تدخل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، برعاية أميركية، بانتهاء الجولة الـ7 في روما، مرحلةً دقيقةً للغاية.
وهذا الأمر يستدعي من واشنطن التدخل لدى إسرائيل لإخراجها من المراوحة، بتهيئة الظروف أمام انعقاد الجولة الـ8 في سبتمبر (أيلول)، لئلا تبقى معلقة على الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بتحويلها ورقة يستقوي بها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للعودة إلى رئاسة الحكومة.
وفي حين بقي تحديد مكان انعقاد الجولة الـ8 وزمانه معلقاً بتحقيق تقدم، فإن هذا يعني حكماً أن الفترة الزمنية التي تفصل عن هذا التحديد قد تتيح لواشنطن بذل جهود استثنائية لإقناع نتنياهو بتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» وعدم ربطه بالانتخابات.
وتزامن ذلك مع ميل رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، إلى الاستقالة، احتجاجاً على عدم تجاوب الوفد الإسرائيلي مع إصراره على إخراج المفاوضات من «الروتين القاتل». إلا إن كرم قوبل بتمني رئيس الجمهورية، جوزيف عون، عليه البقاء على رأس الوفد المفاوض.

ومع عدم تبنّي عون ميل كرم إلى الاستقالة، فإن مجرد إبداء رغبته في البقاء كان كافياً لتمرير رسالة، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، إلى واشنطن، بصفتها راعي المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، لحثها على التدخل لإنقاذها بتفعيل ما هو مرجوّ منها؛ «لأن لبنان ينفّذ ما هو مطلوب منه، بما في ذلك تمسكه بحصرية السلاح بيد الدولة وإصراره على (حزب الله) بتسليمه، بخلاف إسرائيل التي تواصل تجريفها البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، واستمرار مسيّراتها في التحليق على علوّ منخفض بالأجواء اللبنانية، إضافة إلى رفضها التزام وقف النار مشمولاً بوقف الأعمال العدائية، وامتناعها عن توسيع (المناطق التجريبية)».
ثمرة التواصل
ولفت المصدر إلى أن «عون، بتولّيه ملف التفاوض، لم يكفّ عن التواصل مع الإدارة الأميركية والطلب منها ترجمة تعهد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أمامه في قمة واشنطن إلى خطوات ملموسة تقضي بمنع إسرائيل من وضع العراقيل أمام تطبيق (اتفاق الإطار)». وقال إنه يتفهم «الدوافع التي أملت على كرم رغبته في الاستقالة، وهو كان، أي عون، أول من حمّل إسرائيل المسؤولية حيال رفضها وقفَ النار والعمليات العدائية، والامتناعَ عن مواصلة تجريفها وتدميرها البلدات والمنازل، وحيال عدم تجاوبها مع توسعة (المناطق التجريبية). وكان بادر إلى الاتصال بالراعي الأميركي، الذي أثمر حذف إسرائيل ضم جنوب لبنان من الصفحة الرسمية لوزارة خارجيتها باللغة الإنجليزية».

وأكد أن الرهان يتوقف حالياً على المحادثات التي أجراها قائد «قيادة العمليات المركزية الأميركية (سنتكوم)»، الأدميرال براد كوبر، في تل أبيب، «لعله يحقق إنجازاً يُلزم إسرائيل التجاوب مع مطالب لبنان».
وقال إن تهديد كرم بالاستقالة لم يكن مضراً للبنان؛ بل شكّل، من وجهة نظره، حافزاً لواشنطن على التدخل قبل فوات الأوان.
وأشار، في الوقت نفسه، إلى أن «عون لا يفوّت فرصة إلا ويحمّل إسرائيل مسؤولية إعاقتها الجهود اللبنانية لتطبيق الاتفاق، وإصراره على استمرار المفاوضات يضع واشنطن أمام مسؤوليتها بالتوصل إليه ورعايته، على أن تثمر ما يطمح إليه لبنان بانسحاب إسرائيل».
ترقب وصول كليرفيلد
ورأى أن لبنان يترقّب وصول الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى بيروت في الساعات المقبلة؛ «لأنه يتولى الإشراف على الترتيبات لإزالة العقبات من أمام تنفيذ الاتفاق، خصوصاً بالنسبة إلى التحقق من انتشار الجيش في (المناطق التجريبية) الأولى تمهيداً للتوافق على آلية التحقق من انتشاره، إفساحاً في المجال أمام توسعتها لتشمل مدينتي بنت جبيل والخيام».
الشغل الشاغل
وبالنسبة إلى «نية كرم الاستقالة، كما أبلغ عون عندما التقاه فور وصوله إلى بيروت من روما»، أكد المصدر أن استقبال عون له مجدداً في الساعات الماضية أتاح إقناعه بصرف النظر عن استقالته، «خصوصاً أنه يقدّر جهوده، وأن ما يشكو منه من عدم تجاوب إسرائيل كان ولا يزال شغله الشاغل، ولا يترك مناسبة في لقاءاته بالموفدين العرب والأجانب إلا ويركز فيها على وقف النار، بالتلازم مع وقف الأعمال العدائية، والضغط على إسرائيل لوضع حد لتجريفها البلدات وتدميرها المنازل، إضافة إلى توسيع (المناطق التجريبية)».

وقال إنه لا مشكلة أمام ثبات التفاهم بين عون وكرم، وأن «التناغم قائم بينهما بشأن ما يشكو منه لبنان، وقاعدته الأساسية تهيئة الأجواء للشروع في تطبيق (اتفاق الإطار)، وهذا ما يكمن وراء تواصله، أي عون، مع الإدارة الأميركية، وغالباً على أعلى المستويات، للضغط على إسرائيل؛ لأن لبنان لا يحتمل الإبقاء عليه معلقاً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وعون كان أول من صارح ترمب بما لديه من مخاوف بربط لبنان بالانتخابات، ولقي منه كل تفهم؛ مما استدعاه للطلب من وزير دفاعه بيت هيغسيث، الذي شارك في قمة واشنطن، الاتصال فوراً بنتنياهو وحضّه على إزالة العراقيل التي تعوق تطبيق (الاتفاق)».
الأسرى والحدود
ورداً على سؤال، أوضح المصدر أن «عون كان صارح مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة بحصول تقدّم في ملفّي الأسرى اللبنانيين، وتثبيت الحدود بين البلدين. والمقصود يكمن في موافقة الوفد الإسرائيلي على البحث فيهما، رغم أن تل أبيب سارعت إلى تفخيخ عودة الأسرى؛ مشترطةً على لبنان، أمام ذلك، تقديم لائحة بأسماء يهود لبنانيين قضوا خلال الحرب الأهلية في الثمانينات، وطالبت باستعادة رفاتهم، مع أنه سقط في حينها عشرات الألوف من الضحايا؛ غالبيتهم العظمى من اللبنانيين، ولا يمكن للبنان تحديد مصيرهم، أو معرفة أين دُفنوا؛ نظراً إلى أن (أمراء الحرب) الذين شاركوا فيها لقوا حتفهم، إما خلال القتال، وإما بتصفية من تبقى منهم على قيد الحياة».
وأكد أن تثبيت الحدود أمر مهم، وأن هذا ما يدرجه لبنان أولوية.
وسأل: «كيف في ظل توغّل الجيش الإسرائيلي في عمق جنوب الليطاني بمسافة تتراوح بين 12 و15 كيلومتراً وربما أكثر، وذلك باحتلاله بلداته الواقعة ضمن الخط الأصفر الذي هو خط وهمي لا نعترف به؟». وأوضح أن «كرم كاد يطلب تعليق الجولة الـ7 احتجاجاً على قصف إٍسرائيل بلدة المنصوري، واستهدافها مواقع الجيش فيها، ومواصلتها عمليات التفجير والتجريف، لكنه عدل بعد تشاوره مع عون؛ تأكيداً منه على استمرارية المفاوضات وعدم توفير ذرائع لإسرائيل للتفلُّت مما يطالب به لبنان، وإلزام واشنطن تعهدها بالضغط عليها».
تحييد مطار بيروت
وبهذه المناسبة، توقف المصدر أمام ما نُقل عن السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، من قوله أمام زواره إن «المفاوضات، بضمانة أميركية، أدت إلى تحييد مطار بيروت والضاحية الجنوبية، بمنع إسرائيل من استهدافهما، وتضييق توسعتها الغارات على بلدات بقاعية»، لكنه قوبل برد منهم بسؤاله عن «مواصلتها تجريف البلدات، وتدمير البيوت، وتحويل منطقة جنوب الليطاني أرضاً محروقة، وتصديها للجيش اللبناني في المواقع التي ينتشر فيها، فيما يمتنع (حزب الله) عن الرد رغم تكرار أمينه العام، نعيم قاسم، عدم العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل 2 مارس (آذار) الماضي، مع أن خصومه يحمّلونه مسؤولية حيال عدم تجاوبه مع (حصرية السلاح) بيد الدولة للاستقواء به... وكذلك الطلب من واشنطن الضغط على إسرائيل».
