تتصاعد مخاوف الأحزاب السياسية في ليبيا مما تصفه بـ«الإقصاء» من أي انتخابات تشريعية مقبلة، على خلفية تسريبات بشأن تفاهمات داخل لجنة «4+4» قد تمهد لاعتماد النظام الفردي بدلاً من القوائم الحزبية، في وقت تستعد فيه اللجنة لتوقيع اتفاق بشأن القوانين الانتخابية مجدداً.
وترى أحزاب ليبية أن اعتماد النظام الفردي، حال إقراره، سوف يهمّش دورها السياسي ويُضعف فرص قيام حياة حزبية قائمة على البرامج والكتل، في حين تواجه هذه الأحزاب انتقادات مقابلة، تتعلق بمحدودية حضورها الشعبي وقدرتها على التأثير في الشارع الليبي على نحو كافٍ.
وبدأت ملامح القلق في الظهور من خلال تحركات سياسية متلاحقة خلال الأيام الماضية، إذ وجّهت 57 حزباً سياسياً رسالة إلى مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، الأربعاء، طالبت فيها بتوضيح موقف البعثة من أي توجه «يُقصي» القوائم الحزبية خلال الانتخابات.

ولم تشهد ليبيا انتخابات تشريعية منذ انتخابات عام 2014، التي أفرزت البرلمان الحالي، في ظل صراعات سياسية وحروب أهلية متعاقبة. كما أخفقت البلاد قبل خمسة أعوام في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، بعدما حالت ظروف وصفتها السلطات بـ«القوة القاهرة» دون إتمامها.
وحسب ما تسرّب من تفاهمات لجنة «4+4»، ولم تنفه البعثة الأممية أو الأطراف المنخرطة فيها، قد يقتصر حق الأحزاب في المشاركة على تقديم مرشحين أفراد في الدوائر الانتخابية.
وتخوفاً من الإقصاء، دعت الأحزاب في رسالتها للمبعوثة الأممية، إلى ألا تقل نسبة تمثيلها عن 80 في المائة من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ملوحة باللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في أي تشريع أو ترتيب انتخابي يحرمها من المشاركة عبر قوائمها ومؤسساتها، وبرامجها السياسية المعتمدة رسمياً بشكل فعّال.
وفي تحرك منفصل، وقّعت 81 حزباً سياسياً على مراسلة مشتركة طالبت فيها مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» أخيراً بضمان حقها في الانتخابات المقبلة دون إقصاء، كما تكرر الظهور لقيادات أحزاب سياسية ليبية وهي تبدي مخاوفها من تسريبات لجنة «4+4».
وتعود الاعتراضات الأساسية للأحزاب، وفق قيادات سياسية، إلى احتمال العودة لقانون انتخابي أُجريت على أساسه الانتخابات التي أفرزت مجلس النواب الحالي قبل نحو 12 عاماً، بدلاً من قانون أُعد عام 2023 وعدّلته لجنة «6+6» المشتركة بين مجلسي النواب والدولة أيضاً.
ويمنح قانون 2023 المعدل، حسب هذه الأحزاب، مساحة أوسع لمشاركة القوى السياسية، فيما تخشى من أن يؤدي النظام الفردي إلى إعادة إنتاج تركيبة برلمانية مشابهة للحالية، من دون كتل سياسية متماسكة تتنافس على أساس البرامج والرؤى والمشروعات الوطنية على المستوى الوطني.

وهنا يرى رئيس الحزب المدني الديمقراطي، محمد سعد مبارك، أن هناك «اعتراضاً شديداً» من جانب الأحزاب على ما تسرّب من مخرجات لجنة «4+4»، معتبراً أنها «استبعدت الأحزاب من المنافسة» عبر اعتماد قانون أفرز البرلمان الحالي قبل سنوات طويلة في البلاد.
وحذّر مبارك، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من أن التنافس وفق نظام المستقلين والأفراد «سيُنتج برلماناً جديداً مشابهاً للحالي، في ظل غياب كتل سياسية لها رؤى وبرامج»، مشيراً إلى أن ذلك قد يعزّز المصالح الشخصية، و«يفتح الباب أمام القبلية والمال الفاسد» ويضعف التنافس السياسي المتزايد.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الأحزاب السياسية في ليبيا يقارب 95 حزباً، رغم عدم وجود إحصاء موثق ونهائي لعدد الأحزاب المعتمدة رسمياً من اللجنة الحكومية المختصة، التابعة لحكومة «الوحدة» في غرب البلاد، كما اندمج منها في تحالفات سياسية.
لكن هذه الأحزاب تواجه انتقادات حادة تتعلّق بضعف حضورها الشعبي، ومحدودية تأثيرها السياسي، إذ يرى منتقدون أن نشاط بعضها لا يتجاوز حضوراً افتراضياً على منصات التواصل الاجتماعي، ولا ينعكس بالضرورة على مواقف الناخبين، أو اتجاهاتهم الانتخابية في الشارع الليبي المحلي.
ويقر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، بمحدودية حضور الأحزاب في الشارع الليبي، لكنه يعزو ذلك إلى حداثة التجربة والظروف التي نشأت فيها، مشيراً إلى أن الحياة الحزبية مرت بمراحل متقطعة منذ الاستقلال وحتى اليوم في ليبيا.
ويشخّص مخلوف لـ«الشرق الأوسط» هذا الواقع بالقول إن التجربة الحزبية «وليدة وشهدت مخاضاً صعباً ودون مستوى الطموح»، مشيراً إلى أنها كانت محدودة في عهد الملك إدريس السنوسي، قبل أن تتوقف بعد وصول معمر القذافي إلى السلطة عام 1969، ثم عادت بعد فبراير (شباط) 2011 وسط تحديات.
وأضاف مخلوف أن «ولادتها الثانية» جاءت «في بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة، بما ضاعف التحديات أمامها»، مؤكداً أهمية دعم الأحزاب وتقوية دورها من خلال إشراكها في العملية السياسية، ومشيراً إلى تعاون بعضها مع البعثة الأممية وأطراف دولية منحها حضوراً سياسياً ملحوظاً.
وبالنسبة إلى مبارك فإن منح الأحزاب دوراً حقيقياً في الانتخابات يمكن أن يساعدها على استعادة ثقة الشارع، قائلاً إن «للأحزاب دوراً سياسياً ومكانة شعبية إذا ما كانت هي أداة التنافس الديمقراطي، والوسيلة التي تضمن تبني العمل المؤسسي والجماعي المنظم» داخل الدولة.
وكانت لجنة «4+4»، التي تضم ممثلين عن الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد وحكومة «الوحدة» في غربها، قد وقّعت قبل 9 أيام، بالأحرف الأولى، مسودة اتفاق نهائي بشأن مجلس المفوضية والقوانين الانتخابية، بانتظار التوقيع الرسمي، دون موعد معلن لذلك حتى الآن.




