«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

ذاكرة الحرب تستعيد وجوه مَن غابوا بلا أثر

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
TT

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

من أسفل مبنى بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت، يحتاج المرء إلى أن يبتعد قليلاً كي يرى الإنسان. تتجمَّع مئات المربّعات الملوَّنة فوق الجدار، ويخرج منها وجه وهيئة بشرية تبدوان لوهلة واضحتين. لكنْ ما إنْ يقترب حتى يبدأ كلّ شيء في التفتُّت. الوجه الذي ظنَّ أنه أمسك بملامحه يعود ألواناً متناثرة، والإنسان الذي كان هناك منذ ثوانٍ يصبح عصياً على التحديد.

الفقد أن يبقى المكان وينقصه صاحبه (الشرق الأوسط)

هذه المسافة بين أن ترى شخصاً ثم تفقده هي الفكرة التي اختارها الفنان الغرافيتي سبازونو لجدارية المفقودين التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا. وتحت الصورة، تختصر عبارة ما عجزت عقود عن إغلاقه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». فالاختفاء يحدُث مرة، أما الافتقاد فيتكرَّر بلا توقُّف.

كُشفت الجدارية بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وقبيل اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً في 30 أغسطس (آب) الحالي. وحضر المناسبة ممثّلون عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب شخصيات وفنانين وإعلاميين وشركاء في القضية.

مربّعات تتّحد لتصنع ملامح الغياب (الشرق الأوسط)

يقوم العمل الفنّي على خدعة بصرية مؤلمة في معناها. من بعيد، تبدو الهيئة البشرية شبه مُكتملة، كأنّ الذاكرة استطاعت أخيراً جَمْع أجزاء الشخص الغائب. ومع الاقتراب، تفقد الملامح تماسكها وتتحوّل إلى وحدات لونية منفصلة، فتنسحب الصورة من العين في اللحظة التي تعتقد فيها أنها أصبحت في متناولها.

في الرؤية المرافقة للعمل، يصبح هذا التحوّل صورة لتجربة عاشتها عائلات كثيرة في لبنان. فالأثر يظهر والرواية تُسمَع ومعلومة تفتح باباً، ثم يعود اليقين إلى التلاشي. وما بدا قريباً من الوضوح يستحيل مرة أخرى حالة ضبابية.

عيون شابّة ترسم انتظاراً سبقها بسنوات (الشرق الأوسط)

والجدارية مختلفة وفق موقع الناظر منها. تحتاج إلى المسافة كي ترى الشخص، وتحتاج إلى القُرب كي تدرك أنك عاجز عن رؤيته كلّياً. وقد أنجزها الفنان مُستلهماً مشروعاً شارك فيه طلّاب التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الأميركية، دعتهم خلاله اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى قراءة قصص المفقودين وتحويلها إلى صور. وجاءت الأعمال الطلابية كأنها مسودات متعدّدة للغياب، لكلّ منها لغتها مع احتفاظ الوجع بحدّته.

في أحد الرسوم، اختارت آية لبّان السؤال اللبناني الأكثر التصاقاً بالقضية: «وينن؟». سؤال حملته أمهات وزوجات وأبناء على مدى سنوات، وبقي أطول عمراً من كثير من الأجوبة التي وُعدوا بها. الأعمال جميعها لا تتعامل مع المفقود على أنه رقم في ملف منسيّ. تُعيده إلى حقيبته وقميصه ومسبحته وكرسيه، وإلى أفراد عائلته الذين ما زالوا يتركون له مكاناً في حياتهم.

وداد حلواني أمام حكاية تعرفها منذ عقود (الشرق الأوسط)

هذا المعنى حملته رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني، التي أعادت خلال المناسبة التذكير بمسيرة تمتدّ على نحو 4 عقود ونصف العقد من المطالبة بمعرفة مصير الأحبّة. وترى أنّ حقّ العائلات في المعرفة يتجاوز أصحاب القضية، فهو حقّ إنساني يرتبط بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه والتعلُّم منه، وعلى منع تكرار ما حدث.

كلمة حلواني تستعيد تاريخاً صنعته العائلات قبل أن تصنعه المؤسّسات. فالقضية بقيت حيّة لأنّ أمهات وزوجات وأبناء رفضوا أن يتحوّل غياب أحبّائهم إلى صفحة مطويّة، وحملوا الصور والأسماء والأسئلة من شارع إلى آخر، ومن اعتصام إلى آخر، طوال سنوات تغيَّر خلالها لبنان مرات كثيرة وبقي الانتظار على حاله.

جيل جديد يحمل سؤالاً أقدم منه (الشرق الأوسط)

من جهته، أشار رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً القاضي جوزف سماحة إلى الصعوبات والمعضلات التي تعترض عمل الهيئة، وإلى أهمية تعاون الجهات الرسمية والعاملين في المجالات العامة والاجتماعية والإنسانية في لبنان وخارجه. ورأى أنّ تنسيق هذه الجهود يُشكل دعماً أساسياً لمهمّة البحث عن مصيرهم.

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان يان ميسكوك أعاد بدوره تأكيد استمرار عمل اللجنة إلى جانب عائلات المفقودين، بعد عقود من مرافقتها في البحث عن الإجابات، مشيراً إلى أنّ هذا المسار يتواصل بالتعاون مع العائلات ولجنة الأهالي والهيئة الوطنية.

أسماء غابت وظلّت أماكنها دافئة (الشرق الأوسط)

اختيار جدار كبير في الحمرا لهذه القضية يُضيف إلى العمل دلالة. فالمفقود يخرج من الأرشيف والوثيقة والصورة العائلية إلى يوميات المدينة. يراه المارّ إلى عمله والطالب وسائق السيارة، ومَن يعرف الحكاية ومَن وُلد بعد انتهائها بسنوات. مَهمّة الفنّ في هذه الحالة أن يمنع الأثر من الاختفاء.

فنانون وإعلاميون وإنسانيون حضروا من أجل مَن غابوا (الجهة المنظّمة)

لهذا كانت المربّعات التي تتفتَّت منها هيئة الإنسان أكثر تعبيراً من صورة مُكتَملة. ففي قضية المفقودين اللبنانيين، تملك العائلات شذرات كثيرة، من صورة أخيرة وتاريخ ورواية سمعها أحدهم وشاهد رَحَلَ، واسم وَرَدَ في مكان ما. تنقصها القطعة التي تجعل كلّ ذلك حقيقة يمكن الإمساك بها.

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب. ومع ذلك بقيت الأشياء معلَّقة في مكانها، من قميص في خزانة، إلى صورة على جدار واسم في بيت. لهذا تبقى العبارة أسفل الجدارية بعد انتهاء الكلام كلّه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». كأنّ الغياب مهما طال لا يتعلَّم كيف يصبح ماضياً.


مقالات ذات صلة

مشاجرة أسرة حسام حسن تثير استياءً وانتقادات بمصر

يوميات الشرق حسام حسن وزوجته الثانية دان (فيسبوك)

مشاجرة أسرة حسام حسن تثير استياءً وانتقادات بمصر

بعد نحو شهر من تصدر اسم حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، المشهد الرياضي، إثر قيادته «الفراعنة» في كأس العالم، عاد اسمه للصدارة في مشاجرة.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق ضبط مصنع بسكويت يستخدم الفحم لتلوين البسكويت (محافظة القليوبية على «فيسبوك»)

ضبط مصنع يلوّن البسكويت بالفحم الأسود يثير قلقاً في مصر

أثارت واقعة ضبط أحد مصانع إنتاج «البسكويت» بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) يستخدم الفحم الأسود بدلاً من الشوكولاته قلقاً واسعاً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق  المولات التجارية بالقاهرة تشهد زخماً في الزوار (إكس)

واقعة بمول تجاري في مصر تثير جدلاً حول الصلاة بالأماكن العامة

أثارت واقعة منع سيدتين من الصلاة في مطعم بأحد المراكز التجارية بالقاهرة الكبرى، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المذيعة المصرية سارة خليفة (منصة إكس)

سارة خليفة تجدد سيرة مشاهير مصريين واجهوا الإعدام

أعاد قرار إحالة أوراق المذيعة المصرية سارة خليفة إلى مفتي الجمهورية في القضية المعروفة إعلامياً بـ«المخدرات الكبرى» إلى الأذهان عدداً من القضايا.

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)

«215»... شهادات الاعتقال تُروَى بلغة الظلّ والحكاية

تستخدم ديمة نشاوي الرسم والتحريك ومسرح الدمى والحكي لتمنح الذاكرة شكلاً يمكن تداوله وحَمْله...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
TT

تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

خلال سنوات قليلة، شهد المشهد الفني السعودي قفزة استثنائية تجاوزت المفهوم التقليدي للفنون التشكيلية، حيث لم تعد اللوحات في السعودية مجرد ألوان معلقة على جدران المعارض المغلقة، بل أصبحت لغة حية تتحدث بها شوارع الرياض، ومساحات العلا، ومنصات الفن العالمية.

وشهدت السعودية تحولات نوعية في قطاع الفنون البصرية، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

واستعرضت هيئة الفنون البصرية في أحدث تقرير لها، أبرز ما تحقق من برامج ومبادرات أسهمت في دعم قطاع الفنون البصرية وتعزيز حضور الممارسين من السعودية محليًّا ودوليًّا.

ويعكس التقرير الحديث، حجم النشاط والحيوية اللذين يتمتع بهما قطاع الفنون البصرية منذ أطلقت السعودية العنان لفعاليتها الثقافية التي بنت على تاريخ من جهود الفنانين السعوديين الذين شقوا بمبادراتهم الفردية الطريق لهذا القطاع، ونقلوا بإبداعاتهم وإنتاجهم الحضور السعودي من المحلية إلى آفاق أبعد.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن القطاع في السعودية يواصل مسيرته نحو مزيد من النمو والازدهار، مدفوعاً برؤية طموحة تسعى إلى تمكين المبدعين وتعزيز حضور الفنون البصرية السعودية على المستويين المحلي والعالمي.

وأكدت دينا، في كلمتها ضمن التقرير، أن هيئة الفنون البصرية تدعم منظومة الفنون وتطويرها عبر إطلاق المبادرات النوعية، وبناء البرامج التي تسهم في تعزيز حضور الإبداع السعودي في المشهد الثقافي المعاصر.

لا تزال أصداء ضربات فُرش الرواد تتردد في أروقة الفن السعودي (هيئة الفنون البصرية)

تطوير الكتب في قطاع الفنون البصرية

في أحدث تقرير لها، كشفت هيئة الفنون البصرية عن الاستثمار في مبادرات النشر وإنتاج المعرفة التي تسهم في توثيق الممارسات الفنية، وحفظ التاريخ الثقافي، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة المتخصصة في الفنون البصرية للفنانين والباحثين والطلاب والجمهور العام.

وتسهم إصدارات الهيئة في تعزيز البنية المعرفية للقطاع من خلال توثيق النمو المتسارع للفنون البصرية في السعودية، ودعم التعليم الفني، وحفظ قصص وتجارب الفنانين من مختلف مناطق البلاد، بما يثري المحتوى الثقافي ويعزز استدامة المعرفة الفنية للأجيال القادمة.

ومن أحدث الإصدارات التي استعرضها التقرير، كتاب «الفن السعودي: قراءات في وسائط التعبير الحديثة والمعاصرة» وشارك في تحريره كل من منال خضير، وناتالي أيوب، ود. خالد الغازي، ونشر في سنة 2025.

ويستعرض هذا الإصدار التحولات التي شكّلت مسار الفنون البصرية في السعودية منذ خمسينيات القرن الماضي، مسلطاً الضوء على التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني المحلي.

ومن خلال مساهمات لفنانين وأكاديميين ومؤرخين وقيمين فنيين وممارسين ثقافيين، يوثق الكتاب تطور الحركة الفنية السعودية ويقدّم قراءات متعددة لمساراتها وتحولاتها.

وبالجمع ما بين التحليل النقدي والتأملات الشخصية، يقدّم الإصدار رؤية متعمّقة في ثراء وتنوع الفنون البصرية السعودية وتعقيداتها، بما يسهم في إثراء البحث والمعرفة المتخصصة، وتعزيز الحوار النقدي، وتوسيع فهم المشهد الفني في السعودية وتطوره المستمر.


روما ليلاً... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
TT

روما ليلاً... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)

لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في إيطاليا مجرد تحدٍ يواجه السكان في أشهر الصيف، بل بدأ يغيّر أيضاً عادات السياح وطريقة إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. ومع وصول الحرارة في روما إلى نحو 40 درجة مئوية، تتجه المتاحف والمواقع الأثرية إلى حل بسيط وعملي: نقل جزء من النشاط السياحي من ساعات النهار إلى الليل. وفقاً لصحيفة «التايمز».

فمع اشتداد موجات الحر وتكرارها، أصبح التجول بين الآثار المفتوحة تحت الشمس تجربة مرهقة، وأحياناً خطرة، بالنسبة إلى الزوار. وفي المقابل، توفر ساعات المساء طقساً أكثر اعتدالاً، وتمنح المدن التاريخية فرصة لاستقبال السياح من دون تعريضهم لحرارة منتصف النهار.

ويبرز الكولوسيوم في روما نموذجاً لهذا التكيف. فقد ضاعفت السلطات هذا الصيف عدد الليالي التي يظل فيها الموقع مفتوحاً حتى الساعة 11 مساءً، من ليلتين إلى أربع ليالٍ أسبوعياً. وقال سيموني كويليتشي، مدير الكولوسيوم، إن جميع التذاكر نفدت، مشيراً إلى أن الأجواء ليلاً «أكثر اعتدالاً» و«أكثر هدوءاً».

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم خلال هذا الصيف وذلك لإتاحة الفرصة لمزيد من الزوار لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في أجواء أكثر برودة (أ.ف.ب)

ونجاح التجربة دفع المسؤولين إلى التفكير في تمديد ساعات الزيارة الليلية حتى سبتمبر (أيلول)، في مؤشر إلى أن فتح المواقع الأثرية ليلاً قد يتحول من إجراء استثنائي خلال موجات الحر إلى جزء دائم من إدارة السياحة في إيطاليا.

ولا يقتصر التغيير على الكولوسيوم. ففي قلب روما، يفتح «البانثيون»، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، أبوابه حتى الساعة 11 مساءً في معظم ليالي أغسطس (آب). كما تستقبل حمامات كاراكلا الزوار حتى الساعة 10:45 مساءً في ليالٍ محددة، بينما يستعد هرم سيستيوس لفتح أبوابه ليلاً للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول). ويستقبل مجمع فيتوريوانو الزوار حتى الساعة 11:30 مساءً في أيام محددة.

وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر من تأثير تغير المناخ: فهو لا يفرض فقط البحث عن وسائل لحماية الناس من الحرارة، بل يدفع قطاعات كاملة إلى إعادة تنظيم أنشطتها لتتناسب مع مناخ أكثر سخونة.

يتحدث سيمون كويليتشي مدير حديقة الكولوسيوم الأثرية خلال مقابلة مع زوار يشاركون في جولة ليلة في الكولوسيوم، لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في درجات حرارة أكثر برودة بعد غروب الشمس (أ.ف.ب)

ويبدو ذلك واضحاً في المنتدى الروماني، حيث بدأت تنظيم زيارات ليلية. وقال مسؤول في روما إن الموقع «يتحول إلى فرن حقيقي في الصيف»، نظراً إلى افتقاره للأشجار والظلال، بينما يعكس الرخام الأبيض الحرارة مباشرة على الزوار.

وفي مدن إيطالية أخرى، تظهر حلول مشابهة. ففي البندقية، اعتادت المتاحف تمديد ساعات استقبال الزوار خلال الصيف حتى الساعة 11 مساءً. وفي بومبي، تتيح السلطات هذا العام زيارات مسائية حتى أكتوبر (تشرين الأول). أما في فلورنسا، فيفتح «ممر فاساري» في معرض أوفيتزي أبوابه ليلاً مرة أسبوعياً خلال الصيف.

ولا يتعلق الأمر براحة السياح فقط. فوزير السياحة الإيطالي جانماركو ماتسي يرى أن الزيارات المسائية تساعد أيضاً على توزيع أعداد السياح على ساعات اليوم، في وقت تشهد فيه البلاد إقبالاً سياحياً كبيراً، كما أن إضاءة المواقع الأثرية ليلاً تضيف تجربة مختلفة، وتمنح المدن التاريخية حياة جديدة بعد غروب الشمس، لكن العامل المناخي يبقى الدافع الأبرز. فقد أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً في جنوب أوروبا، فيما تشهد إيطاليا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، بالتزامن مع تسجيل مياه البحر المتوسط مستويات قياسية.

ويرى سيموني فيردي، مدير معرض أوفيتزي، أن هذه الظروف قد تؤدي إلى تغيير أكبر في خريطة السياحة الإيطالية خلال السنوات المقبلة، متوقعاً «إعادة توزيع جذرية للزوار على مدار العام»، مع تفضيل فترات أخرى غير فصل الصيف.

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم وهي جولة بصحبة مرشد في المدرج الروماني القديم تستغرق حوالي 60 دقيقة. (أ.ف.ب).

وبالنسبة إلى مرشدي السياح، لم تعد الحرارة مجرد إزعاج يمكن تحمله. تقول إحدى المرشدات إنها تضطر أحياناً إلى إدخال مجموعاتها إلى الكنائس بعد جولات طويلة تحت الشمس، حتى يحصل الزوار على فرصة للراحة واستعادة نشاطهم. وتقول: «إنها مسألة بقاء؛ هكذا أحافظ على سلامة زواري».

وهكذا، يبدو أن تغير المناخ بدأ يعيد كتابة جدول السياحة في إيطاليا. فبدلاً من إغلاق المواقع الأثرية أمام حرارة النهار، تتجه البلاد إلى نقل جزء من تجربتها السياحية إلى الليل، في محاولة للتكيف مع صيف أكثر حرارة، والحفاظ في الوقت نفسه على تدفق الزوار إلى مدنها وآثارها.


جناية صنعت أيقونة العالم... كيف حوَّل سارق الموناليزا اللوحة إلى أسطورة عالمية؟

صورة مركبة لسارق الموناليزا
صورة مركبة لسارق الموناليزا
TT

جناية صنعت أيقونة العالم... كيف حوَّل سارق الموناليزا اللوحة إلى أسطورة عالمية؟

صورة مركبة لسارق الموناليزا
صورة مركبة لسارق الموناليزا

في صباح الحادي والعشرين من أغسطس (آب) عام 1911. لم يكن متحف اللوفر في باريس يعلم أنه على موعد مع حادثة ستعيد تشكيل الوعي الثقافي العالمي بأكمله.

في ذلك الفجر الهادئ، كانت قاعة «الصالون المربع» تضم لوحة صغيرة نسبياً، لم تكن تحظى بحراسة مشددة، ولم تكن حتى اللوحة الأكثر جلباً للزوار في المتحف.

كانت لوحة الموناليزا، أو «اللاجوكوندا» للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي، معلقة بين روائع الفن الكلاسيكي، تنظر بابتسامتها الغامضة إلى جدران صامتة. لكن، مع حلول المساء، اختفت اللوحة، وترك السارق وراءه أربعة مسامير حديدية وفراغاً زمنياً امتد لعامين، لتبدأ من تلك اللحظة بالذات الرحلة الأسطورية لأشهر لوحة في تاريخ البشرية.

لم يكن غياب اللوحة مجرد خسارة فنية، بل كان الشرارة الأولى لولادة ظاهرة إعلامية عابرة للقارات، صنعت من تحفة دا فينشي أيقونة لا تُقدّر بثمن.

الخطة البسيطة التي هزت عرش فرنسا

لم يكن السارق عبقرياً في الإجرام الدولي، بل كان رجلاً بسيطاً يُدعى فينسينزو بيروجيا، وهو عامل زجاج إيطالي كان قد وُظف في اللوفر لتركيب واجهات زجاجية واقية لبعض اللوحات.

في يوم الأحد، دخل بيروجيا إلى المتحف بملابس العمل البيضاء، واختبأ في خزانة صغيرة للمعدات حتى صباح اليوم التالي، وهو يوم الاثنين الذي يغلق فيه المتحف أبوابه أمام الجمهور للصيانة.

خرج بيروجيا من مخبئه، وتوجه بثبات نحو الموناليزا، وفكَّها عن الجدار، ثم اقتادها إلى درج خلفي حيث نزع إطارها الخشبي الثقيل، ولف اللوحة بقماش، وخرج بها ببساطة من الباب الرئيسي للمتحف، بعد أن ساعده أحد العمال في فتح الباب السري، دون أن يشك في أمره.

فينسينزو بيروجيا سارق الموناليزا (ويكيبيديا)

الغريب في الأمر أن إدارة المتحف لم تكتشف السرقة إلا في اليوم التالي، عندما لاحظ أحد الرسامين الهواة فراغ الجدار، ظناً منه أن اللوحة نُقلت لالتقاط صور فوتوغرافية لغايات التوثيق، قبل أن يدرك الجميع الكارثة بعد مرور أكثر من أربع وعشرين ساعة على خروجها.

الهوس الإعلامي الذي طاف بالعالم

فينسينزو بيروجيا سارق الموناليزا (ويكيبيديا)

استيقظت باريس، ومن بعدها العالم، على عناوين صحافية مشتعلة بصدمة غير مسبوقة. تحولت قضية اختفاء الموناليزا إلى مادة دسمة للصحافة العالمية؛ حيث تصدرت صور اللوحة الصفحات الأولى لأسابيع طويلة، وضاعفت الصحف الفرنسية، مثل «لو باريزيان» من مبيعاتها، عبر نشر تفاصيل التحقيقات اليومية. امتدَّت الشكوك لتشمل شخصيات بارزة في المجتمع الثقافي الباريسي؛ حيث استجوبت الشرطة الشاعر الشهير غيوم أبولينير والرسام الشاب بابلو بيكاسو، مما أضفى طابعاً درامياً وهوليوودياً على القضية.

ولعل المفارقة الكبرى في تاريخ هذه الشهرة تكمن في أن آلاف الزوار تدفقوا إلى متحف اللوفر خلال الأسابيع التي تلت السرقة، ليس لمشاهدة الفن، بل للنظر إلى الفراغ الذي تركته اللوحة على الجدار وبكاء الفن المفقود، في مظاهرة شعبية حولت اللوحة من مجرد عمل فني نخبوي إلى ملكية عامة في وجدان الشعوب.

لوحة «الموناليزا» (إ.ب.أ)

فخ فلورنسا والعودة المظفرة

ظل بيروجيا يحتفظ باللوحة في شقته المتواضعة في باريس داخل صندوق خشبي ذي قاع مزدوج لأكثر من عامين، وسط ذهول السلطات وعجزها عن الوصول إليه، رغم أنه استجوب في بداية القضية كأحد العمال.

في أواخر عام 1913، اعتقد السارق أن الأجواء قد هدأت، وقرر العودة باللوحة إلى موطنها الأصلي إيطاليا، مدفوعاً بنزعة وطنية ساذجة؛ حيث كان يرى أن اللوحة نهبتها جيوش نابليون بونابرت، ويجب أن تعود لفلورنسا.

تواصل بيروجيا مع تاجر تحف إيطالي يُدعى ألفريدو جيري، وعرض عليه بيع اللوحة مقابل نصف مليون ليرة إيطالية (ما يقارب 2.2 مليون يورو إلى 2.5 مليون يورو حالياً)، بشرط أن تُعرض في المعارض الإيطالية.

شعر التاجر بالريبة، واستدعى مدير معرض أوفيزي، وعندما فحصا اللوحة في غرفته بالفندق وتأكدا من ختم متحف اللوفر الأصلي في الخلف، تظاهرا بالموافقة، ثم أبلغا الشرطة التي ألقت القبض على بيروجيا على الفور، في ديسمبر (كانون الأول) 1913.

عودة الموناليزا في يناير 1914 إلى مكانها في اللوفر وسط استقبال رسمي شعبي (ويكيبيديا)

الخلود السريالي في وعي البشرية

بعد العثور عليها، لم تعد الموناليزا مباشرة إلى باريس، بل طافت في رحلة وداعية تاريخية شملت روما وفلورنسا وميلانو؛ حيث احتشد مئات الآلاف من الإيطاليين لإلقاء نظرة على السيدة التي هزَّت العالم، قبل أن تعود في يناير 1914 إلى مكانها في اللوفر، وسط استقبال رسمي شعبي يليق بالملوك.

هذه الحادثة التاريخية لم تكن مجرد جريمة عابرة، بل كانت إعادة ولادة للموناليزا، فلولا العامان اللذان قضتهما اللوحة في الخفاء، ولولا ملايين الكلمات التي كُتبت عنها في الصحف العالمية، لربما ظلت مجرد لوحة رائعة أخرى في ممرات اللوفر.

بطاقة الهوية الجنائية الفرنسية وعينات البصمات الخاصة بالعامل الإيطالي فينسينزو بيروجيا، الذي نفّذ «سرقة القرن» واختطف الموناليزا من اللوفر عام 1911 (ويكيبيديا)

حكم القضاء الإيطالي على السارق بيروجيا بالسجن لسبعة أشهر فقط، تعاطفاً مع دافعه الوطني، ما منح دا فينشي دون قصد أعظم حملة تسويقية في التاريخ الحديث، لتصبح تلك الابتسامة الغامضة وجهاً للفن الإنساني بأكمله.