«البكالوريا» يشعل شكوكاً ومخاوف لدى المصريين

تساؤلات برلمانية بشأن جاهزية تطبيق النظام الجديد

مقر وزارة التربية والتعليم في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة التربية والتعليم في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

«البكالوريا» يشعل شكوكاً ومخاوف لدى المصريين

مقر وزارة التربية والتعليم في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة التربية والتعليم في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

لا تخفي المصرية إيمان محمد قلقها مما قد يواجهه ابنها في «البكالوريا» الذي يقتحم قطاع التعليم مع العام الدراسي الجديد، الذي ينطلق الشهر المقبل.

ومنذ إعلان وزارة التربية والتعليم، الأسبوع الماضي، آليات تطبيق نظام البكالوريا، بدلاً من نظام «الثانوية العامة»، مع انطلاق العام الدراسي الجديد، لم تهدأ شكوك المصريين وجدلهم وتساؤلاتهم المتصاعدة بشأن مدى جاهزية المدارس والمُعلمين لهذا التحول.

وتطبق مصر «البكالوريا» هذا العام على طلاب المرحلة الثانوية، ويشمل الصف الثاني والثالث، بعد أن كانت تشتمل «الثانوية العامة» على الصف الثالث الثانوي فقط.

ويتيح النظام 4 مسارات للطالب، يختار واحداً منها، وهي الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، والأعمال، والآداب والفنون.

وتؤكد إيمان محمد أن نظام «البكالوريا» يكتفه غموض كبير، «ونحن متخوفون كثيراً منه، خصوصاً أن أولادنا شارفوا على الانتقال إلى المرحلة الجامعية بعد اجتياز المرحلة الثانوية».

حال الأم المصرية يتشابه مع كثيرات عبرن عن شكوك ومخاوف من عدم نجاح التجربة، عبر صفحاتهن على منصات التواصل الاجتماعي.

نائب يسأل عن التخبط

من جانبه، تقدم عضو مجلس النواب سمير البيومي بسؤال، الأحد، إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم بشأن ما وصفه بـ«حالة من الغموض والتخبط فيما يتعلق بنظام البكالوريا وانعكاسات ذلك على الطلاب وأولياء الأمور».

وأكد أن «حملات الترويج للنظام الجديد ركزت على مزاياه، في الوقت الذي لا يزال فيه عديد من التفاصيل محل تساؤل وغموض، فضلاً عن وجود شكاوى من ضغوط مورست على بعض الطلاب لاختيار النظام الجديد».

كما تحدث البيومي عن أن بعض المنصات التعليمية بدأت بالفعل في الإعلان عن تقديم «دروس خصوصية» لمواد جديدة ضمن «البكالوريا»، ما يثير مخاوف من ارتفاع تكلفة العملية التعليمية على الأسر.

«الدروس الخصوصية»

ويعتمد قطاعات واسعة من الطلاب، البالغ عددهم 32.9 مليون طالب في مراحل التعليم المختلفة، على «الدروس الخصوصية»، وترسخ ذلك مجتمعياً وثقافياً في وجدان كثير من الأسر منذ سنوات عديدة، ولم تُفلح الإجراءات الحكومية في مواجهتها، إلى أن أصبح هناك تعايش معها، رغم اتخاذ إجراءات إدارية بغلق «سناتر» وأخرى تتعلق بتوفير بديل للطلاب داخل المدرسة عبر «فصول التقوية» (حصص بمقابل مادي رمزي).

وزير التربية والتعليم خلال استعراض تفاصيل تطبيق نظام «البكالوريا» الأسبوع الماضي (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

«فُرص امتحانية»

واستعرض وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال مؤتمر صحافي، مساء الاثنين الماضي، آليات تطبيق نظام «البكالوريا»، التي تُلزم الطالب بأداء مجموعة من الأداءات والتقييمات الأسبوعية والشهرية والمهام والواجبات والمشروعات المرتبطة بالمناهج الدراسية، باعتبارها شرطاً لدخول الفرصة الامتحانية الأولى في امتحانات نهاية العام، على ألا تقل نسبة إنجاز الطالب عن 60 في المائة من إجمالي الأداءات والتقييمات المطلوبة في كل مادة دراسية.

وقال حينها إن هذا النظام الجديد يستهدف الانتقال إلى منظومة تقوم على المتابعة المستمرة لأداء الطالب وإنجازه داخل المدرسة، بما يتيح رصد تقدمه الدراسي بصورة أكثر شمولاً. وبيّن أن «تنفيذ منظومة التقييمات يخضع لآليات واضحة للمتابعة داخل المدرسة، مع وجود ما يثبت أداء الطالب للتقييمات والمهام المطلوبة منه، بما يضمن الشفافية والانضباط في تطبيق النظام».

لكن «طمأنة» وزارة التعليم بشأن «البكالوريا» لم تهدّئ الجدل والشكوك حول النظام الجديد، وبدا ذلك واضحاً من تدوينات لأولياء أمور على «السوشيال ميديا» خلال الأيام الماضية.

خلفيات الجدل

وهنا يتحدث الخبير التربوي عاصم حجازي عن حالة الجدل والشكوك المستمرة حول «البكالوريا». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك عدة أسباب تقف خلف هذا الجدل. منها حداثة النظام وارتباطه بأخطر حلقة من حلقات التعليم المصري (أي الثانوية العامة)، وكذا طرح النظام في البداية بشكل غير مكتمل، وبقدر أقل من الوضوح، وكذا اشتماله على إجراءات ومسميات جديدة لمواد غير معتادة، ما أثار تخوفات حول مستوى الصعوبة في هذه المواد، وأيضاً إلغاء بعض المواد».

جانب من تدريب «وزارة التعليم» للمُعلمين والموجهين استعداداً لتطبيق «البكالوريا» الاثنين الماضي (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

«مخاوف الأسر»

ويشير حجازي إلى أن «التساؤلات تصاعدت خلال الأيام الماضية حول (البكالوريا)، نظراً لأن كثيراً من النقاط الغامضة تثير شكوكاً بشأن جدواه وأهميته بالنسبة للطلاب، ومثل هذه النقاط ينبغي حسمها بشكل قاطع للقضاء على التوتر والقلق لدى الطلاب».

ويوضح أن «المخاوف تتزايد بشأن تطبيق (البكالوريا)، لأن الأسر تفضل الاستعداد مبكراً للثانوية العامة. والتأخر في إعلان التفاصيل وطرح المناهج يأتي مخالفاً لما اعتادت عليه الأسر».

ويشرح: «لا يكفي هنا الحديث عن جاهزية (وزارة التعليم)، إنما كان ينبغي طرح المناهج مبكراً؛ لكي يستفيد منها الطلاب، بعد الاطلاع عليها في اختيار المسار المناسب، وتستقر أوضاع الطلاب واختياراتهم».

ويختلف «البكالوريا» بشكل كامل عن نظام «الثانوية العامة»، كونه يمنح الطالب فرصتين للامتحان كل عام، على أن يكون دخول الفرصة الثانية بمقابل لكل مادة، بحد أقصى 200 جنيه (الدولار يساوي 50.8 جنيه) مع إمكانية دراسة الطالب مواد إضافية في أي مستوى، حال رغبته في تعدد المسارات بعد انتهاء المسار الأساسي، وتحديد الحد الأقصى لسنوات الدراسة للمرحلة الرئيسية ليكون 4 سنوات.

جولة لوزير التربية والتعليم بإحدى مدارس محافظة الشرقية في أبريل الماضي (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

«جاهزية المدارس»

في سياق ذلك، يطالب عضو مجلس النواب، أيمن محسب، في سؤال لوزير التربية والتعليم، بالكشف عن مدى جاهزية المدارس الحكومية المستهدفة بتطبيق «البكالوريا»، وأعداد المُعلمين الذين جرى تدريبهم فعلياً على نظام البكالوريا.

وتساءل عن الأساس العلمي والتربوي لقرار تخصيص 50 في المائة من امتحانات «البكالوريا» للأسئلة المقالية، و50 في المائة للاختيار من متعدد، وما إذا كانت الوزارة قد أجرت تجارب أو دراسات قبل تعميم النظام الجديد.

من جهتها، أعلنت «التعليم»، الخميس، إتاحة مناهج المواد الدراسية للصف الثاني لـ«البكالوريا» عبر الموقع الرسمي للوزارة.

وقال الخبير التربوي، رفعت فياض، إن نظام «البكالوريا» يأتي في إطار السعي لإعادة النظر في شكل «الثانوية العامة» وآليات التقييم والامتحانات، بما يساهم في تخفيف الأعباء عن الأسر.

وأبرز في تصريحات متلفزة، السبت، مميزات النظام الجديد، قائلاً: «أسهم في تقليل عدد المواد التي يدرسها الطالب، ما يساهم في تخفيف الضغط الناتج عن كثرة المواد». وأشار إلى أن «البكالوريا» تتيح للطلاب أكثر من فرصة لتحسين النتائج، بدلاً من ارتباط مستقبل الطالب بامتحان واحد، كما هو الحال في «الثانوية العامة».

ووسط استمرار المخاوف من تطبيق «البكالوريا»، يرى عاصم حجازي أنه «ينبغي على وزارة التعليم الآن شرح النقاط كافة المتعلقة بالدراسة والتقييم والتنسيق، وذلك من أجل تحقيق الوضوح الكافي لطمأنة الطلاب وأولياء الأمور».


مقالات ذات صلة

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

شمال افريقيا إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

تحظى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» بمتابعة عالية بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يتم تصويرها.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

تتوسع الحكومة المصرية في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء، بعد إعلان طرح 18 سلعة جديدة بدءاً من الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «حرص بلاده الدائم على أمن واستقرار العراق»، وذلك خلال استقباله رئيس «تيار الحكمة» العراقي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

تجاهل مصري لأنباء احتجاز 3 إسرائيليين في سيناء

تجاهلت مصر التعليق على ما تداولته تقارير عبرية منذ أيام حول القبض على 3 إسرائيليين حيث زعمت أن ذلك يرجع «لأسباب تخص الأمن القومي المصري»

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تلاسن مصري - إثيوبي متصاعد يفاقم نزاع «سد النهضة»

تلاسن حاد بين مصر وإثيوبيا على خلفية نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، مع رد إثيوبي لاذع رفضاً لعدّ القاهرة السد «غير شرعي»

محمد محمود (القاهرة)

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة تونسية بـ«مراجعة اتفاق الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)
وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي (أ.ف.ب)

شدّد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أثناء لقائه مع المفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا شويتسا، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي «بما يضفي عليها مزيداً من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، ولا سيما ما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة»، على ما أفاد بيان أصدرته «الخارجية» التونسية.

وأوضح البيان، أن اللقاء كان مناسبة «لتأكيد أهمية العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي وضرورة مواصلة تطويرها، في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندّية، وتراعي سيادة تونس وتحترم مؤسساتها الوطنية».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

كما تم التطرق إلى آفاق التعاون الأورومتوسطي، حيث أكّد الوزير التونسي «دعم بلاده لكل مبادرة من شأنها تعزيز الاندماج والتعاون في الفضاء المتوسطي، على أساس شراكة فعلية ومسؤولية مشتركة تراعي أولويات الدول الشريكة، وتأخذ بعين الاعتبار محورية القضية الفلسطينية التي تتطلب حلاً عادلاً وشاملاً ودائماً، لا يمكن في غيابه إرساء ركائز الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة في المنطقة».

وتناول اللقاء أيضاً ملف الهجرة والتنقل، حيث جدّد النفطي «تأكيد تمسّك تونس بمقاربة شاملة ومتوازنة للهجرة، تقوم على احترام حقوق الإنسان ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، مع مواصلة مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز مسارات التنقل والهجرة النظامية».

من ناحيتها، أوضحت المسؤولة الأوروبية «أنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبّرة عن الأمل في أن يشكّل مجلس الشراكة التونسية الأوروبية منطلقاً لهذه العلاقة».


انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
TT

انتخابات المغرب ترسم خريطة جديدة في البرلمان

فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)
فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر الخميس (أ.ف.ب)

رسمت الانتخابات التشريعية المغربية، التي جرت الأربعاء، خريطة حزبية جديدة في البرلمان، مع صعود حزب «الأصالة والمعاصرة» إلى المرتبة الأولى، وتراجع «التجمع الوطني للأحرار والاستقلال»، مقارنةً بنتائج انتخابات 2021، مقابل عودة قوية لحزب «العدالة والتنمية» إلى الواجهة.

وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعداً، يليه «التجمع الوطني للأحرار» بـ66 مقعداً، ثم «الاستقلال» بـ65، فيما حل «العدالة والتنمية» رابعاً بـ54 مقعداً. وتوزعت المقاعد الأخرى على «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و«الحركة الشعبية» و«التقدم والاشتراكية» و«الاتحاد الدستوري». وبلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة.

ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع، برز اسمان داخل «الأصالة والمعاصرة» في النقاش غير الرسمي بشأن رئاسة الحكومة المقبلة، هما: فوزي لقجع، وفاطمة الزهراء المنصوري.


«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».