سرقة الساعات الفاخرة في لندن... عصابات عابرة للحدود وعمليات شرطة سرية

«الشرق الأوسط» ترافق دورية أمنية وسط العاصمة... والجرائم تتراجع بأكثر من النصف

TT

سرقة الساعات الفاخرة في لندن... عصابات عابرة للحدود وعمليات شرطة سرية

صورة من فيديو التقطته كاميرات المراقبة ووزّعته شرطة لندن لمحاولة سرقة ساعة فاخرة في منطقة مايفير بلندن في أكتوبر 2024
صورة من فيديو التقطته كاميرات المراقبة ووزّعته شرطة لندن لمحاولة سرقة ساعة فاخرة في منطقة مايفير بلندن في أكتوبر 2024

في «جيرمين ستريت»، وسط أحد أشهر أحياء لندن الفاخرة، لفت رجل يسير ببطء ويراقب معاصم المارّة انتباه أربعة عناصر شرطة بملابس مدنية. نزل أحدهم من سيارة غير مميزة وبدأ تتبعه. وبعد لحظات، استقلّ الرجل دراجة كهربائية، واقترب من شخص من الخلف، وأمسك بمعصمه محاولاً انتزاع ساعة «ريتشارد ميل» تبلغ قيمتها نحو 250 ألف جنيه إسترليني.

ركض الشرطي خلفه، وتمكّن بمساعدة أحد المارة من توقيفه، قبل وصول زملائه خلال دقائق. أما الساعة فعادت إلى صاحبها.

المشتبه به كان إبراهيم كداد، البالغ 29 عاماً، الذي حكمت عليه محكمة ساثرك، الجمعة 7 أغسطس (آب)، بالسجن عامين وأربعة أشهر بتهمة محاولة السرقة.

وبعد أيام من تلك الواقعة، رافقت «الشرق الأوسط» دورية لشرطة العاصمة البريطانية في نايتسبريدج، أحد أبرز مسارح سرقات الساعات الفاخرة في لندن، برفقة المحقق آندي سويندلز، الذي قاد التحقيق في قضية كداد، وأمضى السنوات الأخيرة في ملاحقة مرتكبي هذا النوع من الجرائم.

سويندلز، الذي انضم إلى الشرطة عام 1997 وأمضى 23 عاماً برتبة محقق رقيب، ليس محققاً في سرقات الساعات فحسب، بل شغوف بها أيضاً، ويعرف تفاصيل العلامات والأسعار التي يتنافس عليها الهواة، واللصوص.

سوق مُربحة

يعيد سويندلز الطفرة في هذا النوع من الجرائم إلى الارتفاع الهائل الذي شهدته أسعار بعض الساعات في أسواق إعادة البيع.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ساعة «باتيك فيليب نوتيلوس»، التي كان سعرها يتراوح بين 30 و40 ألف جنيه إسترليني، وصلت في مرحلة ما إلى 150 ألف جنيه أو حتى 200 ألف جنيه، بعدما أصبح المشترون مستعدين لدفع أضعاف سعرها للحصول عليها.

صورة مركّبة لساعة «ريتشارد ميل» التي استرجعتها الشرطة والمدان بسرقتها إبراهيم كداد (صور وزّعتها شرطة لندن وحجبت «الشرق الأوسط» عيني المشتبه به)

ورغم أن وتيرة ارتفاع الأسعار تراجعت، فإن المجرمين وسّعوا عمليات استهداف الساعات الفاخرة. فالساعة كما يشرح سويندلز «ليست صعبة السرقة»، ويمكن نقلها وبيعها بسهولة نسبية، في حين يكفي حصول السارق على نسبة صغيرة من قيمتها لجعل العملية مربحة. ومع الوقت، تحوّل بعض اللصوص إلى ما يشبه «الخبراء».

وقبل عشر سنوات، كانت ساعات «رولكس» من طرازَي «سابمارينر» و«دايتونا» من أكثر الأهداف وضوحاً. أما اليوم، فأصبحوا يستهدفون ساعات من طراز «باتيك فيليب» و«ريتشارد ميل» و«أوديمار بيغيه» و«فاشرون كونستانتان» و«جاكوب آند كو»، التي يمكن أن تبلغ قيمة بعضها مئات الآلاف من الجنيهات.

توزيع الأدوار

خلال الدورية التي واكبتها «الشرق الأوسط» في نايتسبريدج، يراقب سويندلز المارة، لكن بعين المحقق: من ينظر إلى المعاصم؟ من يقف قرب دراجة كهربائية من دون سبب واضح؟ ومن يتابع شخصاً خرج تواً من متجر فاخر؟ ففي عدد كبير من الحالات، لا تبدأ السرقة بالهجوم، بل بـ«مراقب» مُتمرّس يجوب «مايفير» و«بوند ستريت» ومحيط «هارودز»، بحثاً عن صيد ثمين.

صورة من فيديو التقطته كاميرات المراقبة ووزّعته شرطة لندن لتوقيف مشتبهين بعملية سرقة في منطقة مايفير بلندن في أكتوبر 2024

وبمجرد تحديد الهدف، يتولّى شخص آخر من فريقه متابعة الضحية، في حين ينتظر شركاء آخرون على بُعد أمتار. ويستخدم بعضهم سماعات «إيربودز» ومكالمات جماعية للتواصل، في أسلوب يشبه، حسب سويندلز، عمليات المراقبة التي تنفذها الشرطة، لكن عبر تطبيق «واتساب» بدلاً من أجهزة الاتصال التقليدية، ثم تأتي لحظة الهجوم. فالأسلوب السائد حالياً هو «الخطف والفرار»، ما يجعل الساعات ذات الأحزمة الجلدية أو المصنوعة من المواد المركبة أكثر جاذبية من تلك ذات الأساور المعدنية؛ إذ يمكن كسر الحزام عند أضعف نقطة وانتزاع الساعة خلال ثانية أو ثانيتين، وفق المحقق.

وتلعب الدراجات الكهربائية المنتشرة في لندن دوراً متزايداً في هذه العمليات. ويُقدّر سويندلز أن نحو نصف عمليات سرقة الساعات التي يتعامل معها حالياً شهد استخدامها، سواء للاقتراب من الضحية أو للفرار سريعاً بعد انتزاع الساعة. وهذه هي الطريقة نفسها التي حاول كداد، الذي أدين قبل أيام، استخدامها قبل أن يلحق به الشرطي.

تراجع حاد

على عكس الصورة القاتمة التي ترسمها منصات التواصل الاجتماعي لظاهرة سرقة الساعات في لندن، تكشف بيانات الشرطة عن مسار مختلف، مع تراجع ملحوظ في أعداد هذه الجرائم.

وتظهر بيانات اطّلعت عليها «الشرق الأوسط» أن عدد سرقات الساعات المسجلة في المنطقة التي يغطيها فريق سويندلز انخفض إلى97 حادثة خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقابل 189 خلال الفترة نفسها من 2025؛ أي بتراجع يقارب النصف. أما شهر يونيو (حزيران)، الذي كان تاريخياً من أشهر الذروة، فيعكس حجم التراجع بوضوح: 21 عملية فقط هذا العام، مقارنة بـ52 في يونيو 2025، و75 في 2024، و74 في 2023، و68 في 2022.وتتوافق هذه الأرقام مع بيانات شرطة لندن التي تُظهر انخفاض سرقات الساعات بأكثر من 50 في المائة في وستمنستر وكينسينغتون وتشيلسي وهامرسميث وفولهام خلال النصف الأول من العام، من 213 حادثة في 2025 إلى 97 حادثة.وعلى نطاق لندن، تراجعت جرائم السرقة من الأشخاص بنسبة 23 في المائة، بما يعادل أكثر من 23 ألف حادثة، في حين انخفضت عمليات السطو على الأشخاص بنسبة 11 في المائة، أو ما يقارب 3 آلاف حادثة. لكن سويندلز يحذر من قراءة الأرقام باعتبارها صورة كاملة. فبعض الضحايا، خصوصاً السياح الذين يقضون أياماً قليلة في لندن، لا يبلغون الشرطة. ويقول إن المحققين يشاهدون أحياناً مقاطع لسرقات على تطبيق «تيك توك»، ثم يكتشفون أن الحادثة لم تسجل رسمياً.

من لندن إلى دبي وهونغ كونغ

لا يتوقّف عمل الشرطة عند الإمساك بالسارق. فالساعة التي تُنتزع من معصم في لندن يمكن أن تظهر بعد فترة على بُعد آلاف الكيلومترات.

ويقول سويندلز إنه استعاد ساعات من لاس فيغاس وهونغ كونغ ودبي، في حين تستعيد الشرطة البريطانية بدورها ساعات سُرقت في دول أخرى. ويُشتبه في أن بعضها يُنقل عبر تركيا قبل انتقاله إلى أسواق أخرى، في حين تجعل الحدود واختلاف قواعد البيانات والأنظمة بين الدول تعقبها أكثر تعقيداً.

صور المشتبه بهم في عملية السرقة في مايفير (صور وزّعتها شرطة لندن وحجبت «الشرق الأوسط» أعين المشتبه بهم)

كما أن بعض المشتبه بهم لا يقيمون بصورة دائمة في بريطانيا. ورصد المحققون أشخاصاً يدخلون البلاد لفترات قصيرة، يرتكبون خلالها عدداً من السرقات ثم يغادرونها، ما يزيد من أهمية التعاون مع أجهزة الشرطة الأوروبية، خصوصاً في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

ويختصر سويندلز إحدى مشكلات التحقيق بمقارنة بسيطة: لا شكّ أن محاولة نقل كيلوغرام من المخدرات عبر أحد المطارات سيجذب انتباه المفتشين، أما ساعة تبلغ قيمتها مئات الآلاف، وربما الملايين، فيمكن ارتداؤها على المعصم دون إثارة أي شكوك والصعود بها إلى الطائرة من دون أن يعرف أحد مصدرها.

عصابات وهويات مزوّرة

يشير سويندلز إلى أن مرتكبي سرقات الساعات لا ينتمون إلى فئة واحدة، موضحاً أن الشرطة تعاملت مع مشتبه بهم من خلفيات مختلفة، من بريطانيا ومختلف أنحاء أوروبا وأوروبا الشرقية وشمال أفريقيا... لكنه يقول إن غالبية المشتبه بهم في سرقات الساعات الفاخرة في الوقت الراهن ينحدرون من شمال أفريقيا، ويصلون إلى بريطانيا في كثير من الأحيان عبر فرنسا وآيرلندا.

صورة من فيديو التقطته كاميرات المراقبة ووزّعته شرطة لندن لمحاولة سرقة ساعة فاخرة في منطقة مايفير بلندن في أكتوبر 2024

ويضيف أن بعضهم يقيم في البلاد لفترة وجيزة، يرتكب خلالها عمليات سرقة قبل أن يغادر مجدداً، في حين يستخدم آخرون وثائق مزيفة وهويات مختلفة من بلد إلى آخر. ويقول إن تبادل بيانات الحمض النووي مع أجهزة الشرطة الأوروبية كشف في بعض الحالات أن الشخص نفسه مسجل بأسماء مختلفة في دول عدة.

كما رصدت الشرطة، بحسب سويندلز، مجموعات وعصابات إجرامية منظمة تستخدم الأساليب نفسها، وأشخاصاً يلتقون رغم أنه يبدو بوضوح أنهم لا يعرفون بعضهم، ما يُرجّح أنه جرى جمعهم أو أنهم تعلموا هذه الأساليب من المصدر نفسه. لكنه شدّد على أنه لا يستطيع تأكيد ما إذا كان بعض هؤلاء قد جرى الاتجار بهم أو استقدامهم قسراً.

عمليات سرية

في مواجهة ذلك، لجأت شرطة لندن إلى عمليات سرية، بينها عملية في «سوهو» في 2025، وأخرى في «مايفير» في 2024، ارتدى خلالها عناصر بملابس مدنية ساعات فاخرة لاستدراج اللصوص. ويقول سويندلز إن إحدى تلك العمليات انتهت باعتقال 40 شخصاً: «40 اعتُقلوا، و40 وُجهت إليهم اتهامات، و40 أدينوا».

كما باتت التكنولوجيا تلعب دوراً أساسياً في التحقيقات. فبرامج التعرف على الوجوه تسمح أحياناً بتحديد مشتبه به من صور كاميرات مراقبة متواضعة الجودة، في حين تساعد بيانات الهواتف في إعادة بناء تحركات المتهمين.

صورة من فيديو التقطته كاميرات المراقبة ووزّعته شرطة لندن لعملية أمنية قادها شرطيون متخفّون في منطقة مايفير بلندن في أكتوبر 2024

وفي إحدى القضايا، تعقبت الشرطة ثلاثة رجال راقبوا زائراً من منطقة الشرق الأوسط لمدة ساعتين داخل «هارودز»، بعدما اشترى ساعة «باتيك فيليب» بقيمة 73 ألف جنيه إسترليني. وبعد التعرف على أحد المشتبه بهم، قادت بيانات هاتفه المحققين إلى الآخرين، وعثروا على صور لهم وهم يرتدون ساعات مسروقة. لكن سويندلز يُشدّد على أن كل هذه الأدوات تبدأ بخطوة أبسط: إبلاغ الشرطة. فبعض الضحايا، حتى عندما يستعيدون ساعاتهم، يترددون في تقديم شكوى أو دعم الملاحقة القضائية، ما قد يسمح للمشتبه به بالعودة إلى الشارع واستهداف شخص آخر.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

سعودي يتعرض للطعن والسرقة وسط لندن

الخليج السفارة السعودية في لندن (أرشيفية - الشرق الأوسط)

سعودي يتعرض للطعن والسرقة وسط لندن

تعرض سعودي وسط لندن للطعن أثناء عملية سرقة تعرض لها مساء الخميس. وتداول ناشطون على مواقع التواصل وصول سيارات الشرطة إلى موقع الحادث في منطقة مايفير الشهيرة

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ عناصر من الشرطة الأميركية (أ.ب)

السجن 20 عاماً لرجل على خلفية قضية «حقول القتل في تكساس»

قضت محكمة أميركية، اليوم (الخميس)، بسجن رجل 20 عاماً على خلفية قضية «حقول القتل في تكساس» في محاكمة نادرة مرتبطة بجثث عشرات النساء

«الشرق الأوسط» (جافيلستون )
رياضة عالمية مبابي (أ.ب)

القبض على عصابة إجرامية كانت تخطط لخطف مبابي

كشفت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية عن معلومات صادمة بشأن استهداف كيليان مبابي نجم ريال مدريد، من قبل عصابة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
شمال افريقيا جانب من منشآت مصفاة الزاوية «شركة الزاوية لتكرير النفط»

هل تكبح الأحكام الرادعة شبكات تهريب الوقود في ليبيا؟

فتح حكم قضائي صدر في ليبيا، بسجن 10 مدانين على خلفية تهريب وقود وسلع غذائية إلى خارج البلاد، التساؤلات حول قدرة العقوبات المشددة على كبح شبكات تهريب الوقود.

خالد محمود (القاهرة)
أميركا اللاتينية رئيس كولومبيا أبيلاردو دي لا إسبريلا في بوغوتا (أ.ف.ب)

كولومبيا تداهم مواقع المتمردين وتأمر بتسليم أباطرة المخدرات لأميركا

في خطوة تعكس تشدداً أمنياً غير مسبوق، شنت الحكومة الكولومبية الجديدة غارات جوية دقيقة استهدفت مواقع للمتمردين، كما أصدرت أوامر بتسليم عدد من المتهمين لأميركا.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
TT

زيلينسكي: ويتكوف وكوشنر سيزوران كييف غداً الأحد

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أرشيفية)

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، سيزوران كييف يوم غد الأحد.

وقال زيلينسكي في رسالة بالفيديو، إنه تم الاتفاق على أن يقوم ويتكوف وكوشنر بزيارة موسكو أولا قبل السفر إلى كييف يوم الأحد. وأضاف أن أوكرانيا تستعد للزيارة.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض أنه أرسل المبعوثين، رغم أنه لم يذكر مواعيد محددة.

وقال ترمب إنهما سيقدمان مقترحا يهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

وقال ترمب للصحافيين: «لقد أرسلناهما لنرى ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء ما أم لا».

وكما هو الحال مع جهود الوساطة الأميركية السابقة، أعرب ترمب عن تفاؤله بإمكانية إحراز تقدم، على الرغم من عدم تحقيق تقدم كبير حتى الآن.

وقال زيلينسكي إن كييف ستضمن العمليات الطبيعية في المجال الجوي الروسي خلال الزيارة، كما فعلت خلال الرحلات الدبلوماسية السابقة التي قام بها ممثلون أميركيون.

وأضاف أن أوكرانيا لن تنفذ غارات جوية خلال تلك الفترة وعلى روسيا أن ترد بالمثل.


كوسوفو تتهم 35 شرطياً صربياً سابقاً بارتكاب مجزرة عام 1998

شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
TT

كوسوفو تتهم 35 شرطياً صربياً سابقاً بارتكاب مجزرة عام 1998

شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)
شرطة كوسوفو تؤمن المنطقة خارج دير في قرية بانييسكا بكوسوفو 27 سبتمبر 2023 (أ.ب)

وجهت النيابة العامة في كوسوفو، الجمعة، اتهامات إلى 35 عنصراً سابقاً في الشرطة الصربية، على خلفية مذبحة عام 1998 التي راح ضحيتها العشرات من أقارب قيادي ألباني خلال الحرب التي دارت من أجل استقلال الإقليم.

وقُتل نحو 60 شخصاً، غالبيتهم من عائلة آدم يشاري، إلى جانبه عندما شنّت القوات الصربية هجوماً استهدف هذا القائد المؤسس لجيش تحرير كوسوفو في مارس (آذار) 1998.

وقضى هؤلاء عقب حصار فرضته وحدات من الشرطة الخاصة وقوات عسكرية صربية على مجمع عائلة يشاري في قرية بريكاز بشمال غربي كوسوفو. وحاصرت القوات الصربية الموقع ثلاثة أيام بالمركبات المدرعة والمدفعية، إلى أن تمكنت من اقتحامه.

كان من بين القتلى 20 فرداً من عائلة آدم يشاري المباشرة، وأقارب وجيران آخرون، بينهم عشرات النساء والأطفال.

عند الإعلان عن التهم، صرّح كبير المدعين العامين الخاصين بليريم إيسوفاي بأن هذه هي «أول لائحة اتهام تتعلق بمقتل مدنيين في ممتلكات عائلة يشاري في بريكاز».

ولائحة الاتهام هي نتاج عمل للنيابة العامة استمر سنوات، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفقاً للأدلة، شغل المتهمون مناصب قيادية رفيعة المستوى ضمن وحدات خاصة تابعة للشرطة الصربية، لكن نظراً لعدم وجودهم في كوسوفو حالياً، ستجرى بقية الإجراءات القضائية غيابياً.

قاد الهجوم ميلوراد أوليميك، وهو قائد سابق لوحدة من القوات الخاصة التابعة للشرطة. ويقضي أوليميك حالياً عقوبتي سجن، مدة كل منهما 40 عاماً، بتهمة تدبير اغتيال رئيس الوزراء الصربي الإصلاحي زوران جينجيتش عام 2003 والرئيس السابق إيفان ستامبوليتش عام 2000.

شكّلت مجزرة بريكاز نقطة تحوّل في الحرب التي دارت رحاها بين عامي 1998 و1999 بين ألبان كوسوفو الذين يشكّلون أغلبية السكان وطالبوا بالاستقلال، وقوات بلغراد.

أودت الحرب بأكثر من 13 ألف شخص، وانتهت بتدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) بقيادة الولايات المتحدة. وأعلن إقليم كوسوفو استقلاله عام 2008 في خطوة لم تعترف بها صربيا.


مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
TT

مبعوثا ترمب إلى موسكو وكييف في مطلع الأسبوع

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)
ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه يأمل استقبال مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، في كييف خلال الأيام المقبلة، لاستئناف الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وبدورها، قالت وكالة «تاس» الروسية الرسمية للأنباء إن المبعوثين الأميركيين، اللذين يسعيان إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سيزوران البلدين يومي السبت والأحد. ولم تكشف الوكالة عن مصدرها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام أثناء حضورهما مراسم توقيعهما وثائق في المكتب الرئاسي بكييف 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

غير أن عودة الحديث عن جولة أميركية جديدة بين موسكو وكييف تتزامن مع مفارقة لا يمكن تجاهلها. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث عن «فرصة» للسلام، فيما تواصل قواته توسيع هجماتها الجوية، وتهدد بضرب شبكات الطاقة الأوكرانية في الشتاء.

في المقابل، تعلن واشنطن تمسكها بإنهاء الحرب، لكن وزير الخزانة سكوت بيسنت يحمّل الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية جزءاً من مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة. لذلك، تبدو زيارة ويتكوف وكوشنر، إذا تمت، محاولة لإعادة تحريك قناة متوقفة، لا اختراقاً جاهزاً. فإدارة ترمب تتحرك تحت ضغط حرب إيران، ونقص في بعض مخزوناتها من الصواريخ الدفاعية والهجومية، وأسعار وقود حساسة انتخابياً، في حين أن روسيا وأوكرانيا تسعيان إلى تحسين أوراقهما التفاوضية ميدانياً قبل العودة إلى التفاوض.

لافروف مع بوتين والمستشار الرئاسي يوري يوشاكوف (إ.ب.أ)

زيارة غير محسومة

في خطابه المسائي المصور، تحدث زيلينسكي عن «مواعيد مبدئية حُددت»، وأن فريقه تلقى تأكيداً من مبعوثي ترمب، متوقعاً اجتماعات معهما في موسكو وكييف خلال الأيام المقبلة. ومع ذلك، امتنع الكرملين عن تأكيد الموعد، فيما لم يصدر موقف رسمي أميركي. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطّلع أن زيارة كييف ما زالت قيد البحث، فيما تحاول موسكو عدم إدراجها. وشارك المبعوثان الأميركيان في جهود دبلوماسية مكوكية بين روسيا وأوكرانيا، وزارا موسكو مرات عدة، من دون زيارة كييف.

ويرى مراقبون أنه في ظل هذه الأجواء، لا يمكن اعتبار الوساطة الجاري التحضير لها نهائية، لأنها تُستأنف بعدما فقدت زخمها منذ آخر جولة في فبراير (شباط) الماضي، وانغماس إدارة ترمب في الحرب مع إيران. وزيارتهما لكييف ستكون اختباراً إذا كانا سيستمعان إلى الطرفين، بعدما أثارت زياراتهما المتكررة لموسكو شكوكاً واعتراضات أوروبية وأوكرانية عن حيادية الوساطة الأميركية.

لافروف مع بوتين في المنتدى الاقتصادي الشرقي بمدينة فلاديفوستوك (أ.ب)

ومع ذلك، قد لا يعني استئناف الوساطة أن الفجوة بين الطرفين قد حلّت. فقد جدد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، التأكيد على تصريحات بوتين، التي قال فيها إن شروطه المعلنة «لا تتزعزع»؛ تنازل أوكرانيا بالكامل عن المقاطعات الأربع التي احتلتها روسيا، بما فيها الأراضي التي لم تتمكن من السيطرة عليها، والتخلي عن جهود الانضمام إلى حلف الناتو، وهو ما تعدّه كييف استسلاماً.

تصعيد لكسب الأوراق

غير أن الحديث عن تجدد الحركة الدبلوماسية يترافق مع توسع القتال على الجبهات وعمق البلدين. فقد أفادت هيئة أركان الجيش الأوكراني حصول 240 اشتباكاً يوم الخميس، تركزت حول بوكروفسك وكوستيانتينيفكا ومحور سلوبوجانشينا الجنوبي. وأفادت القوات الجوية بأن روسيا أطلقت، ليل الخميس – الجمعة، صاروخاً من طراز «كي إتش - 31ب» و121 طائرة مسيرة، من بينها مسيرات نفاثة متطورة، أسقطت الدفاعات أو عطّلت 103 منها. وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بمقتل 3 أشخاص على الأقل في أوديسا ودنيبرو، وإصابة آخرين في مبنى سكني في كييف. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن إصابة أحد مستودعاتها الرئيسية المخصصة للإمدادات الطبية في كييف، من دون تسجيل إصابات في صفوف موظفيها.

في المقابل، أفادت تقارير عن ضرب مسيرات أوكرانية مستودعات نفط في سوتشي ومنطقة سيريوس على البحر الأسود، ونشوب حريق قرب موقع دفاعي جوي. وتأتي العملية في إطار حملة أوسع لاستهداف مصافي ومخازن الوقود ومستودعات تجارية ومطارات روسية، بهدف خفض إيرادات الحرب ونقل تكلفتها إلى العمق الروسي.

وتستخدم موسكو تفوقها في الصواريخ والمسيرات لضرب المدن والموانئ ومراكز الطاقة الأوكرانية، في ظل نقص في وسائل الدفاع، وخصوصاً صواريخ باتريوت، لإجبار كييف على دخول فصل الشتاء تحت ضغط اقتصادي وإنساني كبير.

ومع ذلك، لا يعدّ هذا التصعيد أن الطرفين لا يسعيان للتفاوض، بل إنهما يحاولان تحسين شروطهما. لكن أثر هذا التصعيد بدأ يصل إلى الأسواق العالمية. وقال وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، لشبكة «فوكس نيوز»، إن العالم يواجه ما سماه صدمة طاقة، بسبب حرب إيران، لكن أيضاً بسبب ضرب أوكرانيا الأصول النفطية الروسية ومنتجات التكرير. وجاء كلامه بعد لقائه وزير المال الروسي، أنطون سيلوانوف، على هامش اجتماع وزراء مال وقادة بنوك مجموعة العشرين، الذي انعقد في ولاية نورث كارولينا أول الأسبوع، في أول اجتماع يحضره مسؤول روسي منذ عام 2022، وسط اعتراضات أوروبية.

وبحسب «رويترز»، فقد حمل موقف بيسنت رسالة مزدوجة، حيث إنه أبلغ سيلوانوف أنه لا تخفيف للعقوبات الاقتصادية، ولا اتفاقات جديدة قبل انتهاء الحرب. وهو ما يوحي بسياسة تجمع بين الانفتاح على الحوار والإبقاء على العقوبات، مع ضغط ضمني على كييف كي تأخذ في الاعتبار أثر ضرباتها على أسواق الطاقة. ورغم أن بيسنت لم يقدم طلباً واضحاً لوقف هذه الهجمات، فإنه يعكس القلق الأميركي من تأثير ارتفاع الأسعار على الانتخابات النصفية.

مسيّرة تضرب مقرّ جهاز الأمن الأوكراني

من جهة أخرى، أعلن زيلينسكي، الجمعة، أن طائرة مسيّرة روسية أصابت مقر جهاز الأمن الأوكراني في كييف.

وأظهرت صورة، نشرها موقع «يوكرينسكا برافدا» الإخباري، ما بدا أنه دخان أسود يتصاعد من نافذتين على الأقل في واجهة المبنى، بينما كانت سيارة إطفاء متوقفة في الخارج.

ردود فعل أشخاص في موقع غارة جوية روسية بطائرة مسيّرة على مبنى سكني في كييف بأوكرانيا في الأول من سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وكتب زيلينسكي، عبر تطبيق «تلغرام»: «تحدثت مع رئيس جهاز الأمن الأوكراني، أولكسندر بوكلاد. للأسف، أصابت طائرة مسيّرة روسية المبنى الرئيسي للجهاز في شارع فولوديميرسكا في كييف، قبالة كاتدرائية القديسة صوفيا». وأضاف أن الطائرة كانت تستهدف مكتب رئيس الجهاز «بشكل مباشر».

مواجهة مسلحة بين جهازي أمن أوكرانيين

من جهة أخرى، انتقد الرئيس الأوكراني الأجهزة الأمنية في بلاده بعد تبادل لإطلاق النار بين عناصر من جهازين أمنيين في كييف هذا الأسبوع، مهدداً بإقالة مسؤولين كبار. إذ اندلعت الأربعاء في العاصمة مواجهة مسلحة بين عناصر من الاستخبارات العسكرية الأوكرانية (غور) وجهاز الأمن الأوكراني (إس بي أو)، أسفرت عن إصابة عدد منهم. ووقع تبادل إطلاق النار في وضح النهار. وقال زيلينسكي، الخميس: «يجب محاسبة الجهازين. كلاهما تصرفا بطريقة غير مقبولة على الإطلاق».

وأوضح أن مسؤولين أمنيين، أحدهما من كل جهاز، هما في وضع المشتبه بهما، فيما لا يزال التحقيق جارياً. وأضاف: «من المهم كشف الحقيقة وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث».

سلام بأي شروط!

وفيما يواصل الخطاب الروسي استخدام عبارات أقل تشدداً في الشكل، يرى محللون أنه محاولة لإظهار موسكو كطرف منفتح على الدبلوماسية ومحاولة إشراك الصين وأميركا ودول أخرى، مع مواصلة تحميل ما وصفها بـ«المغامرة الأوكرانية» المسؤولية عن استمرار الحرب. وهي رواية تتجاوز حقيقة أن روسيا هي التي استولت على القرم، وأشعلت الحرب في إقليم دونباس عام 2014، ثم نفّذت غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022. كما أن إعلان بوتين استعداده للتفاوض، لا يعني قبوله بتعديل أهدافه، وما يعرضه الآن لا يعدو كونه تقديم كييف للتنازلات.

ناتاليا وابنتها إيليا البالغة من العمر 6 سنوات تجلسان في موقع مبنى سكني تضرر جراء ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في بلدة بوريسبيل الأوكرانية في الأول من سبتمبر 2026 (رويترز)

لذلك، يرى البعض أن الاختبار الحقيقي لجولة ويتكوف وكوشنير، إذا تمت، هو مضمون ما سيحملانه. فهل سيقترحان وقفاً متبادلاً للهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية والموانئ، وضمانات أمنية قابلة للتنفيذ، وجدولاً يربط خفض العقوبات بالتزامن مع انسحابات والتزامات روسية، أم سيركزان على خفض الهجمات الأوكرانية فقط التي ترفع أسعار الطاقة؟ وإذا كان ضغطهما متوازناً فقد تؤدي الزيارة إلى وقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي، ولو بطيئاً.