«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

يُختتم به موسم الصيف في غاليري «آرت أون 56»

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
TT

«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)

كما في موعده من كل عام، يختتم غاليري «آرت أون 56» موسم الصيف بمعرض جماعي يستعيد أبرز أعمال الفنانين التشكيليين الذين يتعاون معهم. ومن خلال لوحات جديدة يفوق عددها أعمالاً سبق لرواد الغاليري أن شاهدوها، يرسي المعرض علاقة وطيدة بين المكان والزمان، ويضع بين أيدي زواره مجموعة تستعيد ذاكرة لقاءات سابقة، وأخرى تفتح المجال أمام حضور فني متجدد.

أسئلة وجدانية في لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت» (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «أرض مشتركة»، يقدّم 13 فناناً تشكيلياً أعمالاً تحمل ذكريات جماعية وتجارب ماضية وتطلعات مستقبلية، ويتشاركونها مع الزوار بهدف ترسيخ هذه الموضوعات وربطها بعلاقة وثيقة مع الأرض، فتأخذنا هيبت بلعة إلى عالم التواصل المباشر بين الناس حول فنجان قهوة، بينما يرسم عماد فخري النار والهدوء في لوحة تعكس ألوانها تناقض الحالات التي مرّ بها. أما إدغار مازجي وعيسى حلّوم ومنصور الهبر، فيلوّنون أعمالهم بالهوية والإنسانية والطبيعة.

وبدلاً من التركيز على الانقسام، يتناول المعرض المساحات التي تنشأ فيها الروابط. وتتحدث الأعمال المعروضة عن الصمود، ليس بوصفه رد فعل على التحديات فحسب، بل بوصفه التزاماً مستمراً بالإبداع والخيال والأمل.

ومن خلال الرسم والتصوير والنحت وممارسات الوسائط المتعددة، يدعو الفنانون المشاركون المشاهدين إلى التأمل فيما يربط بينهم، على اختلاف تجاربهم ووجهات نظرهم، وتقترح أعمالهم مساحة مشتركة للحوار والتفاهم.

تتمسك نهى محرّم بإقامة معارض تبرز دور لبنان الثقافي (الشرق الأوسط)

وتشير صاحبة غاليري «آرت أون 56»، نهى محرّم، إلى أن هذا النوع من المعارض يشكِّل بقعة ضوء في حياة اللبناني المثقلة بالهموم والمشكلات. وتضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل الأوضاع المضطربة التي نعيشها، أردنا تسليط الضوء على تشارك اللبنانيين مساحة واحدة في وطن واحد. وتأتي موضوعات المعرض تحية لثقافات وفنون تجمعنا، وقد اخترناها زاهية ومفرحة، تبعث البهجة في النفس، وتكون بمنزلة متنفس للزائر».

عمّا إذا كان المعرض الجماعي يسهم في خفوت الأضواء عن فنان واحد، تردّ غادة جمّال المشاركة في الحدث: «في المعرض الجماعي لفنانين ينتمون إلى غاليري واحد، تبرز أهمية الاختلاف في الأعمال. ونحن ننتمي إلى مكان ثقافي واحد نشعر بدفء العائلة وبقيمة الأعمال التي نرسمها».

وتتناول جمّال في لوحتها «شديدة الانحدار» مرحلة صعبة شعرت بأن لبنان سيمرّ بها. وتقول: «يومها، كان لديّ إحساس مسبق بما ينتظر لبنان من صعوبات. رسمت مشاعري الصادقة وكل القلق الذي يجتاحنا. لكن الأمل موجود دائماً، وهو ما نلاحظه في اللوحة؛ لأن النور يسطع منها رغم كل شيء».

وفي لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت»، المنفّذة بتقنية الأكريليك، نلمس مجموعة من التناقضات يرسمها الفنان بريشة تحمل فلسفة خاصة، ويعبّر عنها بألوان تتجاور فيها حالات الهدوء والتوتر والصمت والاشتعال.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «تناولت حالة متناقضة تجمع بين الهدوء والنار الخامدة. تعكس ريشتي حالات أمرّ بها؛ فقد أبدأ اللوحة بمزاج معيّن، ثم أنتقل إلى أمزجة أخرى. وأحياناً يستغرق اختيار اسمها أياماً طويلة، إذ يولد العنوان من الحالة الأخيرة التي أكون فيها».

ويتابع: «أنطلق من موضوع واقعي، لأنقله لاحقاً إلى صرخة ملوّنة بالديناميكية. وبين الهدوء والنار، أشدّد على خامة اللوحة وشفافيتها، فتسير ريشتي بشكل تصاعدي، وصولاً إلى الانفجار الذي أترجمه بألوان متشابكة».

يتنوّع معرض «أرض مشتركة» بين لوحات تحمل موضوعات دافئة، وأخرى تتحرك بين اليقين والشك. وتسير الفنانة ليلى داغر في هذا الاتجاه، إذ تشارك في المعرض بلوحتين مختلفتين، هما «الورود الزهرية» و«عبّاد الشمس». وعلى الرغم من أن عنوانيهما يرتبطان بنوعين من الزهور، فإن كل واحدة منهما تترجم محاولاتها الدؤوبة لتضميد الجراح، ومحو ندوبها باستخدام تقنية «الميكسد ميديا».

هيبت بلعة في لوحة «كوفي شوب» تبرز الألفة بين اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تمرّ العلاقات الإنسانية بحالات تمزج بين التحدي والصلابة والتئام الجراح. ومع تقنية (الميكسد ميديا)، أستخدم الخيوط الصوفية والورق والكرتون، محاوِلةً تصوير كيفية رتق هذه العلاقات وتصويبها، فأعيد إليها الحياة، وأمدّ بينها الجسور بأسلوب يدوي وحرفي».

وعن مدى انسجام لوحاتها مع عنوان المعرض، تقول: «هناك مشاركة دائمة بين اللبنانيين، رغم المحاولات الخارجة عن إرادتنا لتفريقنا. وفي لوحاتي، ألحم المكسور وأمحو آثار الجروح التي تسكننا؛ فميزتنا تكمن في قدرتنا على الوقوف من جديد».

وتطالعك، في أحد أركان المعرض، لوحة لإدغار مازجي بالأبيض والأسود، تحمل عنوان «مَن أطلق سراح القطة؟»، ورسمها بتقنية الأكريليك. وتطرح اللوحة تساؤلات عدّة من خلال امرأة يعلو رأسها هرّ، متّشحة بالصمت، وتقف وسط الطبيعة حاملة همومها، محاوِلةً تجاوز محنتها وحدها.

أما هيبت بلعة، فتتحدث عن العلاقة التي تجمع بين لوحتها «كوفي شوب» وتيمة المعرض، وتقول: «تمثّل لوحتي التواصل المباشر بين الناس في جلسة حول كوب من القهوة. وتتألف من أشخاص يتحركون ويدخلون المقهى ويخرجون منه، في تفاعل بارز فيما بينهم. حاول كثيرون كسر الألفة بين اللبنانيين أكثر من مرة، ورغبت في تقديم هذه المساحة النابضة بالشباب كي أبرهن العكس».

وسام بيضون يصنع من الصخور مشاهد حياة (الشرق الأوسط)

أما وسام بيضون، فيأخذ قطعة صخرية من الأرض ليقولبها بأسلوبه التشكيلي الخاص. وتحت عنوان «تكوين صخري»، يترجم منظراً من الطبيعة جرّده من ملامحه الحقيقية.

ويشرح: «عندما ننظر إلى الطبيعة ونتأمل تفاصيلها، تستوقفنا الصخور لأنها تتيح لخيالنا أن يراها كما يتراءى له. وبألوان شفافة وخافتة، حوّلت هذه الصخور إلى مادة مؤنسنة يمكن لكل شخص أن يفهمها بطريقة مختلفة. فبعضهم رأى فيها لقاءً بعد فراق، بينما رأى آخرون عناقاً بين أم وطفلها. وبذلك، تشكّل مساحة مشتركة لقراءات غير متشابهة».


مقالات ذات صلة

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

يوميات الشرق «وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

تنطلق «قمة الإبداع» من 3 إلى 5 أكتوبر 2026 في حي جاكس بالرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من ملصقات الإعلانات في المعرض (الجامعة الأميركية بالقاهرة)

«تجارة الأحلام»... معرض يوثق فنون الإعلانات في مصر على مدار قرن

قبل عقود طويلة، كان مشروب «مصر كولا» رائجاً على أرفف المتاجر، قبل أن يتوارى من الأسواق، ويُصبح عبوة نادرة يتعقَّبها هواة جمع المقتنيات.

منى أبو النصر (القاهرة)
صحتك قد تساعدنا الدموع على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً (بيكسلز)

لماذا نشعر بالراحة بعد البكاء؟

قد تمنحنا الدموع لحظة من الراحة وتساعدنا على التعامل مع المشاعر القوية بصورة أكثر هدوءاً

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)

بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

بدأت مجالس محلية بريطانية الاستعانة بروبوتات متطورة تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 3500 جنيه إسترليني، لتمثيل أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول الدراسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.