«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

التداعيات تتجاوز طهران مع تشديد القيود على حركة التجارة وارتفاع مخاطر الملاحة والشحن والتأمين

TT

«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)
سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

لم تعد العقوبات الأميركية الجديدة على إيران مجرد جولة إضافية من الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً تداعيات الحرب، وتراجع التجارة، وانهيار العملة، بل تدخل واشنطن مرحلةً تسعى فيها إلى إعادة رسم شبكة العلاقات التجارية والمالية التي تسمح لطهران بالبقاء على اتصال بالاقتصاد العالمي. ومع توسيع العقوبات لتشمل الشحن، والطيران، والتكنولوجيا، والذهب، والأصول الرقمية، ورفع مخاطر العقوبات الثانوية على الأطراف التي تواصل التعامل مع إيران، باتت الأسواق تراقب ليس فقط ما ستخسره طهران، بل ما إذا كان هذا الضغط سيولِّد صدمةً جديدةً في الطاقة والشحن والتأمين والتضخم العالمي.

وتأتي هذه الحملة في وقت تتقاطع فيه 3 مسارات شديدة الحساسية للأسواق: الحرب واضطراب الملاحة في مضيق «هرمز»، وتشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، ومحاولة وزارة الخزانة الأميركية في الوقت نفسه تهدئة سوق السندات طويلة الأجل. ولذلك فإنَّ التأثير النهائي للعقوبات لن يتحدَّد بحجم قائمة الأسماء والكيانات المستهدَفة وحدها، وإنما بمدى قدرة واشنطن على تحويل التهديد بالعقوبات الثانوية إلى إجراءات فعلية تطال مؤسسات مالية وتجارية كبيرة.

العقوبات تنتقل من إيران إلى شركائها

أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب ما سمّته «عملية الإقصاء الاقتصادي»؛ بهدف قطع القنوات التي ما زالت تتيح لإيران الحصول على الإيرادات والتمويل والتجارة الخارجية.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أنَّ الحملة تستهدف ما وصفها بـ«أهم شرايين الحياة» التي تستخدمها إيران خارج حدودها، وتشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، إلى جانب توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الجهات التي تواصل التعامل مع النظام الإيراني. كما شملت الإجراءات الجديدة عشرات الأفراد والكيانات والسفن.

لكن أهمية الخطوة لا تكمن في العقوبات المباشرة وحدها، وإنما في محاولة واشنطن نقل تكلفة التعامل مع إيران إلى أطراف ثالثة. فالشركة أو البنك أو شركة الشحن التي قد لا تكون إيرانيةً يمكن أن تجد نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين استمرار نشاطها مع طهران، أو الحفاظ على قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وهنا تبدأ العقوبات في التَّحوُّل من أداة موجَّهة إلى دولة بعينها إلى آلية ضغط تمتد عبر شبكة التجارة العالمية. وهذا هو الجانب الذي يراقبه المستثمرون من كثب: هل ستكتفي واشنطن بالتحذير، أم ستبدأ فعلاً في معاقبة مؤسسات كبيرة ذات انكشاف دولي؟.

الاختبار الحقيقي للتصعيد

قد تكون الخطوة الأهم في الأيام المقبلة خارج قائمة العقوبات التي أُعلنت بالفعل. فإذا نفَّذت وزارة الخزانة تهديدها باتخاذ إجراء ضد مؤسسة مالية كبيرة ذات انكشاف دولي، فسيكون ذلك مؤشراً على انتقال الحملة إلى مستوى أكثر خطورة، لأنَّ استهداف بنك كبير يمكن أن يفرض على مؤسسات أخرى إعادة تقييم تعاملاتها مع إيران بسرعة.

أما إذا اقتصر الإجراء على وسيط مالي صغير أو جهة محدودة الانكشاف، فقد يعني ذلك أن واشنطن ما زالت حذرة من التكلفة المالية الأوسع التي قد تنتج عن ضرب مؤسسة ذات أهمية للنظام المالي العالمي.

ومن ثم، فإنَّ السؤال الذي يهمُّ الأسواق لم يعد فقط: كم عدد الأفراد والسفن والكيانات التي عوقبت؟ بل: مَن سيكون الهدف المالي التالي؟

هذه النقطة قد تكون أكثر أهميةً في تحديد رد فعل الأسواق من الإعلان الحالي نفسه؛ لأنَّ العقوبات المعلنة حتى الآن، رغم اتساعها، لم تصل إلى أقصى مستوى كانت الأسواق قد تهيأت له. وتشير تقارير إلى أنَّ واشنطن لم تفرض بعد عقوبات واسعة على مؤسسات مالية صينية كبرى مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد إضافي.

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

العقوبات تلامس عنق الزجاجة العالمي

إذا كان القطاع المالي يمثل قناة انتقال العقوبات إلى الأسواق، فإن مضيق «هرمز» يمثل القناة المادية الأخطر. فقد حذَّرت وزارة الخزانة الأميركية مُلّاك السفن وشركات الشحن من أنَّ الاستجابة لطلبات معلومات من جهات إيرانية مرتبطة بالمضيق قد تعرِّضهم للعقوبات أو الغرامات الأميركية، حتى إذا لم تتضمَّن العملية أي مدفوعات مالية.

كما سبق لواشنطن أن حذرت من أن دفع رسوم إيرانية مقابل المرور عبر المضيق يمكن أن يُشكِّل انتهاكاً للعقوبات.

وهكذا تجد شركات الملاحة نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: التعامل مع الجهات الإيرانية قد يعرّضها للعقوبات الأميركية، بينما يؤدي تجنب التعامل معها أو الامتناع عن استخدام بعض مسارات الملاحة إلى زيادة تكاليف التشغيل والمخاطر اللوجيستية.

وتراجعت حركة العبور في المضيق بصورة حادة خلال الأزمة، في وقت هدَّدت فيه إيران باتخاذ إجراءات ضد عشرات السفن التي تقول إنها خالفت قواعد العبور. وتشير تقارير إلى أن طهران وضعت عشرات الناقلات على قائمة معرضة للغرامات أو الاحتجاز أو المصادرة.

وهنا يظهر أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة للأسواق: إذا احتجزت إيران أو صادرت إحدى السفن المدرجة على القائمة، فقد تقفز علاوة المخاطر البحرية بسرعة، حتى لو لم تتراجع صادرات النفط العالمية بالقدر نفسه. فالأسواق لا تسعر النفط فقط؛ إنها تسعر أيضاً احتمال عدم وصوله.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال مؤتمره الصحافي لإعلان تشديد العقوبات على إيران (رويترز)

النفط لا يعكس وحده حجم الصدمة

قد يكون سعر النفط المؤشر الأكثر وضوحاً لتداعيات التصعيد، لكنه لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للصدمة التي يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي. فحتى إذا بقي سعر الخام مستقراً نسبياً، فإن ارتفاع المخاطر الأمنية قد يدفع أقساط التأمين على السفن إلى الصعود، أو يجبر شركات النقل على تغيير مساراتها، أو يؤدي إلى تأخر الناقلات، ما يرفع تكلفة نقل الطاقة والسلع.

ومن ثم، قد تنتقل تداعيات الأزمة من سعر البرميل إلى تكلفة الرحلة، ومنها إلى أسعار المنتجات النهائية. ولا يحتاج الوقود إلى تسجيل قفزة كبيرة حتى ترتفع تكاليف تذاكر الطيران والشحن، كما يمكن لزيادة تكلفة نقل المواد الأولية أن تضيف ضغوطاً إلى تكاليف الإنتاج والتوزيع.

وتكمن الخطورة في أنَّ هذه الزيادات قد تتراكم عبر سلسلة الإمداد، لتصل في النهاية إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى، بما يعيد إشعال الضغوط التضخمية.

لماذا تراجعت أسعار النفط رغم التصعيد؟

ومع ذلك، فإنَّ حركة النفط بعد إعلان العقوبات أظهرت أن الأسواق لم تتعامل معها بوصفها صدمةً فوريةً في الإمدادات. فقد تراجعت الأسعار في التعاملات الأميركية الثلاثاء، مع هبوط خام برنت بأكثر من 3 في المائة إلى نحو 89 دولاراً للبرميل.

ولا يعني ذلك أنَّ الأسواق تجاهلت مخاطر العقوبات أو اضطراب الملاحة، بل يعكس موازنة المستثمرين بين عوامل عدة في الوقت نفسه: احتمال تراجع صادرات النفط الإيرانية وتشدد القيود على حركة الملاحة من جهة، واحتمال أن يدفع تصاعد الضغط الاقتصادي أطراف الحرب نحو التفاوض والتهدئة من جهة أخرى، فضلاً عن استمرار تأثير توقعات الطلب العالمي في اتجاه الأسعار.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة تراجع النفط بوصفه غياباً للمخاطر، بل بوصفه مؤشراً إلى أن السوق لم ترَ بعد في الإجراءات المعلنة صدمةً فوريةً وكبيرةً في الإمدادات. وهذه المعادلة يمكن أن تتغيَّر سريعاً إذا انتقلت واشنطن إلى إجراءات أشد، أو إذا تعرَّضت حركة الناقلات أو صادرات الخام لاضطراب فعلي.

لا يكفي النظر إلى الشحنات التي تصل إلى الصين

يبقى النفط الحلقة الأولى والأسرع في انتقال الأزمة إلى الاقتصاد العالمي. وتشتري الصين الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، لكن قراءة تأثير العقوبات من خلال حجم الشحنات التي تصل إلى الموانئ الصينية فقط قد تكون مضللة؛ فالشحنات التي تصل اليوم قد تكون قد غادرت إيران قبل أسابيع، وبالتالي فهي تعكس نشاطاً سابقاً أكثر مما تعكس قدرة طهران الحالية على تجاوز القيود.

ولهذا، فإنَّ المؤشر الأكثر أهميةً في المرحلة المقبلة هو حجم النفط الإيراني الذي يتمكَّن من الخروج من البلاد فعلياً بعد تشديد العقوبات والحصار البحري.

فإذا استمرَّت الصادرات في التدفق عبر مسارات بديلة، واستخدمت طهران وشركاؤها أساليب جديدة للالتفاف على العقوبات، فقد يكون أثر الإجراءات على المعروض العالمي محدوداً في المدى القصير. أما إذا بدأت الصادرات الفعلية في الانخفاض، بالتزامن مع تراجع قدرة شركات الشحن والتأمين على التعامل مع النفط الإيراني، فسيصبح الضغط أكبر على سوق الخام.

وهنا لا تحتاج السوق إلى فقدان كميات ضخمة حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تزداد حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات المستقبلية حتى ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية.

إيرانيون يتسوقون في سوق بطهران (إ.ب.أ)

الريال الإيراني... مقياس الضغط من الداخل

وفي الداخل الإيراني، ظهر أحد أوضح مؤشرات الضغط في سوق العملة. فقد هبط الريال إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار في السوق المفتوحة يوم الاثنين، مع اتساع المخاوف من تأثير العقوبات الجديدة والحرب على الاقتصاد الإيراني.

ومن هنا يصبح استقرار الريال عند مستوى مليونَي ريال للدولار أو دخوله نطاقاً جديداً أعلى من ذلك أحد المؤشرات المهمة التي ينبغي مراقبتها. فانخفاض العملة لا يضغط فقط على قدرة إيران على الاستيراد، بل يرفع تكلفة السلع والمواد الخام، ويزيد التضخم، ويضعف القوة الشرائية للأسر، ويجعل تمويل التجارة الخارجية أكثر صعوبة. وبالتالي، فإنَّ مسار الريال قد يكون مؤشراً أسرع على مدى انتقال العقوبات إلى الاقتصاد الإيراني من حجم العقوبات المعلنة نفسها.

الملاذ الذي يستفيد من التصعيد

في المقابل، تتلقى سوق الذهب دعماً من ارتفاع مستوى عدم اليقين. فقد ارتفع الذهب بنحو 0.8 في المائة بعد إعلان العقوبات إلى 4639.49 دولار للأوقية، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف مايو (أيار)، مع توجُّه المستثمرين إلى الأصول التي ينظر إليها بوصفها أدوات تحوط في فترات التوتر الجيوسياسي.

وهنا تتحرَّك العقوبات في اتجاهين متعاكسين: فهي تضغط على إيران عبر استهداف إحدى قنوات التمويل التي تعتمد عليها، بينما يؤدي التصعيد نفسه إلى زيادة الطلب العالمي على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً.

وبالتالي، فإنَّ استمرار الأزمة قد يعني بقاء الذهب مدعوماً حتى في فترات تراجع النفط، لأنَّ العاملَين لا يتحرَّكان دائماً في الاتجاه نفسه.

صدمة التضخم تصطدم بمشكلة الدين

وفي سوق السندات، تأتي التطورات الإيرانية فوق سوق تعاني أصلاً ضغوطاً مرتبطة بالعجز المالي والتضخم وتكاليف الاقتراض. واستقرَّ عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات قرب 4.701 في المائة، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً نحو 5.229 في المائة في التعاملات الأوروبية المبكرة الثلاثاء.

وتكتسب هذه المستويات أهميةً خاصةً لأنَّ أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يمكن أن يُعقِّد مهمة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في خفض التضخم، بينما تبقى وزارة الخزانة الأميركية مطالبة بإدارة عبء الاقتراض المرتفع.

وفي المقابل، رفعت الخزانة الأميركية حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، مقارنة بسقف سابق بلغ مليارَي دولار، على أن يبدأ تطبيق الحجم الجديد في سبتمبر (أيلول).

وبذلك تواجه الأسواق معادلة معقدة: التصعيد الجيوسياسي قد يرفع التضخم وأسعار الطاقة، في حين تحاول «الخزانة» تخفيف الضغوط على الطرف الطويل من منحنى العائد. وإذا استمر التضخم مرتفعاً، تصبح مهمة خفض العوائد أكثر صعوبة، لأنَّ المستثمرين سيطالبون بعائد أعلى للتعويض عن مخاطر التضخم والاقتراض الحكومي.

هل تستطيع إيران تجاوز الحصار؟

لا يزال الاختبار الحقيقي للعقوبات في قدرتها على منع إيران من الالتفاف عليها. فعلى مدى عقود، طوَّرت طهران وشبكاتها التجارية أساليب متعددة للتعامل مع القيود الأميركية، من شركات وسيطة وأساطيل ظل، إلى ترتيبات مالية وتجارية خارج القنوات التقليدية.

لكن البيئة الحالية تختلف عن جولات العقوبات السابقة، لأن الضغط الاقتصادي يأتي متزامناً مع الحرب، والحصار البحري، وتراجع حركة التجارة، وانخفاض قيمة العملة.

ولهذا قد لا يكون السؤال: هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟ بل: بأي تكلفة تستطيع تجاوزها؟

فحتى إذا تمكَّنت طهران من مواصلة تصدير جزء من نفطها، فإنَّ ارتفاع تكلفة النقل والتمويل والتأمين والوساطة والخصومات المطلوبة من المشترين يمكن أن يقلص العائد الصافي الذي تحصل عليه.

السيناريو الأخطر

ومن هنا تبرز نقطة مهمة في قراءة التطورات المقبلة. فالإعلان الحالي، رغم اتساعه، ليس بالضرورة الصدمة القصوى التي كانت الأسواق تستعد لها. لكن ذلك لا يعني أن الضغط الاقتصادي على إيران يتراجع. فالاقتصاد الإيراني يتعرَّض في الوقت نفسه لضغوط متراكمة: تراجع الصادرات، وضعف الواردات، وانخفاض العملة، وارتفاع التضخم، واضطراب حركة الملاحة، وازدياد صعوبة الوصول إلى التمويل الدولي.

ولهذا فإنَّ السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لطهران قد لا يكون صدور عقوبة واحدة ضخمة، بل بناء منظومة تنفيذ تدريجية تصبح فيها تكلفة كل معاملة مع إيران أعلى من سابقتها. وفي الوقت الذي يمكن أن تعود فيه طرق التجارة والطاقة إلى العمل بصورة طبيعية بالنسبة إلى منافسي إيران، قد تجد طهران نفسها أكثر عزلة عن أسواق النفط والتمويل الدولي.

4 مؤشرات تحدد اتجاه الأسواق

وفي المرحلة المقبلة، ستكون هناك 4 مؤشرات أكثر أهمية من مجرد عدد العقوبات الجديدة:

أولاً، المؤسسة المالية المستهدفة: إذا انتقلت واشنطن إلى معاقبة بنك كبير ذي انكشاف دولي، فسيكون ذلك تصعيداً نوعياً يمكن أن يدفع مؤسسات أخرى إلى تقليص تعاملاتها مع إيران.

ثانياً، مسار الريال: استقرار العملة حول مستوى مليونَي ريال للدولار سيكون مختلفاً تماماً عن دخولها نطاقاً جديداً أعلى من ذلك، لأن استمرار الانخفاض سيعني انتقال العقوبات والحرب بصورة أعمق إلى الاقتصاد المحلي.

ثالثاً، النفط الإيراني الذي يخرج فعلياً من البلاد: لا تكفي مراقبة الشحنات التي تصل إلى الصين، بل ينبغي متابعة الصادرات الجديدة، وقدرة إيران على تجاوز القيود البحرية والمالية.

رابعاً، مصير السفن المدرجة على القائمة الإيرانية: أي احتجاز أو مصادرة لناقلة من السفن المستهدفة يمكن أن يرفع المخاطر البحرية بصورة حادة، ويجعل شركات الشحن أكثر ميلاً إلى تجنب المنطقة أو رفع تكلفة التأمين.

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

أين تكمن نقطة التحول؟

في النهاية، لا تعمل العقوبات في فراغ. فهي تأتي في سوق طاقة تعاني بالفعل اضطرابات، وفي ممر بحري استراتيجي تراجعت حركة العبور فيه بشدة، وفي اقتصاد عالمي لا يزال حساساً تجاه التضخم، وفي سوق سندات أميركية تحاول وزارة الخزانة تهدئة عوائدها طويلة الأجل. ولهذا فإنَّ الخطر على الأسواق العالمية لا يكمن في العقوبات وحدها، بل في تفاعلها مع الحرب ومضيق «هرمز» وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

وإذا بقيت صادرات النفط الإيرانية قادرةً على تجاوز القيود، ولم تتعرَّض السفن لمزيد من الاحتجاز، وظهرت مؤشرات على تهدئة الحرب، فقد تتمكَّن الأسواق من استيعاب الإجراءات الجديدة. أما إذا تزامن تشديد العقوبات مع انخفاض فعلي في صادرات النفط، وتصعيد في المضيق، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع أكبر للريال، فستتحوَّل الأزمة من ضغط اقتصادي على إيران إلى صدمة أوسع في الأسواق العالمية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: لم يعد نجاح الحملة الأميركية يقاس فقط بمدى خنق الاقتصاد الإيراني، بل بقدرة واشنطن على زيادة الضغط من دون إشعال صدمة أكبر في الاقتصاد العالمي.


مقالات ذات صلة

مسؤولون في «الفيدرالي» يرجحون رفع الفائدة مجدداً لمواجهة التضخم

الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

مسؤولون في «الفيدرالي» يرجحون رفع الفائدة مجدداً لمواجهة التضخم

قالت مسؤولة بارزة في «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الاثنين، إن استمرار ارتفاع معدلات التضخم وتجدد الصراع في الشرق الأوسط خلال شهر أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى «بنك كندا» في أوتاوا (رويترز)

«بنك كندا»: الرسوم الأميركية قد تخفض نمو الربع الرابع إلى أقل من 1 %

حذّر محافظ «بنك كندا»، تيف ماكليم، من أن الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة قد تخفّض نمو الاقتصاد الكندي في الربع الرابع إلى أقل من 1 في المائة.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الاقتصاد بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)

قبل قمة ترمب وشي... واشنطن تقترح آلية لمخاطر الذكاء الاصطناعي

اقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية أميركية–صينية للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد ترقى إلى مستوى تهديد للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام معروضة في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يستقر قرب 4380 دولاراً مع ترقب مسار التضخم والفائدة

استقرت أسعار الذهب في بداية تعاملات الأسبوع قرب 4380 دولاراً للأوقية، بينما تراقب الأسواق تطورات الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تكاليف البناء في السعودية ترتفع 2.3 % خلال أغسطس

عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
TT

تكاليف البناء في السعودية ترتفع 2.3 % خلال أغسطس

عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)

كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، اليوم (الثلاثاء)، عن ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية بنسبة 2.3 في المائة خلال أغسطس (آب) 2026، مقارنة بالشهر المماثل من العام السابق، مدفوعاً بارتفاع تكاليف البناء في القطاع غير السكني بنسبة 2.6 في المائة، والقطاع السكني بنسبة 2.1 في المائة.

وجاء ارتفاع تكاليف البناء في القطاع السكني متأثراً بزيادة تكاليف المواد الأساسية بنسبة 1.8 في المائة، نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات المعدنية بنسبة 2 في المائة، إلى جانب ارتفاع تكاليف استئجار المعدات والآلات بنسبة 4.1 في المائة، مدفوعة بزيادة تكاليف استئجار المعدات والآلات مع مشغل بنسبة 5.6 في المائة.

كما ارتفعت تكاليف العمالة في القطاع السكني بنسبة 5.1 في المائة، وأسعار الطاقة بنسبة 3 في المائة.

وعلى صعيد القطاع غير السكني، ارتفع الرقم القياسي لتكاليف البناء بنسبة 2.6 في المائة على أساس سنوي، نتيجة زيادة تكاليف استئجار المعدات والآلات بنسبة 5.8 في المائة، مدفوعة بارتفاع تكاليف استئجار المعدات والآلات مع مشغل بنسبة 7.2 في المائة، إلى جانب زيادة تكاليف العمالة بنسبة 2 في المائة، وأسعار الطاقة بنسبة 3 في المائة.

وفي المواد الأساسية، ارتفعت التكاليف بنسبة 1.8 في المائة، نتيجة زيادة أسعار مواد البناء الأخرى بنسبة 4.3 في المائة، والأخشاب والنجارة بنسبة 2.1 في المائة.

وعلى أساس شهري، ارتفع الرقم القياسي لتكاليف البناء في أغسطس بنسبة 0.1 في المائة مقارنة بيوليو (تموز)، مدفوعاً بارتفاع تكاليف البناء في القطاعين السكني وغير السكني بنسبة 0.1 في المائة.


عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع بعد تعويض جزء من خسائرها

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات منطقة اليورو ترتفع بعد تعويض جزء من خسائرها

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو يوم الثلاثاء، مع تعويضها جزئياً بعض الخسائر الحادة التي تكبدتها في الجلسة السابقة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط بعد هبوطها إلى أدنى مستوى في نحو أسبوعين، دون 100 دولار للبرميل.

وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار القياسي للمنطقة، 3 نقاط أساس إلى 3.481 في المائة، بعدما تراجع في الجلسة السابقة 7 نقاط أساس إلى أدنى مستوى له منذ 10 سبتمبر (أيلول)، وفق «رويترز».

وصعدت أسعار الطاقة مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت نحو 2 في المائة إلى 102 دولار للبرميل.

وكان سعر النفط العالمي القياسي قد هبط إلى نحو 99 دولاراً للبرميل يوم الاثنين، وسط آمال بأن تتيح اجتماعات الأمم المتحدة هذا الأسبوع فرصة للدبلوماسية بشأن الحرب مع إيران.

وأسهم تراجع أسعار النفط يوم الاثنين في منح أسواق السندات المتضررة بعض الاستقرار، مع انخفاض حاد في العوائد في أنحاء منطقة اليورو التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.

وارتفع عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات 4 نقاط أساس اليوم الثلاثاء إلى 4.376 في المائة، بعد انخفاضه 10 نقاط أساس يوم الاثنين. كما صعد عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات 4 نقاط أساس، بعد تراجعه 10 نقاط أساس، ليسجل في أحدث تعاملات 4.509 في المائة.

وكانت عوائد سندات منطقة اليورو قد ارتفعت في الأسابيع الأخيرة إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بل في بعض الحالات إلى أعلى مستوياتها في عقود، بالتوازي مع العوائد في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، إذ دفع صعود أسعار الطاقة بفعل صدمة الشرق الأوسط، إلى جانب استمرار قوة النمو، المتعاملين إلى زيادة رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة.

كما أشار المستثمرون إلى مخاوف بشأن ارتفاع مستويات الدين الحكومي، إلى جانب ضخامة الاقتراض في أسواق السندات من جانب الشركات التي تمول استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.

وفي منطقة اليورو، تخضع فرنسا لمراقبة خاصة من المستثمرين، في ظل معاناتها من خفض عجز الموازنة الذي يتجاوز 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، واقترابها من انتخابات مثيرة للانقسام العام المقبل.

وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية نقطة أساس واحدة يوم الثلاثاء إلى 103 نقاط أساس. ويُعد هذا الفارق مقياساً لعلاوة المخاطر المرتبطة بالدين الفرنسي، وقد بلغ 105 نقاط أساس يوم الجمعة، وهو أعلى مستوى له منذ 2012، قبل أن يتراجع 3 نقاط أساس يوم الاثنين.


صندوق النقد والبنك الدوليان يوسّعان إطار تقييم ديون الدول منخفضة الدخل

شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
TT

صندوق النقد والبنك الدوليان يوسّعان إطار تقييم ديون الدول منخفضة الدخل

شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)
شعار «البنك الدولي» على مقره في واشنطن (د.ب.أ)

أقر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إصلاحات لإطار تقييم استدامة ديون الدول منخفضة الدخل، في أول مراجعة شاملة له منذ 2017، بهدف تحسين رصد مخاطر المديونية في بيئة أصبحت أكثر تعقيداً ومخاطرة، مع ارتفاع مستويات الدين وتنوع مصادر التمويل.

وتأتي الخطوة في وقت يعاني فيه نحو 14 في المائة من الدول منخفضة الدخل ضائقة ديون، بينما تواجه 33 في المائة أخرى مخاطر مرتفعة، وفق أليسون هولاند، نائبة مدير إدارة أفريقيا في صندوق النقد والمسؤولة عن العمل على الإطار الجديد.

وقالت هولاند إن الصدمات الاقتصادية الأخيرة عكست التحسن الذي شهدته أوضاع الديون منذ 2021، وأعادت عدد الدول التي تواجه مخاطر مرتفعة أو ضائقة ديون إلى مستويات ما قبل جائحة «كوفيد-19».

ويهدف الإطار المحدث إلى تحسين قدرة الصندوق والبنك الدولي على التمييز بين الدول التي تواجه بعض مخاطر ضغوط الدين وتلك التي تُعدّ ديونها غير مستدامة، من خلال تطوير قياس القدرة على تحمّل الدين وإضافة أدوات جديدة لتقييم المخاطر.

وقالت هولاند إن الهدف «عملي جداً»، ويتمثل في مساعدة الدول على تحديد مواطن الضعف في وقت أبكر وبدرجة أكبر من الدقة، بما يسمح لها باتخاذ قرارات أفضل بشأن التمويل والسياسات.

الدين المحلي والمناخ

توسّع المراجعة نطاق تحليل الديون ليشمل بصورة أكثر انتظاماً مخاطر الدين المحلي، في ظل تزايد أهمية الاقتراض المحلي في عدد من الدول منخفضة الدخل.

كما يأخذ الإطار الجديد في الحسبان التحديات طويلة الأجل، بما فيها احتياجات التنمية والتكيف مع تغير المناخ، لمساعدة الحكومات في تقدير المساحة المالية المتاحة للاستثمار، مع الحفاظ على استدامة الدين على المدى الطويل.

ويتضمن الإطار أيضاً وحدة جديدة لتحليل الآفاق طويلة الأجل، وحدوداً محددة لتقييم مخاطر الضغوط على إجمالي الدين العام، إلى جانب تطوير اختبارات الضغط وأدوات التحقق من واقعية التوقعات.

تشدد أكبر في بيانات الدين

تسعى الإصلاحات كذلك إلى رفع جودة البيانات المستخدمة في تقييمات استدامة الدين، بما في ذلك تحسين تغطية ديون المؤسسات المملوكة للدولة وزيادة الشفافية والموثوقية.

وأشارت المراجعة إلى أن التوقعات الاقتصادية قصيرة ومتوسطة الأجل المستخدمة في التحليلات كانت عموماً موثوقة، لكن بعض التوقعات طويلة الأجل للصادرات والإيرادات أظهرت ميلاً إلى التفاؤل، إلى جانب وجود فجوات في بيانات الدين.

وفي الوقت نفسه، أبقى الصندوق والبنك الدولي معدل الخصم عند 5 في المائة.

التطبيق في 2027

من المقرر أن يصبح الإطار الجديد نافذاً في النصف الثاني من 2027، بعد استكمال الإرشادات التشغيلية وتدريب فرق الصندوق والسلطات المعنية.

وقرر المجلس التنفيذي للصندوق، بصورة مؤقتة، عدم نشر حدود الاحتمالات المستخدمة في النماذج الجديدة لتحديد مخاطر عدم استدامة الدين، لإتاحة الوقت لاكتساب الخبرة بالمنهجية الجديدة وآليات التواصل بشأن نتائجها.

وكان إطار استدامة الدين للدول منخفضة الدخل قد أُطلق في 2005، وتؤكد المراجعة الأخيرة أنه نجح عموماً في رصد حالات ضائقة الدين قبل وقوعها ومساعدة الحكومات والدائنين في اتخاذ قرارات أفضل بشأن الاقتراض والإقراض.