكشكي» لم يتم إلقاء القبض عليهما بعد.

وأعلنت قوى الأمن الداخلي، السبت، القبض على وليد الفلاح، أحد أبرز متزعمي الخلية المتورطة في استشهاد 3 من عناصر قوى الأمن في الصنمين.

وأوقفت قوات الأمن، الخميس، 5 من المطلوبين. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن العملية أتاحت «تفكيك خلايا إجرامية وأخرى مرتبطة بتنظيم (داعش) كانت تنسق فيما بينها».

كما قال قائد الأمن الداخلي في درعا، العميد حسام الطحان، ليل الخميس - الجمعة، في تصريح نقلته وسائل إعلام حكومية، إن قوى الأمن الداخلي «تمكنت بعد متابعة وملاحقة دقيقة، من الوصول إلى الخلية المسؤولة عن استشهاد 3 من عناصرها في مدينة الصنمين».

قوات من الجيش السوري تغلق أحد شوارع بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة لحفظ الأمن (أرشيفية - أ.ف.ب)

وذكر أن المتابعة أظهرت أن الخلية يتزعمها «محسن الهيمد وأحمد العثمان الملقب بالكشكي»، مشيراً إلى أن قوات الأمن «ضبطت خلال عمليات التفتيش والتمشيط، أسلحة وذخائر وعبوات جاهزة للتفجير ومعدّات لتصنيع المتفجرات داخل منزليهما، وتواصل ملاحقة بقية أفراد الخلية، تمهيداً لإلقاء القبض على جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء المختص».

ويتبنى تنظيم «داعش»، الذي سيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا إلى حين هزيمته في آخر معاقله بسوريا عام 2019، بين الحين والآخر، اعتداءات تطول خصوصاً قوات الأمن السورية، بعدما حضّ عناصره على قتال السلطات الجديدة عقب إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وأعلنت الحكومة السورية، أواخر العام الماضي، انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة التنظيم المتطرف.


الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
TT

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

 تخطيط القلب يرى ما وراء النبض
تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل. لكن الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم سؤالاً أكثر طموحاً: هل يمكن اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، والتدخل في وقت يسمح بتغيير مسار المرض؟ وفي طب القلب، قد تأتي الإجابة من فحص قديم ومألوف: تخطيط كهربائية القلب (ECG)، فالخوارزميات تستطيع البحث داخل إشاراته عن أنماط دقيقة قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها باضطرابات قلبية ومخاطر مستقبلية؛ ليصبح التخطيط ليس مجرد قراءة لما يحدث الآن، بل نافذة محتملة على ما قد يحدث لاحقاً.

وفي 2 سبتمبر (أيلول) 2026، تناول الدكتور ريتشارد داسيلار (Richard Dasselaar)، خبير التحول الرقمي المقيم في سويسرا ورئيس مجموعة عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب، هذه النقلة في مقال تصدّر غلاف العدد الرابع من المجلد 26 لمجلة «HealthManagement.org» بعنوان «من التنبؤ إلى الوقاية: تحويل طب القلب الدقيق إلى واقع». وينطلق داسيلار من سؤال يتجاوز قدرة الخوارزمية على توقع المرض: هل يمكن اكتشاف الخطر في مرحلة مبكرة بما يكفي لمنح الطبيب فرصة للتدخل قبل أن يتحول الاحتمال إلى مرض واضح؟ فالقيمة الحقيقية للتنبؤ، في هذه الرؤية، ليست في معرفة ما قد يحدث للمريض فحسب، وإنما في استخدام تلك المعرفة في الوقت الذي لا يزال فيه ممكناً تغيير مسار المرض.

حين يرى الذكاء الاصطناعي خطر القلب قبل الاعراض

تخطيط القلب... شفاء المستقبل

تخطيط قلب قد يرى المستقبل. المفارقة أن إحدى الأدوات التي قد تساعد الطب على استشراف أمراض القلب ليست تقنية جديدة، بل تخطيط كهربائية القلب (ECG)، أي الفحص البسيط والرخيص والمتاح على نطاق واسع منذ أكثر من قرن. والجديد ليس التخطيط نفسه، وإنما الطريقة التي أصبح الذكاء الاصطناعي يقرأ بها إشاراته. فالطبيب يفسر التخطيط عادةً بالبحث عن أنماط معروفة في النشاط الكهربائي للقلب، مثل اضطراب النظم أو التغيرات التي قد تشير إلى مشكلة قلبية. أما نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم AI-ECG، فتستطيع تحليل تفاصيل وعلاقات دقيقة داخل الإشارة الكهربائية قد يصعب تمييزها بالقراءة التقليدية، وربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية في القلب، وكذلك ببعض المخاطر المستقبلية. وتشير الدراسات التي يستعرضها داسيلار إلى أن تخطيط القلب يمكن، بهذه الطريقة، أن يتحول من تسجيل كهربائي للحظة الراهنة إلى ما يشبه «المؤشر الحيوي الرقمي» (Digital Biomarker) الذي يكشف معلومات إضافية كامنة داخل الفحص نفسه.

وتكمن جاذبية الفكرة في بساطتها: لا يحتاج الأمر بالضرورة إلى فحص جديد أو جهاز جديد؛ فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي استخراج معلومات لم تكن متاحة سابقاً من تخطيط يُجرى بالفعل يومياً في المستشفيات والعيادات. لكن اكتشاف إشارة خفية لا يعني تلقائياً أننا منعنا المرض؛ وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا نفعل عندما تخبرنا الخوارزمية بأن المريض معرض للخطر؟

• عندما يتحول التنبؤ إلى تدخل. لكن معرفة أن شخصاً معرض لخطر المرض ليست في حد ذاتها علاجاً. وهذا أحد أهم التحولات في النقاش حول الذكاء الاصطناعي الطبي. ففي السنوات الأولى كان السؤال المتكرر: ما مدى دقة الخوارزمية؟ وما حساسيتها ونوعيتها؟ هذه الأسئلة مهمة، لكنها لم تعد كافية.

فقد يحقق نموذج أداءً ممتازاً داخل قاعدة بيانات بحثية، ثم تتراجع فائدته عند انتقاله إلى مستشفى آخر أو مجتمع مختلف، نتيجة اختلاف المرضى وانتشار الأمراض وجودة البيانات والأجهزة ومسارات العمل السريري. والأهم أن التنبؤ لا يملك قيمة حقيقية إذا لم يؤدِّ إلى قرار سريري مناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت الأدلة تنتقل بالفعل من اختبار قدرة الخوارزمية على التنبؤ إلى اختبار أثر استخدامها فعلياً على المرضى. ففي مايو (أيار) 2024، نشرت مجلة «Nature Medicine» تجربة سريرية عشوائية عملية بقيادة تشين-شان لين (Chin-Sheng Lin) وزملائه، شملت 15 ألفاً و965 مريضاً منوّمين في المستشفى. واختبرت الدراسة نظام تنبيه يعتمد على تخطيط القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن استخدامه ارتبط بانخفاض الوفيات لجميع الأسباب خلال 90 يوماً، مع تركز الفائدة لدى المرضى الذين صنّفهم النظام ضمن الفئة مرتفعة الخطورة.

ولا تعني هذه النتيجة أن تجربة واحدة حسمت مستقبل الذكاء الاصطناعي في طب القلب، لكنها تشير إلى تحول جوهري في طريقة تقييمه: لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع الخوارزمية اكتشاف الخطر؟ بل: هل يؤدي استخدام ذلك الاكتشاف إلى تغيير ما يحدث للمريض؟

هل تفهم خوارزميات القلب المريض العربي؟

الخوارزمية والعلاج

الخوارزمية ليست العلاج. لنتخيل أن مريضاً أُجري له تخطيط للقلب، فاكتشف الذكاء الاصطناعي نمطاً يرتبط بارتفاع احتمال وجود خلل قلبي لم تظهر أعراضه بعد. ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يتلقى التنبيه؟ ومن يقرر إن كان يستدعي فحصاً إضافياً؟ وماذا يحدث إذا اختلف تقدير الطبيب عن الخوارزمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن القرار؟ وكيف نشرح للمريض أن ارتفاع «احتمال الخطر» لا يعني أنه مصاب بالمرض؟

هنا يضع داسيلار قاعدة شديدة الأهمية: «المؤسسات الصحية لا تطبق خوارزميات، بل تطبق مسارات سريرية». فتنبيه الذكاء الاصطناعي ليس علاجاً بحد ذاته؛ وإنما تبدأ قيمته عندما يدخل في مسار واضح: يراجعه الطبيب، ويضعه في سياق حالة المريض، ويطلب الفحوص التأكيدية عند الحاجة، ثم يتخذ قراراً علاجياً أو وقائياً مناسباً. وبذلك لا يكون نجاح الذكاء الاصطناعي في أنه أطلق تنبيهاً صحيحاً، بل في أن هذا التنبيه وصل إلى الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وأدى إلى إجراء يمكن أن يحسن ما يحدث للمريض.

• هل تصلح الخوارزمية نفسها للمريض العربي؟ هنا يبرز سؤال يهم منطقتنا مباشرة: إذا طُوّرت خوارزمية لتخطيط القلب واختُبرت على مرضى في الولايات المتحدة أو أوروبا، فهل يمكن افتراض أنها ستحقق الدقة نفسها عند استخدامها مع المرضى في الرياض أو جدة أو دبي أو القاهرة؟

ليس بالضرورة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي دُرّب عليها، وقد يتأثر أداؤه بخصائص السكان، وانتشار الأمراض، والأعمار والحالات المصاحبة، وكذلك بنوع الأجهزة المستخدمة، وطريقة تسجيل البيانات، والممارسات السريرية في كل مؤسسة. لذلك فإن نجاح الخوارزمية في المجتمع الذي طُوّرت واختُبرت فيه لا يكفي وحده لضمان الأداء نفسه في مجتمع آخر.

ويشدد داسيلار على أن التحقق الخارجي ليس مجرد تفصيل تقني، خصوصاً عندما تُستخدم الخوارزمية للكشف المبكر عن المرض. فالنموذج ينبغي أن يثبت أن أداءه يظل موثوقاً عند تغير الجغرافيا والتركيبة السكانية والبيئة السريرية وطريقة الحصول على البيانات. وعندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل، تصبح الحاجة أكبر إلى دراسات تمتد زمنياً، للتأكد من أن الإشارة التي تلتقطها الخوارزمية اليوم ترتبط بالفعل بما يحدث للمريض لاحقاً، وفي وقت مبكر بما يكفي لإتاحة فرصة حقيقية للتدخل.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يفتح ذلك قضية أكبر من مجرد استيراد أحدث خوارزمية: هل جرى التحقق منها على السكان الذين ستُستخدم معهم فعلياً؟

د. ريتشارد داسيلار لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي قد ينقل طب القلب من التنبؤ إلى الوقاية

لقاء صحافي

عينات سعودية للتحقق من التقنية. وفي لقاء مباشر مع «الشرق الأوسط»، سُئل الدكتور داسيلار عما إذا كان التحقق من هذه التقنية في الولايات المتحدة وسويسرا ودول أوروبية يعني أنها أصبحت جاهزة للتطبيق مباشرة في الشرق الأوسط. فأجاب بأن التحقق في دولة لا يمنح الخوارزمية تلقائياً صلاحية عالمية؛ فلكل بلد تركيبته السكانية ونظامه الصحي وأجهزته وبياناته السريرية، ومن الضروري أن يمتلك سياسة واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وآلية للتحقق المحلي قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.

وأوضح أن التحقق لا ينبغي أن يكون اختباراً يُجرى مرة واحدة وينتهي، بل عملية مستمرة تشمل قياس دقة الخوارزمية على السكان المحليين، والتأكد من أدائها مع الأجهزة والمنصات المستخدمة فعلياً في المؤسسات الصحية، ثم مراقبتها بعد التطبيق لرصد أي تغير في الأداء بمرور الوقت. ولعل التطور الأهم للمنطقة أن فريق المشروع، حسب داسيلار، قرر إدراج عينات من المملكة العربية السعودية ضمن مراحل التحقق من التقنية، بهدف تقييم أدائها لدى السكان في المملكة وتوسيع تنوع قاعدة التحقق. وهي خطوة قد تمهّد، إذا أثبتت النتائج كفاءتها، لاستخدام مستقبلي أكثر أماناً في المنطقة يستند إلى أدلة محلية، بدلاً من افتراض أن النجاح في أوروبا أو الولايات المتحدة سيُترجم تلقائياً إلى النتائج نفسها لدى المريض العربي.

وهنا تتبلور قاعدة أساسية في عصر الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الخوارزمية قد تكون عالمية، لكن الثقة السريرية بها يجب أن تُبنى محلياً.

• من التنبؤ بالخطر إلى رسم «مسار» المريض. الخطر القلبي ليس رقماً ثابتاً. فهو يتغير مع العمر وضغط الدم والأدوية والنشاط البدني والحالة الصحية ووظيفة القلب. ولذلك فإن تقدير احتمال إصابة المريض في لحظة واحدة لا يروي القصة كاملة.

من هنا ينتقل السؤال من: «ما احتمال إصابة هذا المريض؟» إلى سؤال أكثر طموحاً: «إلى أين يتجه مساره الصحي، وما الذي يمكن أن نفعله لتغيير هذا المسار؟» ويشير داسيلار إلى مفهوم ناشئ يعرف بـ«التوأم الرقمي القلبي» (Cardiovascular Digital Twin)، يقوم على إنشاء تمثيل رقمي لحالة الفرد المتغيرة مع الزمن، وقد يتيح مستقبلاً استكشاف مسارات صحية محتملة ومحاكاة أثر تدخلات مختلفة عليها. لكنه يحذر ضمناً من اختزال الفكرة في نموذج ذكاء اصطناعي أكبر أو لوحة بيانات أكثر تعقيداً؛ فالطموح الحقيقي هو تمثيل الحالة السريرية المتغيرة للفرد وفهم الاحتمالات المستقبلية التي قد تنتج عنها. والمجال لا يزال ناشئاً، مع أسئلة علمية وسريرية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

وهكذا قد ينتقل طب القلب الدقيق مستقبلاً من خوارزمية تقول: «هذا المريض معرض للخطر» إلى نظام يساعد الطبيب على طرح سؤال أكثر فائدة: «أي تدخل اليوم يمكن أن يغيّر ما سيحدث لهذا المريض غداً؟»

• الذكاء الاصطناعي سيمنحنا الوقت. لكن كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الخطر قبل ظهور الأعراض، ازدادت المسؤولية. فالتنبؤ ليس تشخيصاً، وارتفاع الاحتمال ليس يقيناً؛ لذلك ينبغي ألا تتحول إشارة الخوارزمية إلى حكم على مستقبل المريض، بل إلى معلومة يفسرها الطبيب في سياق حالته ويقرر ما إذا كانت تستدعي تدخلاً أو فحوصاً إضافية. وهذا يصبح أكثر أهمية عندما تستخدم هذه الأدوات مع أشخاص أصحاء أو قليلي الأعراض.

ولهذا ربما لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في طب القلب أن يخبرنا بدقة أكبر مَن سيمرض، بل أن يمنح الطب شيئاً أكثر قيمة: الوقت... وقتاً لاكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى مرض واضح، ووقتاً للتدخل عندما لا يزال بالإمكان تغيير المسار، وربما ـ في أفضل الحالات ـ وقتاً يجعل المرض الذي تنبأت به الخوارزمية حدثاً لم يقع أصلاً.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل: قد يكون أفضل تنبؤ يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب هو ذلك التنبؤ الذي يساعدنا على منع نفسه من أن يصبح حقيقة.

يحلل تفاصيل إشارات القلب التي قد يصعب تمييزها ويربطها بمعلومات عن اضطرابات بنيوية أو وظيفية فيه