في 15 أغسطس (آب) من كل عام، تحيي مصر ذكرى «عيد وفاء النيل»، أحد أقدم الاحتفالات المرتبطة بنهر النيل، مصدر الحياة والازدهار في مصر القديمة.
وبهذه المناسبة أقيمت العديد من الأنشطة والفعاليات التي رعتها وزارة السياحة المصرية وشاركت فيها وزارة الري، وتضمنت معارض فنية وورش عمل والعديد من الأنشطة الأخرى بالمتحف القومي للحضارة المصري.
ووفق بيان لوزارة السياحة المصرية، «ارتبط فيضان النيل بالإله حابي، رمز الوفرة والخصوبة، حيث مثّلت مياهه أساس الزراعة واستمرار الحياة لدى المصريين القدماء».
وأرجع المتحف القومي للحضارة المصرية الاحتفالات بعيد وفاء النيل إلى أنه «شريان الحياة الذي قامت على ضفافه الحضارة المصرية، ومن ثم وجب التعريف بتاريخه العريق وما ارتبط به عبر العصور من فنون وحرف واحتفالات وممارسات ومعتقدات، من مصر القديمة وحتى وقتنا الحاضر».

وأقيمت الأنشطة في متحف الحضارة بالتعاون مع ووزارة البيئة وزارة الموارد المائية والري، ومحافظة الشرقية، ومركز الطفل للحضارة والإبداع، ومدرسة الفخار والحرف التراثية للتكنولوجيا التطبيقية، والإدارة المركزية للأنشطة الطلابية، ونخبة من الفنانين المصريين.
وشمل البرنامج معارض للحرف والفنون التقليدية المرتبطة بالنيل، وورشاً تفاعلية لصناعة الفخار والرسم على البردي، إلى جانب معرض فوتوغرافي يوثّق تراث النيل وطبيعته. كما ضم معرضاً توثيقياً يستعرض تاريخ النهر وما ارتبط به من ممارسات وحرف ومعتقدات، فضلاً عن عروض فنية مستوحاة من التراث المصري القديم وفيلم وثائقي عن عيد وفاء النيل.
ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، أن «وفاء النيل ليس مجرد مناسبة احتفالية نستدعي فيها بعض المظاهر الفرعونية، وإنما هو مناسبة تكشف عن عمق العلاقة التاريخية بين المصري والنيل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الحضارة المصرية القديمة لم تنظر إلى النهر باعتباره مجرى مائياً فحسب، بل رأته أساساً للحياة والاستقرار والنظام والخصوبة، ومن هنا ارتبط النيل في الوعي المصري القديم بمفهوم التجدد واستمرار الحياة».
وتابع أن «الأهم في مثل هذه الفعاليات أن ننتقل من فكرة استدعاء الطقس الفرعوني إلى فهم المعنى الذي كان وراء الطقس. فالحضارة لا تُستعاد بارتداء الملابس القديمة أو تكرار بعض المظاهر الاحتفالية، وإنما باستعادة الأفكار والقيم التي صنعتها. وكان النيل في مصر القديمة قصة حياة كاملة: الزراعة والقرية والمدينة والمعبد والاقتصاد والفن والأسطورة وحتى مفهوم الزمن نفسه».

وشاركت وزارة الري المصرية في الاحتفالية، وقال هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، إن «عيد وفاء النيل» ليس مجرد احتفال سنوي، بل هو مناسبة نستحضر خلالها العلاقة الممتدة بين المصريين ونهر النيل عبر العصور، وما يحظى به النهر من مكانة راسخة في وجدان الشعب المصري، وامتداد لتقاليد أجدادنا الذين أبدعوا في إدارة مياه النيل وترويض فيضانه منذ فجر التاريخ، وأقاموا واحدة من أعرق الحضارات التي ارتبط وجودها ارتباطاً وثيقاً بالمياه.
وأضاف في بيان للوزارة، السبت، أن «هذا العيد يحمل رسالة ممتدة من الماضي إلى المستقبل، مفادها أن النيل كان ولا يزال محور الحياة والتنمية في مصر، وأن الحفاظ عليه وحسن إدارة موارده يمثلان مسؤولية وطنية تتطلب مواصلة العمل والتطوير والابتكار، بما يضمن استدامة الموارد المائية ودعم مسيرة التنمية الشاملة في مصر، ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة في موارد مائية مستدامة».
ويلفت عالم المصريات إلى أن إقامة فعاليات في المتاحف، خصوصاً متحف الحضارة، تسعى إلى تحويل التاريخ من مادة محفوظة داخل فتارين إلى تجربة حية يتفاعل معها الجمهور. موضحاً أنه «عندما يشاهد المصري اليوم معرضاً فنياً أو فعالية ثقافية تستلهم علاقة المصري القديم بالنيل، فإنه لا ينبغي أن يشعر بأنه أمام ماضٍ بعيد، بل أمام جزء من ذاكرته الثقافية الممتدة حتى الحاضر».
وعدّ عبد البصير «العلاقة بين المصري والنيل واحدة من أعمق القصص التي يمكن أن نحكيها عن مصر. وحين ننجح في تقديم هذه القصة بلغة معاصرة تجمع بين العلم والفن والمتعة، يصبح المتحف مساحة للحياة لا مجرد مكان لحفظ الآثار».






