قد يبدو المنزل نظيفاً بعد استخدام المنظفات المعطِّرة، لكن الهواء داخله قد يحتوي في الوقت نفسه على نوع غير مرئي من التلوّث.
وتوصل فريق بحثي في جامعة بوردو الأميركية إلى أنّ المركّبات العطرية الموجودة في منتجات التنظيف، سواء التقليدية أو المصنوعة من الزيوت العطرية النباتية، يمكن أن تتفاعل سريعاً مع الأوزون في الهواء، ممّا يؤدّي إلى تكوين جسيمات متناهية الصغر قد تصل إلى أعماق الرئتين عند استنشاقها. وعرض الباحثون نتائجهم، الخميس، خلال اجتماع الجمعية الكيميائية الأميركية المنعقد حالياً في شيكاغو.
وتطلق النباتات مركبات عضوية متطايرة تتبخر بسهولة وتسهم في تكوين روائح النباتات والأشجار، من بينها التربينات، مثل «البينين» الموجود في أشجار الصنوبر، و«الليمونين» المرتبط برائحة الحمضيات.
وتتفاعل هذه المركّبات مع الأوزون لتكوين مواد وجسيمات دقيقة جديدة. وتحدث هذه التفاعلات طبيعياً في الهواء الطلق، لكن تركيز بعض المركّبات يمكن أن يرتفع داخل المنازل عشرات أو مئات المرات خلال استخدام منتجات التنظيف المعطِّرة.
وبدأ الفريق دراسة تأثير منتجات التنظيف والمطهرات الكيميائية في جودة الهواء الداخلي خلال جائحة «كوفيد-19»، ولاحظ احتواء كثير منها على كميات كبيرة من العطور لإضفاء رائحة محبَّبة على المكان. ويشير الباحثون إلى أنّ «رائحة النظافة» القوية لا تعني بالضرورة أن الهواء نقي، إذ يُفترض ألا تكون للهواء النظيف رائحة قوية.
ولاختبار ما يحدث خلال التنظيف اليومي، أجرى الباحثون تجارب داخل منزل نموذجي صغير في حرم جامعة بوردو، صُمِّم خصوصاً لدراسة جودة الهواء الداخلي، ويضم مطبخاً وحماماً وأرضيات خشبية. واختبروا منتجات تنظيف سائلة معطرة تقليدية، إلى جانب بخاخات ومناديل مطهرة تحتوي على مكوّنات نباتية.
وأظهرت التجارب أنّ التفاعلات الكيميائية التي تؤدّي إلى تكوين الجسيمات متناهية الصغر في الهواء الخارجي تحدث أيضاً داخل المنازل، لكن بوتيرة أسرع وتركيزات أعلى. وأسفرت أنشطة شائعة، مثل مسح الأرضيات ورش أسطح المطابخ وتنظيف الأسطح بمنتجات معطِّرة، عن تكوين مليارات أو تريليونات من الجسيمات، وفق نوع المنتج المستخدم.
وكان معظم هذه الجسيمات، المعروفة باسم الجسيمات فائقة الدقة أو النانوية، يتراوح قطرها بين 1 و30 نانومتراً، وهو حجم قد لا ترصده كثير من أجهزة مراقبة جودة الهواء المنزلية. ولاحظ الباحثون أنّ مستويات هذه الجسيمات الناتجة عن التنظيف قد تتجاوز تلك الموجودة في الهواء الخارجي.
ووفق الباحثين، تثير هذه النتائج مخاوف صحية محتملة، لأن صغر حجم الجسيمات يسمح لها بالوصول إلى أعماق الجهاز التنفسي، وقد تسهم في التهيُّج والالتهاب، فيما يمكن لبعضها الانتقال إلى مجرى الدم.
كما أظهرت التجارب أنّ الجسيمات تبدأ في التشكل والنمو خلال دقائق من استخدام منتجات التنظيف المعطِّرة، ممّا يعني أنّ الشخص قد يستنشق كميات كبيرة منها قبل الانتهاء من التنظيف.
وقد تكون الجرعة التي تصل إلى الجهاز التنفسي مماثلة أو حتى أعلى من تلك الناتجة عن التعرُّض للهواء بجوار طريق مزدحم.
ويؤكد الباحثون أنّ النتائج لا تهدف إلى إثارة القلق بشأن التنظيف، بل إلى مساعدة المستهلكين على تقليل تعرّضهم لهذا النوع غير المرئي من تلوّث الهواء.
ولتجنُّب تلوث هواء المنزل بالمنظّفات المعطِّرة، ينصح الباحثون باختيار منتجات منخفضة العطر أو خالية منه، وتجنُّب استخدام عدة منتجات معطرة في جلسة التنظيف نفسها، وتحسين التهوية عبر تشغيل مراوح الشفط أو فتح النوافذ.



