تسابقت السلطات في شرق ليبيا وغربها خلال الآونة الأخيرة على طرح تعهدات ومبادرات لمواجهة أزمة إسكان مزمنة تراكمت على مدى عقود؛ لكن هذه المبادرات سرعان ما وجدت نفسها أمام اختبارين متلازمين: أولهما ما إذا كانت تتجاوز مجرد هدف حشد التأييد في قواعدها الشعبية، وثانيهما مدى قدرتها على الانتقال من دائرة الوعود إلى التنفيذ الفعلي.
وبينما تتزايد شكاوى الليبيين من تجاوز أسعار العقارات والأراضي وتكاليف البناء قدرتهم الشرائية بدرجة كبيرة، تواجه البلاد فجوة إسكانية واسعة. ورغم كونها بلداً نفطياً، تجمّدت معظم مشروعات الإسكان العامة منذ عام 2011 بسبب الصراعات والفوضى الأمنية.
وبحسب أرقام رسمية، يتوزع العجز السكني جغرافياً في عموم البلاد بين طرابلس الكبرى بنحو 315 ألف وحدة سكنية، تمثل 45 في المائة من إجمالي العجز، وبنغازي الكبرى بنحو 175 ألف وحدة (25 في المائة)، والمنطقة الوسطى بواقع 84 ألف وحدة (12 في المائة)، والمنطقة الجنوبية 70 ألف وحدة (10 في المائة)، إضافة إلى 56 ألف وحدة في مناطق أخرى (8 في المائة).

وصدرت أحدث الوعود الحكومية عن نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر، الأسبوع الماضي، حين أعلن إنشاء 10 آلاف وحدة سكنية خلال مدة لا تتجاوز 15 شهراً في جنوب ليبيا، وذلك خلال لقائه مع مشايخ وأعيان الجنوب في مدينة سبها.
«الحواضن الاجتماعية»
ولقيت الخطوة اهتماماً لدى قطاع من المواطنين في الجنوب، واعتبرتها الناشطة السياسية سهيلة الفلاح «مهمة لمواجهة أزمة السكن في الجنوب».
وقالت الناشطة، وهي من أبناء مدينة مرزق، لـ«الشرق الأوسط»، إن ضبط الأمن وتسارع الإعمار رفعا أسعار الوحدات بمدن الجنوب «حتى باتت قريبة من طرابلس وبنغازي، حيث تصل الشقة الصغيرة من غرفتين إلى 250 ألف دينار، مما يمثل تحدياً للشباب، يتوجب معالجته». (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية و8.82 دينار في الموازية).
وهي ترى أن مشاريع الإعمار التي دشنتها هيئات وصناديق حكومية في شرق البلاد «حسنت الأوضاع كثيراً بأغلب مدن الجنوب»، معتبرة أن تزايد وتيرة الإعمار سيزيد من فرص العمل أمام أبناء الجنوب، بما يحول استقطابهم إلى شبكات إجرامية أو متطرفة.
لكن متحفظين على المبادرة يرون أنها قد تستهدف، إلى جانب معالجة أزمة السكن، تعزيز الحواضن الاجتماعية لـ«الجيش الوطني» في الجنوب، في ظل التوترات الأمنية التي تقودها «غرفة عمليات تحرير الجنوب» بقيادة المسلح محمد وردقو ضد الجيش، فضلاً عن تعزيز الشرعية السياسية لصدام حفتر في ضوء مبادرة أميركية قد تقوده إلى رئاسة المجلس الرئاسي.

ويرفض الباحث السياسي محمد مطيريد هذا الطرح، قائلاً إن «تعزيز الحواضن مع الأهالي ومراعاة احتياجاتهم هدف استراتيجي ثابت لدى القيادة العامة للجيش الوطني».
وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «علاقة الجيش الوطني جيدة جداً مع جميع أبناء الجنوب، وهم يتولون رتباً عسكرية رفيعة في صفوفه، ولا صحة إطلاقاً عن وجود إقصاء أو تهميش لأي مكون هناك».
ويصف الباحث الليبي المبادرة بأنها «خطوة إيجابية» في مواجهة معاناة أهالي الجنوب من تهميش دام عقوداً، ويرى أن أبعادها «تتخطى الإطار العمراني».
وقال: «إيجاد كتلة بشرية مستقرة وكبح جماح الهجرة الداخلية نحو الشريط الساحلي يشكلان ركيزة أساسية لتأمين الحدود الجنوبية». ويشير إلى أن تدشين الوحدات سيرافقه بناء مدارس ومستشفيات وطرق وبنية تحتية، وبالتالي توفير متطلبات الحياة الأساسية.
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين متنافستين الأولى الوحدة الوطنية «المؤقتة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.
«عجز سكاني متراكم»
وفي غرب ليبيا، وبموازاة المشروعات السكنية المطروحة في الجنوب، كان إعلان حكومة «الوحدة» انطلاق المرحلة الأولى من مبادرة حكومية للإقراض السكني للشباب، تستهدف 6 آلاف مستفيد بعد اعتماد المزيد من التسهيلات الجديدة.
لكنّ أصواتاً عدة تشكك في جدية حكومة «الوحدة» في تقديم قروض إسكان الشباب، بالنظر إلى أن المبادرة سبق أن أُعلنت قبل أكثر من ثلاثة أعوام قبل أن تعرقلها تعقيدات إدارية، كما تأتي إعادة طرحها بعد احتجاجات حاشدة في طرابلس بسبب سوء الأحوال المعيشية وانقطاع الكهرباء.
وهنا يرى نائب رئيس حزب الأمة الليبي، أحمد دوغة، أن «المبادرات كان يجب أن تنطلق منذ فترة، حتى لا تصنف كمسكنات لامتصاص غضب الشارع، ولكن الجميع يعاني ارتفاع أسعار المساكن، فبعض الشقق تتجاوز المليون دينار بالأحياء الراقية بالعاصمة، بل وحتى الضواحي قد يتجاوز سعرها 300 ألف دينار»، رغم أنه أقر بأن «أي خطوة لخدمة الشعب مرحب بها».
وتساءل ضمن حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «كيف لشاب راغب في الزواج أن يتحصل على شقة، خاصة إن كان موظفاً حكومياً ربما لا يزيد راتبه على 2000 دينار؟»، محذراً من تداعيات ذلك على «نسب العنوسة بين الشباب». وأشار إلى أن «أُسراً كثيرة لا تملك القدرة على تعلية بيوتها لتسكين الأبناء، إما لكثرتهم وإما لقيود التخطيط».
وكان الدبيبة قد صرح بأن حكومته «ورثت عجزاً سكانياً متراكماً»، وقال إن البلاد بحاجة إلى «بناء 800 ألف وحدة سكنية»، وذلك ضمن مؤتمر للإسكان في طرابلس، منتصف الشهر الماضي.
