قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

يوم سقطت باريس في فخ «الحل الأخير»

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


مقالات ذات صلة

إرجاء مباراة باريس سان جيرمان وليون بسبب احتجاجات باريس

رياضة عالمية  باريس سان جيرمان سيواجه ليون الاثنين بدلاً من الأحد (أ.ف.ب)

إرجاء مباراة باريس سان جيرمان وليون بسبب احتجاجات باريس

أُرجئت مباراة القمة بين باريس سان جيرمان، حامل اللقب، وليون، ضمن المرحلة الثامنة من الدوري الفرنسي لكرة القدم، من الأحد إلى الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا مسدس يطلق رذاذ الفلفل المسيل للدموع وبجانبه قذيفتان كما يظهر في محل لبيع الأسلحة في باريس (أ.ف.ب) p-circle

باريس... تجار يتسلحون وآخرون لا يتوقعون تكرار الفوضى

قال إيف غوليه، الذي يملك متجر أسلحة في باريس، إن مبيعاته ازدادت «أكثر من عشر مرات» بعد أعمال النهب والتخريب التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك ذبابة من نوع «كوليكويدس» (الهاموش القارض) تحت المجهر المتهم الأول والناقل الرئيسي لفيروس «شاموندا» الناشئ في أوروبا (معهد بيربرايت)

بعد وفاة أول حالة في فرنسا... ما فيروس شاموندا وكيف ينتقل إلى البشر؟

وفاة أول إصابة بشرية بفيروس شاموندا في فرنسا تثير قلقاً صحياً، حيث ينتقل عبر لدغات الحشرات ويهدد الفئات المصابة بنقص حاد في المناعة.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية دعا إنريكي إلى عدم المبالغة في الحديث عن حظوظ باريس سان جيرمان (أ.ف.ب)

إنريكي بعد إسقاط برشلونة: أملك أفضل لاعبي العالم

أكد لويس إنريكي، مدرب باريس سان جيرمان، ثقته الكبيرة في لاعبيه، عقب الفوز على برشلونة 4 - 2، الثلاثاء، في دوري أبطال أوروبا.

شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عالمية الفريق عانى على المستوى الدفاعي (إ.ب.أ)

حسابات الكلاسيكو أثرت في خيارات هانزي فليك أمام باريس سان جيرمان

أثارت خسارة برشلونة أمام باريس سان جيرمان (2-4) في دوري أبطال أوروبا تساؤلات بشأن حسابات مدربه الألماني هانزي فليك، وما إذا كان تركيزه على مواجهة ريال مدريد.

شوق الغامدي (الرياض)

بلغاريا تجري الانتخابات الرئاسية... والهجمات في البحر الأسود تهيمن على الحملات

البلغاريون ينتخبون رئيساً جديداً الأحد (أ.ف.ب)
البلغاريون ينتخبون رئيساً جديداً الأحد (أ.ف.ب)
TT

بلغاريا تجري الانتخابات الرئاسية... والهجمات في البحر الأسود تهيمن على الحملات

البلغاريون ينتخبون رئيساً جديداً الأحد (أ.ف.ب)
البلغاريون ينتخبون رئيساً جديداً الأحد (أ.ف.ب)

ينتخب البلغار رئيساً جديداً، بعد غد الأحد، عقب حملة انتخابية ركزت بصورة أساسية على الحرب الروسية في أوكرانيا وتصاعد الأعمال العدائية في البحر الأسود، القريب من الحدود البلغارية، بما في ذلك هجمات دموية بطائرات مسيّرة استهدفت سفناً تجارية.

كما يتناول المرشحون مخاوف المواطنين من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وتفاقم التضخم، في ظل معاناة كثير من البلغار في المناطق الريفية لتلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية.

ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، يتمتع منصب الرئاسة في بلغاريا بصلاحيات شرفية في الأساس، فعلى الرغم من أن رئيس الدولة لا يحظى بسلطات تنفيذية، وأن السياسات الرئيسية تخضع لموافقة البرلمان، فإن انتخاب الشعب للرئيس مباشرة يمنحه سلطة سياسية أكبر.

ويتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة، كما يملك حق الاعتراض على التشريعات، ويوقع المعاهدات الدولية، ويعين السفراء.

ويجري انتخاب الرئيس في بلغاريا بالاقتراع المباشر لولاية مدتها 5 سنوات، ولا يجوز له تولي المنصب لأكثر من ولايتين.


أوكرانيا وروسيا تتبادلان 270 أسيراً لكل منهما

أسير أوكراني يتحدث مع ذويه بعد الإفراج عنه في صفقة تبادل (حساب زيلينسكي عبر منصة «إكس»)
أسير أوكراني يتحدث مع ذويه بعد الإفراج عنه في صفقة تبادل (حساب زيلينسكي عبر منصة «إكس»)
TT

أوكرانيا وروسيا تتبادلان 270 أسيراً لكل منهما

أسير أوكراني يتحدث مع ذويه بعد الإفراج عنه في صفقة تبادل (حساب زيلينسكي عبر منصة «إكس»)
أسير أوكراني يتحدث مع ذويه بعد الإفراج عنه في صفقة تبادل (حساب زيلينسكي عبر منصة «إكس»)

أعلنت أوكرانيا وروسيا، الجمعة، أنهما تبادلتا 270 أسير حرب لكل منهما، في خطوة تعد أحد مجالات التعاون القليلة بين الطرفين المتحاربين.

ومن بين الأوكرانيين المُفرج عنهم خمسة أشخاص كان يُعتقد أنهم قُتلوا في هجوم استهدف سجناً في منطقة خاضعة لسيطرة روسيا في شرق أوكرانيا عام 2022، حسبما ذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وقال زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي: «عاد 270 من أبناء شعبنا إلى ديارهم. هذا إنجاز بالغ الأهمية»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

بدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية عملية التبادل، مشيرة إلى «عودة 270 عسكرياً روسياً».

ونشر زيلينسكي صوراً لبعض الأوكرانيين المُفرج عنهم. وبدا العديد منهم حليقي الرؤوس وقد لفوا أنفسهم بأعلام أوكرانية.

وتبادلت موسكو وكييف آلاف الجنود الأسرى منذ شنت موسكو هجومها المستمر على أوكرانيا في عام 2022.


اليونان تحظر وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً

اليونان حظرت وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً (رويترز)
اليونان حظرت وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً (رويترز)
TT

اليونان تحظر وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً

اليونان حظرت وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً (رويترز)
اليونان حظرت وسائل التواصل الاجتماعي للقصّر دون 15 عاماً (رويترز)

أقر البرلمان اليوناني، الجمعة، قانوناً يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً، لتنضم اليونان بذلك إلى قائمة من الدول التي تفرض قيوداً على استخدام الفتيان لهذه المنصات.

وكان رئيس الوزراء، كيرياكوس ميتسوتاكيس، قد أعلن في أبريل (نيسان) الماضي عن خطط لهذا الحظر، مستعيناً بمنصة «تيك توك»، وهي واحدة من أكثر شبكات التواصل الاجتماعي شعبية بين الشباب في اليونان، لشرح هذا الإجراء الذي قال إنه «صعب، ولكن ضروري».

وبعد نقاش ساخن في جلسة برلمانية بدأت الخميس وامتدت حتى الجمعة، استخدم حزب «الديمقراطية الجديدة» المحافظ بزعامة ميتسوتاكيس، أغلبيته البرلمانية لإمرار مشروع القانون، وسط غياب الدعم من أي أحزاب أخرى، حسبما ذكرت وكالة الأنباء اليونانية «إيه إن إيه».

أما حزب «باسوك» الاشتراكي المعارض فامتنع عن التصويت، بعد أن اقترح مشروع قانون بديلاً يقضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 13 عاماً، مع فرض رقابة من الأهل على مَن تراوح أعمارهم بين 13 و14 عاماً. وصوّتت أحزاب أخرى من اليساريين والقوميين، ضد مشروع القانون، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وسيلزم القانون المقرر أن يدخل حيّز التنفيذ في الأول من يناير (كانون الثاني)، شبكات التواصل الاجتماعي بالتحقق من أعمار المستخدمين، ويفرض عقوبات صارمة على الشركات المخالفة.

وكانت أستراليا أول دولة تفرض حظراً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، وأقرت أكثر من 20 دولة قوانين مشابهة، وفق تعداد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقول منتقدون إن شبكات التواصل الاجتماعي تستخدم خوارزميات تؤدي إلى إدمان الأطفال الشاشات، محذرين من أن الإفراط في تصفح هذه المنصات قد يلحق ضرراً بصحتهم النفسية.

وواجهت هذه القرارات معارضة من المدافعين عن حرية التعبير، كما يُشكك البعض في مدى فاعلية مثل هذه القيود.