ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

تحقيقات أكدت استمرار صرف أكثر من 52 مليون دينار لـ1446 شخصاً رغم ثبوت وفاتهم

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
TT

ليبيا تضيق الخناق على شبكات تزوير «الرقم الوطني»

موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)
موظفون في مكتب سجل مدني الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمكتب)

وسّعت السلطات القضائية الليبية ملاحقتها لشبكات تزوير وثائق الهوية والسجل المدني، في حملة كشفت اليوم الثلاثاء عن حصول نحو 7 آلاف غير مستحق على معاشات ضمان اجتماعي خلال 5 سنوات، في بلد يواجه منذ سنوات انقساماً سياسياً وأمنياً، ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة وقواعد بياناتها.

وأعادت القضية إلى الواجهة ملفاً مفتوحاً منذ نحو أربع سنوات، وذلك عندما أعلن النائب العام الصديق الصور رصد عشرات الآلاف من الأرقام الوطنية المشتبه في تزويرها، وتوالت بعدها عمليات ضبط آلاف المتورطين في جرائم تزوير.

وتزداد حساسية الملف في ليبيا بالنظر إلى اتساع نطاق المنافع المرتبطة بالرقم الوطني من الإعانات الحكومية، والخدمات المصرفية إلى تملك العقارات والشركات، والحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي، ما يجعله أكثر من مجرد وسيلة لإثبات الهوية.

النائب العام الليبي الصديق الصور (الصفحة الرسمية لمكتبه)

وفي أحدث حلقات هذه الحملة، كشفت النيابة العامة، فجر الثلاثاء، عن نتائج مراجعة امتدت لخمس سنوات لبيانات عدد من المستفيدين من معاشات الضمان الاجتماعي. أسفرت عن وقف صرف 8400 معاش أساسي، تمهيداً لمطابقة بيانات أصحابها مع قاعدة البيانات الوطنية، والتحقق من مدى استحقاقهم.

وحسب مراقبين يبدو أن الحملة الأخيرة تستهدف تجفيف منابع تلك الشبكات الممتدة في شرق ليبيا وغربها، بعدما أظهرت عمليات الفحص استخدام 6954 رقماً وطنياً مزوراً في مستندات طلب الحصول على المنافع الاجتماعية، وهو ما ترتب عليه صرف نحو 304 ملايين خلال خمس سنوات، وفق بيان النيابة العامة.

كما كشفت التحقيقات القضائية أيضاً عن استمرار صرف 52 مليوناً و251 ألف دينار لـ1446 شخصاً، رغم ثبوت وفاتهم خلال الفترة نفسها، في واقعة تعكس حجم الثغرات، التي يمكن أن تنشأ عن ضعف الربط بين قواعد البيانات الحكومية، أو استغلالها بصورة غير مشروعة.

وتأتي هذه الأموال ضمن منظومة المساعدات الاجتماعية، التي تشمل منحة «أرباب الأسر»، المعروفة في ليبيا بمنحة الزوجة والأبناء، وهي من أبرز المزايا التي تجعل الحصول على الرقم الوطني هدفاً لشبكات التزوير. وتبلغ المنحة 100 دينار شهرياً للأبناء دون 18 عاماً، والمبلغ نفسه للبنات فوق 18 عاماً، بينما تحصل الزوجة غير العاملة على 150 ديناراً شهرياً.

وكشفت قضية أخرى في مدينة سبها (جنوب) عن جانب إضافي من الخلل داخل منظومة الضمان الاجتماعي، حيث توصلت تحقيقات النيابة، الثلاثاء، إلى صرف معاشات في فرع صندوق التضامن الاجتماعي لـ1150 شخصاً، من دون مستندات تثبت استحقاقهم، إلى جانب صرف 2.46 مليون دينار من دون مستندات تبيّن سلامة التصرف فيها.

وتسلط التحقيقات الأخيرة كذلك الضوء عن وجود شبكات تتجاوز تزوير الوثيقة ذاتها إلى إعادة بناء هويات عائلية كاملة داخل السجل المدني.

ففي طرابلس، أمر مكتب النائب العام بحبس أجنبي (لم يتم تحديد جنسيته) احتياطياً على ذمة التحقيق، يوم الاثنين، بعدما تبين تورطه مع موظف في مكتب السجل المدني في استغلال قيد عائلي يعود إلى أسرة انقطع نسلها، وإنشاء بيانات مدنية جديدة، وترتيب أرقام وطنية عليها.

وحسب التحقيقات، فقد دفع المواطن الأجنبي 10 آلاف دينار للموظف مقابل تسليمه ورقة العائلة وتنسيق عملية التزوير، فيما حصلت أرملة صاحب القيد، وهي أجنبية أيضاً، على 20 ألف دينار بعد مغادرتها ليبيا.

واستخدم الأجنبي القيد المستولى عليه للحصول على هويات وطنية لتسعة من أقاربه في البيانات الجديدة، أتاحت لهم الاستفادة من حقوق مرتبطة بالمواطنة، فيما ساعدت البيانات المزورة أحد المستفيدين على تفادي تنفيذ حكم بالسجن المؤبد صادر بحقه في بلاده.

وأمرت النيابة بضبط موظف السجل المدني وبقية المتورطين في العملية، ووقف العمل بالمستخرجات الرسمية المستندة إلى البيانات المزورة، مع تتبع المنافع التي ترتبت عليها لحصر آثارها القانونية والمالية، وتحديد المسؤوليات الناجمة عنها.

ومن منظور أمني، يثير تزوير الأرقام الوطنية مخاوف أوسع تتجاوز الاحتيال المالي، مع احتمال استخدامها للحصول على جوازات سفر، أو الالتحاق بوظائف في أجهزة أمنية ومؤسسات حساسة، فضلاً عن توظيفها في أنشطة متطرفة أو إجرامية. كما يهدد تضخيم السجل المدني نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة.

وسبق أن أعلنت النيابة العامة قبل نحو 4 أعوام رصد 15 ألف بطاقة انتخابية مزورة خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام في عام 2012، إضافة إلى ضبط 3829 بطاقة انتخابية مزورة، مرتبطة بالانتخابات التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021، لكن لم تجر بسبب «القوة القاهرة».

تضخيم السجل المدني يهدد نزاهة أي استحقاقات انتخابية مقبلة (مفوضية الانتخابات)

ومنذ مطلع العام الحالي، اتخذت النيابة العامة سلسلة إجراءات ضد شبكات تزوير في السجل المدني، امتدت إلى طرابلس وطبرق وأوباري وتيجي، وكشفت التحقيقات في عدد من هذه القضايا عن تورط موظفين حكوميين في تقاضي رشى، مقابل تغيير قيود عائلية، وإنشاء بيانات مدنية مخالفة للحقيقة.


مقالات ذات صلة

اغتيال المنصوري يعيد شبح استهداف العسكريين إلى بنغازي الليبية

شمال افريقيا المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)

اغتيال المنصوري يعيد شبح استهداف العسكريين إلى بنغازي الليبية

أعاد اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، شبح استهداف القيادات العسكرية والتفجيرات إلى بنغازي

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)

«فوضى المسيّرات» تهدد بتعطيل إنتاج النفط الليبي

تعيش ليبيا حالة من القلق المتصاعد والاستنفار في قطاعها النفطي، الثلاثاء، بعدما تحولت مرافق نفطية في مدينة الزاوية، 40 كم غرب العاصمة طرابلس، إلى كتل من اللهب.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة متداولة لموقع الانفجار في وسائل إعلام ليبية

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا

نعت القوات المسلحة الليبية، اليوم (الثلاثاء)، مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» بشرق البلاد إثر انفجار عبوة ناسفة في سيارته.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

إعلان «الطوارئ القصوى» بعد اندلاع حريق جراء استهداف مصفاة الزاوية في ليبيا

وقالت ‌المؤسسة الوطنية للنفط ‌في بيان إن الخزان ​الذي يحتوي على حمولة ‌تقدر بنحو 4.5 مليون لتر من بنزين ‌السيارات تعرض «لاستهداف مباشر» أدى إلى اندلاع حريق شديد

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

كان الاحتفال بالذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لسجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي.

علاء حموده (القاهرة )

اغتيال المنصوري يعيد شبح استهداف العسكريين إلى بنغازي الليبية

المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)
المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)
TT

اغتيال المنصوري يعيد شبح استهداف العسكريين إلى بنغازي الليبية

المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)
المنصوري في آخر ظهور له خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي الأحد (إعلام الجيش الليبي)

أعاد اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، شبح استهداف القيادات العسكرية والتفجيرات إلى مدينة بنغازي، بعدما قُتل بانفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في منطقة الهواري جنوب المدينة، في وقت متأخر الاثنين، في هجوم غير مسبوق منذ سنوات.

وعَمّت حالة من الاستنفار الأمني بنغازي، الثلاثاء، بعد ساعات من الانفجار الذي وقع مساء الاثنين، عقب خروج المنصوري من صلاة العشاء قرب مسجد السيدة عائشة، أمام منزله في منطقة الهواري. وقال «الجيش الوطني» إن عبوة ناسفة لاصقة استهدفت سيارته، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن.

المنصوري لدى حضوره احتفال حفتر بذكرى تأسيس الجيش الليبي (إعلام الجيش الليبي)

وباشرت الأجهزة الأمنية تحقيقات موسعة لكشف ملابسات الهجوم، وتحديد الجهة التي تقف وراءه، بالتزامن مع تشييع جثمان المنصوري، ظهر الثلاثاء، في بنغازي، بحضور صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وخالد حفتر، رئيس الأركان العامة.

ويعيد اغتيال المنصوري، البالغ 57 عاماً، إلى الواجهة سجل استهداف الضباط والعناصر الأمنية في بنغازي، خصوصاً خلال عامي 2013 و2014، عندما شهدت المدينة موجة من الاغتيالات، التي طالت عسكريين وأمنيين، بالتزامن مع تفجيرات بسيارات مفخخة استهدفت مواقع وشخصيات عسكرية، وفق تقارير للأمم المتحدة.

وتراجعت هذه الهجمات مع انتهاء المعارك الكبرى التي خاضها «الجيش الوطني» ضد الجماعات المتطرفة في إطار «عملية الكرامة»، التي أطلقها المشير خليفة حفتر عام 2014، واستعادة القوات السيطرة على معظم مناطق بنغازي.

ويكتسب اغتيال المنصوري حساسية إضافية لكونه ظهر قبل ساعات قليلة من مقتله، خلال الاحتفال الذي أقامه حفتر في بنغازي بمناسبة الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي. كما أن استخدام عبوة ناسفة في استهداف مسؤول استخباراتي رفيع يعيد إلى الأذهان الأساليب التي استخدمتها الجماعات المتطرفة خلال سنوات الصراع الأولى في المدينة.

وقال الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، في منشور عبر منصة «إكس»، إن اغتيال المنصوري يمثل «الحادث العنيف الدرامي الأول» الذي تشهده بنغازي منذ عدة سنوات، مشيراً إلى أن الهجوم يثير تساؤلات حول قدرة «الجيش الوطني» على حماية كبار قادته العسكريين.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن المشير خليفة حفتر أصدر تعليمات أمنية عاجلة بتشديد إجراءات الحراسة والتأمين الخاصة بكبار الضباط والمسؤولين العسكريين والأمنيين، في أعقاب اغتيال المنصوري. وقالت مصادر عسكرية إن الإجراءات الجديدة تستهدف رفع درجات التأهب، وتأمين المقرات الحيوية والمناطق السكنية الخاصة بالقيادات العسكرية، تحسباً لوقوع خروقات أمنية جديدة، ومنع أي محاولات لاستهداف قيادات الجيش والأجهزة الأمنية.

المشير خليفة حفتر خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجيش الليبي (إعلام القيادة العامة)

ووصفت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الهجوم بأنه «عمل خسيس وجبان» نفذته «يد آثمة»، وقالت إن أسلوبه يشبه عمليات الاغتيال التي شهدتها بنغازي عام 2014، وتوعدت بملاحقة منفذي الهجوم، مؤكدة أن الحادث لن يثني قواتها عن مواصلة جهودها لمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.

ويُعد المنصوري من كبار ضباط «الجيش الوطني»، وتدرج في مواقع عسكرية وأمنية عدة، ارتبط معظمها بالعمليات التي خاضتها قوات حفتر في الشرق والجنوب. وهو من مواليد مدينة ترهونة، الواقعة على بعد نحو 88 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس، وبرز اسمه كآمر لغرفة عمليات أجدابيا وضواحيها، حيث شارك في عمليات لملاحقة جرائم الخطف والاغتيالات.

وخلال هجوم «الجيش الوطني» على طرابلس عام 2019، تولى المنصوري الإشراف على محوري عين زارة ووادي الربيع، قبل تكليفه في أغسطس (آب) 2021 بقيادة منطقة سبها العسكرية في الجنوب، حيث تعامل مع ملفات أمنية مهمة، شملت الحدود والتهريب ونشاط الجماعات المسلحة.

وفي مايو (أيار) 2024، عُيّن مديراً لإدارة الاستخبارات العسكرية برتبة لواء، وظهر لاحقاً في لقاءات رسمية مع وفود عسكرية أجنبية، من بينها مسؤولون في القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) ومسؤولون روس.

ويرى مراقبون أن اغتيال مسؤول استخباراتي بهذا الحجم في بنغازي، التي تمثل المعقل الرئيسي للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، يفرض اختباراً أمنياً على قيادة «الجيش الوطني»، ويكشف في الوقت نفسه أن الاستقرار النسبي الذي شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة لم يُنهِ تماماً مخاطر الاختراقات الأمنية والعمليات النوعية.

كما يعيد هذا التفجير النوعي إلى الواجهة المخاوف من وجود خلايا نائمة تابعة للجماعات الإرهابية في ليبيا، وهي مخاطر سبق أن حذّر منها خالد حفتر في يناير (كانون الثاني) الماضي، مشيراً إلى احتمال استغلال مسارات الهجرة غير النظامية لاختراق الأراضي الليبية.

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي وعسكري بين حكومتين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى يترأسها أسامة حماد وتسيطر على الشرق، وأجزاء واسعة من الجنوب، وتحظى بدعم حفتر.


شغور منصب وزير الثقافة في مصر يثير تكهنات بتعديل حكومي

الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة (وزارة الثقافة)
الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة (وزارة الثقافة)
TT

شغور منصب وزير الثقافة في مصر يثير تكهنات بتعديل حكومي

الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة (وزارة الثقافة)
الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة (وزارة الثقافة)

يزداد الترقب حول منصب وزير الثقافة في مصر الشاغر بعد مرور أكثر من شهر على استقالة جيهان زكي، وشغله مؤقتاً من جانب وزير التعليم العالي، وسط تكهنات نيابية بتعديل حكومي «قريب» ومطالبات بتغيير شامل.

وتوقع النائب والإعلامي، مصطفى بكري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تكون هناك تعديلات وزارية قريبة تشمل وزارة الثقافة»، مؤكداً أن «التعديلات حولها تكتم كبير، بشأن الوزارات التي سيتم تغيير وزرائها».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع وزراء بالحكومة (رئاسة الوزراء)

بدوره، قال عضو اللجنة التشريعية في مجلس النواب، أمين الإعلام بحزب العدل، النائب حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعديلات الوزارية محتملة في ضوء شغور منصب وزير الثقافة، مشدداً على أن المطلب الوحيد حالياً للحزب هو أن يتم تغيير الحكومة بالكامل، وليس فقط إجراء تعديلات وزارية قريبة.

وأشار هريدي إلى أن هناك حاجة ملحة لرؤية اقتصادية مختلفة، خصوصاً وأن مصر لا تحتاج لتبديل أشخاص فقط في الحكومة، بل إحداث تغيير شامل للسياسات والأفكار، مشدداً على أن هناك وزارات بحاجة للتغيير، مثل البترول والشباب والرياضة، ووزارة العمل والتموين، بخلاف المجموعة الاقتصادية.

وتأتي هذه التوقعات والمطالب النيابية بعد نحو شهر من إطاحة قضية حقوق «ملكية فكرية» بوزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، وقبول الحكومة استقالتها غداة حكم قضائي نهائي أدانها في القضية.

وبهذا الخصوص، قالت الحكومة، في بيان أصدرته قبل نحو شهر، إن جيهان زكي «تقدمت باستقالتها لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي؛ لترفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية، وهي تحترم أحكام القضاء المصري».

وأصدر مدبولي قراراً بتولي الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، مهام القائم بأعمال وزير الثقافة إلى حين تعيين وزير جديد.

وجيهان زكي أكاديمية وعالمة مصريات مصرية، شغلت منصب وزيرة الثقافة المصرية منذ 10 فبراير (شباط) 2026 ضمن حكومة مدبولي الثالثة، وذلك عقب أدائها اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلفاً للدكتور أحمد فؤاد هنو.

وشكل مصطفى مدبولي حكومته الأولى في يونيو (حزيران) 2018، واستمرت حتى استقالتها في يونيو 2024، ليُكلف بعدها بتشكيل حكومته الثانية، التي أدت اليمين في الشهر نفسه من عام 2024.

ويُعد مدبولي ثالث رئيس حكومة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد إبراهيم محلب وشريف إسماعيل، والأطول بقاء منذ عام 2018.

Your Premium trial has ended


«فوضى المسيّرات» تهدد بتعطيل إنتاج النفط الليبي

من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)
من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)
TT

«فوضى المسيّرات» تهدد بتعطيل إنتاج النفط الليبي

من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)
من جهود فرق الإطفاء لإخماد الحرائق التي اندلعت بأحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (رويترز)

تعيش ليبيا حالة من القلق المتصاعد والاستنفار في قطاعها النفطي، بعدما تحولت مرافق نفطية في مدينة الزاوية (40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس)، إلى كتل من اللهب إثر هجمات متكررة بطائرات مسيّرة، استهدفت منشآت حيوية.

وتزامنت هذه التطورات، التي وصفها خبراء بـ«الخطيرة» على قطاع الطاقة في ليبيا، مع تحذيرات من أن استمرار الاعتداءات قد يدفع إلى إعلان «القوة القاهرة»، وتعليق العمل في المصفاة، فيما تتصاعد المطالب باتخاذ إجراءات أمنية عاجلة لحماية المنشآت النفطية.

مسعفون في موقع حريق بأحد المرافق النفطية في مدينة الزاوية (هيئة السلامة الوطنية)

وحتى عصر الثلاثاء، كانت فرق إطفاء تابعة لهيئة السلامة الوطنية، وأخرى لجهاز الإسعاف والطوارئ، تواصل السيطرة على الحريق الذي اندلع في مصفاة الزاوية، بالتزامن مع أعمال التبريد وتأمين الخزانات والمنشآت المجاورة، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار النيران وآثارها.

وتضع الهجمات قطاع النفط الليبي أمام اختبار أمني جديد، خصوصاً مع انتقال استهداف الطائرات المسيّرة إلى منشآت ترتبط مباشرة بعمليات التخزين والتكرير والتوزيع في الزاوية، بما يزيد المخاطر على استمرارية العمليات النفطية في البلاد.

وقال محمد البكوش، مدير إدارة الطوارئ والأزمات بهيئة السلامة الوطنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فوضى المسيّرات والتشكيلات المسلحة» أسهمت في تردي الوضع الأمني المحيط بمصفاة النفط الحيوية، مشدداً على أن المنشأة تمثل مصدر رزق لليبيين، حيث تمتد فائدتها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد والمجتمع.

وأضاف البكوش موضحاً أن الوضع «تحسن صباح اليوم» اليوم، بعد وصول فرق نجدة ومعدات من مناطق عدة للمساعدة في السيطرة على الحريق، مشيراً إلى استمرار عمليات الإطفاء والتبريد، وتأمين المواقع المحيطة.

وجاءت الحرائق بعد سلسلة من الهجمات، التي شهدتها منشآت نفطية في الزاوية خلال الأيام الماضية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام طائرات مسيّرة في تنفيذها. وكان من بين المواقع المستهدفة مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط، بعدما سقطت إحدى المسيّرات بالقرب من خزان الزيوت الرئيسي، وشبكة الأنابيب المستخدمة في تصنيع الزيوت المخصصة للسوق المحلية.

كتل اللهب تتصاعد في أحد المرافق النفطية بمدينة الزاوية (هيئة السلامة الوطنية)

كما تعرض خزان تابع لشركة البريقة لتسويق النفط، مخصص لتخزين بنزين السيارات، للاستهداف المباشر، وكان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، ما أدى إلى اندلاع حريق شديد وانهيار الخزان بالكامل.

وسبق ذلك السبت الماضي استهداف خزان تابع لمصفاة الزاوية، ما ألحق أضراراً بجدار الخزان، وأحدث ثقبين تسبّبا في تسرب جزء من مخزون المنتج، من دون أن يؤدي الحادث إلى اندلاع حريق.

من جهته، قال المتحدث باسم شركة «البريقة لتسويق النفط»، أحمد المسلاتي، إن توزيع الوقود تأثر جزئياً جراء الظروف، التي تمر بها مصفاة الزاوية، ما استدعى تحويل عمليات التوزيع إلى مستودع طرابلس النفطي، داعياً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى موقف حازم لوقف فوضى المسيّرات، التي تهدد إنتاج النفط الليبي وتوزيع منتجاته.

ولم تُسجل، وفق البيانات الرسمية المتاحة، خسائر بشرية جراء هذه الهجمات. إلا أن استمرارها دفع مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط إلى التحذير من أنه قد يضطر إلى إعلان «القوة القاهرة»، ووقف العمل في المصفاة كلياً إذا تواصلت الاعتداءات.

وتُستخدم عبارة «القوة القاهرة» في قطاع النفط لوصف ظرف استثنائي خارج عن إرادة الطرف المتعاقد، يحول دون تنفيذ الالتزامات التعاقدية، أو استمرار عمليات الإنتاج والتشغيل كلياً أو جزئياً.

وتقول الخبيرة النفطية، نجوى البشتي، إن إعلان «القوة القاهرة» في الزاوية ستكون له تداعيات مباشرة على إنتاج وصادرات النفط الليبي، موضحة أنه قد يؤدي إلى توقف إنتاج تكرير 100 ألف برميل يومياً من حقل الشرارة، إلى جانب توقف تصدير نحو 200 ألف برميل من الخام عبر ميناء الزاوية.

وأضافت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات تعني حرمان البلاد من أكثر من 20 في المائة من إنتاجها النفطي، معتبرة أن ذلك يمثل «وضعاً بالغ الخطورة» بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بالأساس على النفط.

ويظل النفط المصدر الرئيسي لإيرادات ليبيا، إذ يدور إنتاجها من الخام حول 1.4 مليون برميل يومياً، وفق أرقام رسمية، فيما تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط رفع الإنتاج إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، بحلول منتصف العام المقبل.

الدبيبة خلال لقاء مع قادة أمنيين وعسكريين وتشكيلات مسلحة في العاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

وفي مواجهة التصعيد، ترأس نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، اجتماعاً مع قادة مجموعات مسلحة في الزاوية لبحث تداعيات حريق خزان وقود تابع لشركة البريقة، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية، ورفع التنسيق بين المؤسسات، ومعالجة التوترات الأمنية والاجتماعية بالمدينة، بحسب بيان للمجلس الرئاسي الثلاثاء.

كما طالب رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بالتعامل الأمني الحازم مع أي مساس بالمنشآت والمرافق الحيوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها. وخلال اجتماع مع عدد من القيادات العسكرية والأمنية في طرابلس.

وفي توقيت متزامن، حثّت لجنة الطاقة بالبرلمان الليبي، الجهات الأمنية المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المرافق النفطية، محذرة من أن الاعتداءات لا تمس البنية التحتية الوطنية فحسب، بل تشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار البلاد، وتنعكس سلباً على حياة المواطنين.

ويعكس تصاعد الاستهدافات في الزاوية اتساع المخاطر، التي تواجه المنشآت النفطية الليبية، في ظل هشاشة الوضع الأمني، وتعدد القوى المسلحة، بما يجعل حماية قطاع النفط مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة السلطات على فرض ترتيبات أمنية مستدامة حول المنشآت الحيوية.