«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

ذاكرة الحرب تستعيد وجوه مَن غابوا بلا أثر

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
TT

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

من أسفل مبنى بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت، يحتاج المرء إلى أن يبتعد قليلاً كي يرى الإنسان. تتجمَّع مئات المربّعات الملوَّنة فوق الجدار، ويخرج منها وجه وهيئة بشرية تبدوان لوهلة واضحتين. لكنْ ما إنْ يقترب حتى يبدأ كلّ شيء في التفتُّت. الوجه الذي ظنَّ أنه أمسك بملامحه يعود ألواناً متناثرة، والإنسان الذي كان هناك منذ ثوانٍ يصبح عصياً على التحديد.

الفقد أن يبقى المكان وينقصه صاحبه (الشرق الأوسط)

هذه المسافة بين أن ترى شخصاً ثم تفقده هي الفكرة التي اختارها الفنان الغرافيتي سبازونو لجدارية المفقودين التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا. وتحت الصورة، تختصر عبارة ما عجزت عقود عن إغلاقه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». فالاختفاء يحدُث مرة، أما الافتقاد فيتكرَّر بلا توقُّف.

كُشفت الجدارية بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وقبيل اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً في 30 أغسطس (آب) الحالي. وحضر المناسبة ممثّلون عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب شخصيات وفنانين وإعلاميين وشركاء في القضية.

مربّعات تتّحد لتصنع ملامح الغياب (الشرق الأوسط)

يقوم العمل الفنّي على خدعة بصرية مؤلمة في معناها. من بعيد، تبدو الهيئة البشرية شبه مُكتملة، كأنّ الذاكرة استطاعت أخيراً جَمْع أجزاء الشخص الغائب. ومع الاقتراب، تفقد الملامح تماسكها وتتحوّل إلى وحدات لونية منفصلة، فتنسحب الصورة من العين في اللحظة التي تعتقد فيها أنها أصبحت في متناولها.

في الرؤية المرافقة للعمل، يصبح هذا التحوّل صورة لتجربة عاشتها عائلات كثيرة في لبنان. فالأثر يظهر والرواية تُسمَع ومعلومة تفتح باباً، ثم يعود اليقين إلى التلاشي. وما بدا قريباً من الوضوح يستحيل مرة أخرى حالة ضبابية.

عيون شابّة ترسم انتظاراً سبقها بسنوات (الشرق الأوسط)

والجدارية مختلفة وفق موقع الناظر منها. تحتاج إلى المسافة كي ترى الشخص، وتحتاج إلى القُرب كي تدرك أنك عاجز عن رؤيته كلّياً. وقد أنجزها الفنان مُستلهماً مشروعاً شارك فيه طلّاب التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الأميركية، دعتهم خلاله اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى قراءة قصص المفقودين وتحويلها إلى صور. وجاءت الأعمال الطلابية كأنها مسودات متعدّدة للغياب، لكلّ منها لغتها مع احتفاظ الوجع بحدّته.

في أحد الرسوم، اختارت آية لبّان السؤال اللبناني الأكثر التصاقاً بالقضية: «وينن؟». سؤال حملته أمهات وزوجات وأبناء على مدى سنوات، وبقي أطول عمراً من كثير من الأجوبة التي وُعدوا بها. الأعمال جميعها لا تتعامل مع المفقود على أنه رقم في ملف منسيّ. تُعيده إلى حقيبته وقميصه ومسبحته وكرسيه، وإلى أفراد عائلته الذين ما زالوا يتركون له مكاناً في حياتهم.

وداد حلواني أمام حكاية تعرفها منذ عقود (الشرق الأوسط)

هذا المعنى حملته رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني، التي أعادت خلال المناسبة التذكير بمسيرة تمتدّ على نحو 4 عقود ونصف العقد من المطالبة بمعرفة مصير الأحبّة. وترى أنّ حقّ العائلات في المعرفة يتجاوز أصحاب القضية، فهو حقّ إنساني يرتبط بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه والتعلُّم منه، وعلى منع تكرار ما حدث.

كلمة حلواني تستعيد تاريخاً صنعته العائلات قبل أن تصنعه المؤسّسات. فالقضية بقيت حيّة لأنّ أمهات وزوجات وأبناء رفضوا أن يتحوّل غياب أحبّائهم إلى صفحة مطويّة، وحملوا الصور والأسماء والأسئلة من شارع إلى آخر، ومن اعتصام إلى آخر، طوال سنوات تغيَّر خلالها لبنان مرات كثيرة وبقي الانتظار على حاله.

جيل جديد يحمل سؤالاً أقدم منه (الشرق الأوسط)

من جهته، أشار رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً القاضي جوزف سماحة إلى الصعوبات والمعضلات التي تعترض عمل الهيئة، وإلى أهمية تعاون الجهات الرسمية والعاملين في المجالات العامة والاجتماعية والإنسانية في لبنان وخارجه. ورأى أنّ تنسيق هذه الجهود يُشكل دعماً أساسياً لمهمّة البحث عن مصيرهم.

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان يان ميسكوك أعاد بدوره تأكيد استمرار عمل اللجنة إلى جانب عائلات المفقودين، بعد عقود من مرافقتها في البحث عن الإجابات، مشيراً إلى أنّ هذا المسار يتواصل بالتعاون مع العائلات ولجنة الأهالي والهيئة الوطنية.

أسماء غابت وظلّت أماكنها دافئة (الشرق الأوسط)

اختيار جدار كبير في الحمرا لهذه القضية يُضيف إلى العمل دلالة. فالمفقود يخرج من الأرشيف والوثيقة والصورة العائلية إلى يوميات المدينة. يراه المارّ إلى عمله والطالب وسائق السيارة، ومَن يعرف الحكاية ومَن وُلد بعد انتهائها بسنوات. مَهمّة الفنّ في هذه الحالة أن يمنع الأثر من الاختفاء.

فنانون وإعلاميون وإنسانيون حضروا من أجل مَن غابوا (الجهة المنظّمة)

لهذا كانت المربّعات التي تتفتَّت منها هيئة الإنسان أكثر تعبيراً من صورة مُكتَملة. ففي قضية المفقودين اللبنانيين، تملك العائلات شذرات كثيرة، من صورة أخيرة وتاريخ ورواية سمعها أحدهم وشاهد رَحَلَ، واسم وَرَدَ في مكان ما. تنقصها القطعة التي تجعل كلّ ذلك حقيقة يمكن الإمساك بها.

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب. ومع ذلك بقيت الأشياء معلَّقة في مكانها، من قميص في خزانة، إلى صورة على جدار واسم في بيت. لهذا تبقى العبارة أسفل الجدارية بعد انتهاء الكلام كلّه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». كأنّ الغياب مهما طال لا يتعلَّم كيف يصبح ماضياً.


مقالات ذات صلة

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

يوميات الشرق مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

بعد مرور نحو أسبوع على قرار محافظتي القاهرة والجيزة بحظر سير مركبات «التوك توك» بمحاور وشوارع رئيسية فيهما، يبدو أن القرار لم يلقَ استجابة كاملة.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق جمهور يتعلّم الخروج عن المألوف (متروبوليس)

«متروبوليس»... 20 عاماً من المشاكسة السينمائية

ما يبدو برنامجاً طبيعياً في إحدى السينماتيك الأوروبية، هو في بيروت حدث يستحقّ التوقّف عنده...

فاطمة عبد الله (بيروت)
شمال افريقيا المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

قضت المحكمة العسكرية في تونس بسجن المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي، أربع سنوات بتهم متعددة، من بينها «التآمر على أمن الدولة».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

جدل في مصر حول ألقاب السيسي

أثار إطلاق لقب «فخامة الرئيس الزعيم» على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوسائل إعلام محلية محسوبة على الدولة ردود فعل متباينة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.