حفتر يرسخ حضوره في الحسابات الأميركية من بوابة «الساحل والصحراء»

تعاون أمني يتجاوز حدود السياسة

المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

حفتر يرسخ حضوره في الحسابات الأميركية من بوابة «الساحل والصحراء»

المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر في لقاء مع قائد «أفريكوم» الفريق داغفين أندرسون في ديسمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

أعاد الإفراج عن مواطن أميركي كان محتجزاً لدى جماعة مرتبطة بتنظيم «داعش» في منطقة الساحل، مع حديث عن دور سلطات شرق ليبيا في العملية، تسليط الضوء على الانفتاح المتدرج في العلاقة بين واشنطن وقائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

فبعد سنوات كان يُنظر خلالها إلى حفتر في دوائر صنع القرار الأميركي باعتباره طرفاً في الصراع الليبي، بات اليوم -حسب دبلوماسيين ومحللين- لاعباً أمنياً تتعامل معه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز حدود بلاده إلى مكافحة الإرهاب وأمن منطقة الساحل.

ويقول الدبلوماسي الليبي محمد خليفة المرداس إن المقاربة الأميركية خلال السنوات الأخيرة تبدو أكثر براغماتية في التعامل مع حفتر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يتحول إلى حليف أميركي، لكنه انتقل من طرف في معادلة صراع ينبغي احتواؤه إلى لاعب أمني لا تستطيع واشنطن تجاهله، خصوصاً مع تنامي دوره في الملفات الأفريقية وقدرته على التأثير في مناطق جنوب ليبيا المتصلة بمنطقة الساحل والصحراء».

وظهر الأميركي كيفن رايدوت، في تسجيل مصور مقتضب بثته قنوات محلية ليبية، فجر الاثنين، متحدثاً عن نقله بدراجة نارية إلى مالي بعد اختطافه في النيجر حيث كان يعمل في منظمة غير حكومية.

الأميركي كيفن رايدوت متحدثاً عقب وصوله إلى بنغازي الليبية بعد تحريره من قبضة «داعش» في مالي (قناة الحدث المحلية)

لكن مجرد ظهور اسم حفتر في عملية تتعلق برهينة أميركي في منطقة الساحل يعكس، حسب مراقبين، اتساع هامش التعامل معه باعتباره «صاحب نفوذ أمني يتجاوز الحدود الليبية».

ويربط رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية»، هاني شنيب، التطورات الأخيرة في العلاقة بين واشنطن وحفتر، وآخرها دوره في تحرير الرهينة الأميركي، بما يمكن قراءته في استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025، التي أعادت تركيز السياسة الخارجية على «المصالح القومية الأميركية الأساسية والحيوية فقط»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وفي بلد يعيش انقساماً عسكرياً بين شرقه وغربه منذ عام 2014، رسم هذا الانفتاح مساره على مدى نحو سبع سنوات.

ففي ذروة هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، عارضت واشنطن العملية ودعت إلى وقفها، في حين عدّت «الخارجية الأميركية» الحسم العسكري تهديداً لمسار التسوية السياسية. وجاء ذلك في وقت تصاعد فيه التنافس الروسي-الأميركي حول ليبيا، رغم أن الرئيس دونالد ترمب تحدث هاتفياً مع حفتر في أبريل (نيسان) من العام نفسه، وأشاد بدوره في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النفط الليبية.

ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، استمرت واشنطن في حوارها مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس، والمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وظلت حَذِرة من حفتر، خصوصاً بسبب علاقاته مع روسيا.

لكن التواصل العسكري المباشر منح العلاقة بُعداً أكثر وضوحاً.

ففي أغسطس (آب) 2024، التقى قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال مايكل لانغلي، مسؤولين في طرابلس، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء حفتر وقيادات الجيش. وقالت «أفريكوم» إن المحادثات تناولت سبل توحيد الجيش الليبي وتعزيز سيادة البلاد.

ويقول شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة الأميركية منذ عهدَي الرئيسين الأسبق باراك أوباما والسابق جو بايدن بدت متناغمة مع أوروبا وإلى حد ما مع الأمم المتحدة، لكنه يرى أنها «تغيرت الآن لتنصبَّ فقط على مصلحتها بطراز ترمب».

وبعد شهر من عودة ترمب إلى البيت الأبيض، تكرر مشهد التواصل العسكري مع حفتر بصورة أكثر مباشرة، عندما التقاه نائب قائد «أفريكوم»، الجنرال جون برينان، في فبراير (شباط) 2025، كما التقى نجله صدام في سرت، ضمن لقاءات مع مسؤولين في الشرق والغرب هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني. وبلغ التعاون ذروته عندما رَعَت «أفريكوم» مناورات مشتركة شاركت فيها قوات من شرق ليبيا وغربها.

ومنذ ذلك الحين، باتت واشنطن تنظر إلى حفتر باعتباره «الخيار الأفضل القادر على ضبط الجغرافيا الليبية، في مرحلة تريد فيها الولايات المتحدة تقليص انخراطها في أزمات أخرى، مع تركيز استراتيجي أكبر على آسيا والمنافسة مع الصين والصراع مع إيران»، حسبما يقول المرداس.

وتَعزّز الحديث عن هذه المقاربة مع «مبادرة أميركية» لتقاسم السلطة بين طرفَي الصراع الليبي. وتقوم المبادرة، وفق ما تسرب منها، التي جاءت تتويجاً لتحركات دبلوماسية نشطة لكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، على تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل ترؤس عبد الحميد الدبيبة حكومة موحدة.

ويصف شنيب رفع واشنطن مستوى علاقتها علناً مع حفتر بأنه بمثابة «حافز له مقابل أن يتحول علناً هو الآخر إلى داعم أساسي لسياسة أميركا في ليبيا والشرق الأوسط والساحل».

غير أن تنامي العلاقات بين حفتر وواشنطن يضع علامات استفهام أمام علاقته بموسكو، ولا سيما وجودها العسكري في ليبيا، باعتباره «العقدة الأصعب في هذا التقارب».

ويتمثل الوجود الروسي في «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع والمتمركز في مواقع استراتيجية، بشرق البلاد وجنوبها، وينظر إليه بوصفه تأميناً لنفوذ موسكو على البحر المتوسط وخطوط إمدادها نحو أفريقيا.

ويرى الباحث الروسي كيريل سيمينوف أن علاقة حفتر بموسكو تقوم على اعتماد متبادل؛ إذ لا تزال روسيا «توفّر له دعماً عسكرياً وخبرة تشغيلية مهمة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، فهي تحتاج إلى وجوده لتثبيت نفوذها في ليبيا وأفريقيا».

غير أن سيمينوف لا يعتقد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن إدارة الرئيس ترمب تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع النفوذ الروسي في ليبيا. ولذلك، فإن التقارب الأميركي مع حفتر لا يعني، في تقديره، «أن واشنطن أصبحت بديلاً عن موسكو بالنسبة إليه، أو أن الرجل مستعد للتخلي عن الروس لمصلحة الأميركيين».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

شمال افريقيا من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

في تحول لافت يعيد رسم خرائط التحالفات شرق المتوسط، طوى مجلس النواب الليبي صفحة المقاطعة مع أنقرة بمصادقته على الاتفاقية البحرية، بالتزامن مع زيارة قالن لطرابلس.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الحراك الصحي يغلق النقابة العامة للأطباء في طرابلس يوم 19 أكتوبر (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

إضرابات قطاع الصحة تفاقم مشكلات «الوحدة» الليبية

شهدت ليبيا تصاعداً في الحراك الميداني مع تواصل إضراب الأطقم الطبية، والمعلمين، ما يضع السلطات أمام تحدي معالجة أزمة المرتبات، وتدهور ظروف العمل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» وناجي عيسي محافظ مصرف ليبيا المركزي - 23 أغسطس الماضي (مكتب الدبيبة)

تجدد الجدل في ليبيا حول ملف دعم الوقود

تجدد الجدل في ليبيا بشأن أزمة المحروقات ودعم الوقود، بعد كشف أرقام أممية جديدة أظهرت حجم النزيف المالي الناتج عن التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من مصابي الانفجار يتلقون العلاج في مركز الزاوية الطبي 19 أكتوبر (جهاز الهلال الأحمر فرع صبراتة)

انفجار بمعسكر في الزاوية الليبية يثير مخاوف بشأن سلامة التدريبات

في ظل الانقسام الأمني وتعدد التشكيلات المسلحة يطرح حادث معسكر الزاوية الدامي مخاوف جدية حول آليات تخزين الذخائر وضوابط التدريب الميداني.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية بحضور أبو الغيط في مارس 2024 (أ.ب)

تأجيل اجتماع قادة المؤسسات الرئيسية الليبية

أرجأ «المجلس الرئاسي» الليبي اجتماعاً كان مقرراً أن يجمع قيادات المؤسسات الرئيسية في طرابلس، وسط خلافات بشأن تمثيل مجلس النواب ومرجعية «الهيئة العليا للرئاسات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
TT

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)
من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)

طوى مجلس النواب في ليبيا رسمياً صفحة المقاطعة مع تركيا، بعد أن صوت بالموافقة، الثلاثاء، على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية، والتعاون الأمني بين البلدين، في جلسة تزامنت مع قدوم رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، إلى العاصمة طرابلس.

وسبق أن وقّعت طرابلس، ممثلة في فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا.

الدبيبة رئيس «الوحدة» الليبية مستقبلاً قالن رئيس الاستخبارات التركية في طرابلس (منصة «حكومتنا»)

وقال عبد الله بليحق، المتحدث باسم مجلس النواب، الثلاثاء، إن المجلس «صوت بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم، الموقعة بين (الوفاق الوطني) والحكومة التركية حول تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط»، وأوضح أنه «تم التصويت بالإجماع أيضاً على إلغاء قراري المجلس رقم (1) لسنة 2020 بشأن رفض المصادقة على مذكرتي التفاهم، المبرمتين بين (الوفاق الوطني) وتركيا، وقرار المجلس رقم (6) لسنة 2020 بشأن قطع العلاقات السياسية مع أنقرة».

وعارضت مصر استمرار اتفاقية الحدود البحرية بين تركيا وحكومة «الوفاق» السابقة، واعتبرتها في حينها «باطلة، ولا تترتب عليها آثار قانونية لتعديها على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، وانتهاكها لقانون البحار الدولي».

كما سبق لليونان أيضاً أن رفضت الاتفاقية، ووصفتها بأنها «أمر مناف للعقل من الناحية الجغرافية لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين الساحلين التركي والليبي»، كما استدعت الخارجية اليونانية، آنذاك، السفير التركي لديها وأدانت الاتفاقية، وأبلغته بأن «هذا الإجراء انتهاك واضح لقانون البحار الدولي، ولا يتماشى مع مبدأ حسن الجوار الذي يحكم العلاقات بين الدول».

وسبق لمجلس النواب الليبي أن قطع في 9 يناير (كانون الثاني) 2020 العلاقات السياسية مع تركيا، وقرر سحب البعثات الدبلوماسية الليبية الموجودة بأراضيها.وجاءت موافقة مجلس النواب على الاتفاقية الليبية - التركية، عقب إقالة رئيسه عقيلة صالح وانتخاب الصالحين عبد النبي، فيما لم يصدر أي تعليق رسمي مصري على ذلك.

وعَدّ السفير الليبي السابق في أوكرانيا، عادل عيسى، موافقة البرلمان على الاتفاقية «أمراً قد يتجاوز مجرد مراجعة موقف سياسي سابق، ليشكل مؤشراً على تحول محتمل في حسابات القوى الفاعلة داخل المشهد الليبي».

ويعتقد عيسى في إدراج له الثلاثاء، على صفحته عبر «فيسبوك»، أن هذه الخطوة «قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب التفاهمات السياسية، وتوسيع قنوات التواصل مع أنقرة، بما قد ينعكس على مسار التوافق بشأن السلطة التنفيذية الجديدة»، وذهب إلى أن «تركيا ليست مجرد طرف خارجي في المعادلة الليبية، بل تمتلك حضوراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، يجعل موقفها عاملاً مؤثراً في حسابات عدد من الأطراف».

وانتهى عيسى متسائلاً: «هل نحن أمام مجرد مراجعة لموقف سابق، أم أمام إعادة تموضع سياسي، قد يسبق مرحلة جديدة من التفاهمات وتشكيل حكومة جديدة في ليبيا؟».

إبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بـ«الوحدة» الليبية مستقبلاً قالن في طرابلس (منصة «حكومتنا»)

وبحضور مستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي بحكومة «الوحدة»، التقى رئيسها عبد الحميد الدبيبة قالن في طرابلس، وتناول معه مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار ودعم المسار السياسي.

ونقلت منصة «حكومتنا»، التابعة لـ«الوحدة»، أن محادثات الدبيبة وقالن تناولت ملف الهجرة غير النظامية، وسبل تعزيز التنسيق والتعاون في إطار الطاولة الرباعية، التي تجمع ليبيا وتركيا وإيطاليا وقطر، «بما يسهم في تطوير الجهود المشتركة لمواجهة تحديات الهجرة، ومعالجة أسبابها، والحد من تداعياتها».

وبحسب المنصة الحكومية، لم يتطرق الاجتماع إلى موافقة البرلمان على اتفاقية ترسيم الحدود، لكنه أكد «أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين البلدين بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الثنائي، بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم الأمن والاستقرار في ليبيا والمنطقة».

وترسم الاتفاقية خطاً بحرياً يصل بين السواحل الجنوبية لتركيا والسواحل الشرقية لليبيا، وتعمل على تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، بما يشمل الجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من البلدين.

وفي أغسطس (آب) 2020، تُوجت المفاوضات المصرية - اليونانية بتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية، وتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة. وبينما أكد وزير الخارجية المصري السابق، سامح شكري، أن الاتفاق «يمهد الطريق لاستثمار الموارد الهيدروكربونية الواعدة»، أبدت تركيا رفضاً صريحاً لهذه الخطوة.


مصرع 12 شخصاً وإصابة 30 في حادثة تصادم جنوب القاهرة

سيارات تابعة لهيئة الإسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)
سيارات تابعة لهيئة الإسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)
TT

مصرع 12 شخصاً وإصابة 30 في حادثة تصادم جنوب القاهرة

سيارات تابعة لهيئة الإسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)
سيارات تابعة لهيئة الإسعاف في مصر (هيئة الإسعاف المصرية)

قالت وزارة الصحة والسكان المصرية إن حادثة تصادم وقعت صباح اليوم (الثلاثاء)، بين حافلة ركاب كبيرة تابعة لإحدى الشركات الخاصة وسيارة نقل، على طريق سريع إلى الجنوب من العاصمة القاهرة أودت بحياة 12 شخصاً وأصاب نحو 30 آخرين.

وذكرت في بيان أن الحادثة وقعت على طريق أسيوط الغربي بالكيلو 55 في الاتجاه المؤدي إلى البوابة المرورية بمنطقة دهشور التابعة لمحافظة الجيزة.

ونقل البيان عن المتحدث باسم الوزارة قوله إن هيئة الإسعاف دفعت بثمانٍ وعشرين سيارة إسعاف إلى موقع الحادثة، حيث تم نقل 30 مصاباً إلى مستشفى السادس من أكتوبر المركزي.

وأوضح المتحدث أن هذه الأرقام مبدئية، وأن عمليات الحصر والمتابعة لا تزال جارية.

من جانبها، قالت وزارة التضامن الاجتماعي إنه يجري التنسيق بين مديرية التضامن الاجتماعي بمحافظة الجيزة وفريق الإغاثة بالهلال الأحمر المصري للوجود ومتابعة تداعيات الحادثة، وتقديم أوجه الدعم والتدخلات الإغاثية اللازمة وصرف المساعدات العاجلة للمستحقين.

وشهدت مصر خلال السنوات القليلة الماضية توسعاً وتحديثاً لشبكة الطرق، شمل إنشاء طرق جديدة وتوسعة طرق قائمة، بالتوازي مع إجراءات لتنظيم حركة المرور ومراقبة السرعات. وتحمِّل السلطات العامل البشري مسؤولية أغلب الحوادث، لكن يشير قطاع من المصريين إلى أن من بين أسباب الحوادث أيضاً تردي حالة عدد من الطرق القديمة فضلاً عن تهالك مركبات عمرها عشرات السنين.

ويقول الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إن حوادث الطرق ترتبط بعوامل متعددة، من بينها تصميم الطرق وجودتها وتوافر الإضاءة واللوحات الإرشادية، إلى جانب سلوك قائدي المركبات والالتزام بالسرعات وقواعد المرور.

وتشير أحدث بيانات الجهاز إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق في مصر ارتفع 10.8 في المائة إلى 5829 حالة في 2025، من 5260 في 2024، كما زاد عدد المصابين 10.7 في المائة إلى 84553 من 76362. وفي المقابل، انخفض عدد حوادث القطارات 22.7 في المائة إلى 170 حادثاً في 2025 من 220 في العام السابق.


المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
TT

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)
حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة)

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفَي الحرب في السودان، كان آخرها مقتل ما لا يقل عن 80 مدنياً في هجوم بطائرة مسيّرة، مساء الأحد، استهدف تجمعاً للمواصلات العامة في منطقة الدبب بولاية غرب كردفان، في حادثة تعكس تصاعد المخاطر التي تواجه المدنيين مع اتساع نطاق الهجمات الجوية في السودان.

وبينما اتهم تحالف «تأسيس»، المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، تحدثت تقارير عن ضربات مماثلة في دارفور وأبيي، بالتزامن مع رصد مسيّرات في سماء العاصمة الخرطوم، في حين أعلن الجيش تجدّد المعارك في ولاية النيل الأزرق جنوب البلاد.

80 قتيلاً في الدبب

وقال مصدر طبي في مستشفى المجلد القريب، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الاثنين، إن 80 شخصاً قُتلوا جراء قصف بمسيّرة استهدف منطقة الدبب، الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع» في غرب كردفان.

وأكد أحمد أبكر وادي، وهو شاهد تواصل مع الوكالة عبر الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، أن الهجوم وقع مساء الأحد، واستهدف موقفاً للشاحنات ووسائل النقل العام التي يستخدمها السكان للعودة إلى قراهم بعد انتهاء أعمالهم في السوق.

وأوضح وادي أن المسيّرة قصفت الموقع مرتين، بفاصل زمني بلغ نحو 10 دقائق، مضيفاً أنه ساعد في دفن 50 قتيلاً في موقع الهجوم، بينهم شقيقه. وأشار إلى نقل 47 مصاباً إلى المستشفى، تُوفي 30 منهم، وفقاً للمصدر الطبي.

وفي رواية موازية، اتهم تحالف «تأسيس» الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم باستخدام مسيّرة من طراز «بيرقدار آقنجي»، وقال متحدثه الرسمي إن القصف استهدف شاحنة تقل مدنيين، وأسفر عن مقتل 80 شخصاً على الأقل وإصابة عشرات آخرين، بينهم نساء وأطفال.

وأضاف «تأسيس» أن مسيّرة أخرى استهدفت مدينة المجلد بصاروخ سقط بالقرب من مدرسة للطالبات. وأفاد المصدر الطبي بإصابة أربعة أشخاص في هجوم منفصل على المدينة، من دون توافر تفاصيل مستقلة تؤكد جميع ملابسات الضربة الثانية.

وطالب تحالف «تأسيس» المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بإجراء تحقيقات شفافة في الهجوم. ولم ترد في المعلومات المتاحة إفادة مستقلة تؤكد الجهة التي نفّذت الهجوم على الدبب.

ضربات من دارفور إلى شرق السودان

وفي سياق التصعيد، أفادت تقارير إعلامية بأن طائرات مسيّرة تابعة للجيش شنّت، في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين، غارات على مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تتخذها «قوات الدعم السريع» مقراً لحكومتها الموازية. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات أو تحديد حجم الخسائر الناجمة عنها.

كما تحدثت مصادر محلية عن استهداف سوق النعام في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجمهورية جنوب السودان، من دون توافر حصيلة للضحايا أو معلومات رسمية بشأن الهجوم.

وتشير هذه التقارير، في حال تأكدها، إلى اتساع رقعة المواجهات الجوية لتشمل مناطق متباعدة، في وقت باتت فيه المسيّرات أداة رئيسية في العمليات العسكرية، سواء لاستهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية أو لمهاجمة مناطق تقع خلف خطوط المواجهة التقليدية.

مسيّرات في سماء الخرطوم

أرشيفية لقوة عسكرية من الجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

وفي العاصمة الخرطوم، أفاد سكان برصد طائرات مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض فوق مناطق في شرق المدينة وضواحيها، فيما سُمعت أصوات الدفاعات الجوية بعد وقت قصير من ظهور المسيرات في السماء.

ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر عسكرية في الجيش أن منظومات الدفاع الجوي أطلقت نيرانها باتجاه أهداف جوية، في حين لم تتوافر معلومات مؤكدة عن طبيعة الأهداف أو ما إذا كانت المنطقة قد تعرضت لضربات مباشرة.

ونُسبت المسيّرات إلى «قوات الدعم السريع»، التي لم يصدر عنها تعليق فوري بشأن تلك التقارير.

ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان الجيش إسقاط مسيّرات انتحارية فوق مدينتي القضارف وخشم القربة، بالإضافة إلى منطقة خزان ستيت على نهر عطبرة في شرق السودان، في هجمات وُصفت بأنها من أبرز التطورات الجوية التي تشهدها المنطقة بعد فترة من الهدوء النسبي.

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت «قوات الدعم السريع» استخدام المسيّرات بعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك أهداف في العاصمة. وفي المقابل، تواصل القوات المسلحة استخدام الطيران والمسيّرات في عمليات تستهدف مواقع تقول إنها تابعة للقوات المنافسة.

ويعكس هذا التصعيد تحولاً متزايداً في طبيعة الحرب، مع انتقال جانب من المواجهات إلى مسافات بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، الأمر الذي يرفع المخاطر على المناطق المأهولة والمنشآت المدنية.

معارك متجددة في النيل الأزرق

وأعلنت «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة للجيش تنفيذ عملية عسكرية في منطقة البركة بولاية النيل الأزرق، قالت إنها استهدفت «قوات الدعم السريع» وألحقت بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وأضافت الفرقة، في بيان، أن الجيش والقوات المساندة له تمكنوا من إحباط تحركات للقوات المنافسة ومنعها من التقدم نحو مواقعهم، ما أجبر المهاجمين على التراجع تحت ضغط النيران.

وأكدت مواصلة العمليات في القطاع الجنوبي من الإقليم، مشيرة إلى استعدادها للتعامل مع أي تحركات تستهدف مواقع المدنيين. ولم تتوافر معلومات مستقلة تؤكد حجم الخسائر التي أعلنها الجيش أو تفاصيل الاشتباكات.

ويأتي تجدد القتال في النيل الأزرق بالتزامن مع استمرار الهجمات الجوية في كردفان ودارفور ومناطق أخرى، رغم الهدوء النسبي الذي شهدته بعض جبهات القتال البرية.

تداعيات إنسانية متفاقمة

موجات النزوح تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب (مفوضية اللاجئين)

وتسيطر «قوات الدعم السريع» على ولاية غرب كردفان، في حين تتنازع مع الجيش السيطرة على بقية ولايات إقليم كردفان الثلاث، الذي يتمتع بأهمية استراتيجية لربطه العاصمة الخرطوم بإقليم دارفور غرب البلاد، فضلاً عن موارده الطبيعية وموقعه ضمن خطوط الحركة والإمداد.

وتتواصل الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، بعدما تحولت الخلافات بين الطرفَين إلى صراع مسلح واسع النطاق، أوقع عشرات الآلاف من القتلى، وشرد الملايين، وأدى إلى انتشار المجاعة وتدمير مساحات واسعة من البلاد.

ومع استمرار المعارك واتساع استخدام المسيّرات، يواجه المدنيون مخاطر متزايدة، لا سيما في مناطق النقل والأسواق والتجمعات السكانية التي يعتمد عليها السكان في تنقلاتهم اليومية وتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويُعيد سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في الدبب تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية للحرب، في وقت لا تقتصر فيه المواجهات على الجبهات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى الحياة اليومية للسكان في مناطق يصعب فيها الاستجابة الطبية العاجلة.