كثفت قيادات عسكرية في «الجيش الوطني الليبي» لقاءاتها، مع قيادات اجتماعية وقبلية في الجنوب الليبي، بالتزامن مع استمرار عمليات خاطفة تشنها «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وآخرها ما أعلنته عن هجوم معبر التوم الحدودي الاستراتيجي مع النيجر، دون تعليق رسمي.
ويخوض «الجيش الوطني» مواجهات ضد مسلحي ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي يقودها المسلح محمد وردقو منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، ونفذت هجمات متفرقة ضد تمركزات الجيش، بدعوى مقاومة ما تصفه بالتهميش والتهريب والعودة للحكم العسكري.

وسبق وأعلنت مجموعات قبلية واجتماعية وبلدية رفع الغطاء الاجتماعي عن المسلحين، وإدانة عملياتهم المتكررة التي استهدفت تمركزات «الجيش الوطني» في مناطق مختلفة من الجنوب.
وكانت أحدث تحركات «الجيش الوطني» بين القيادات القبلية لقاء مدير إدارة الشؤون الاجتماعية، اللواء هاشم الكزه، مع مستشار رئيس «المجلس الأعلى لقبائل ومشايخ فزان»، محمد البكاي، السبت، في اجتماع قال المجلس إنه يعزز جسور التواصل بين الإدارة والمكونات الاجتماعية المختلفة.
وأشار الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، إلى أن تواصل «الجيش الوطني الليبي» مع القيادات القبلية والاجتماعية في الجنوب يحظى بارتياح ملحوظ بين مكونات وأطياف في المجتمع الجنوبي، عاداً أن هذا التواصل «يعكس تنامي الوعي بأهمية ترسيخ الاستقرار المتزايد».
وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، أن «أبناء الجنوب بات لديهم تيار وعي عام بأهمية الاستقرار، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الاضطرابات الأمنية»، التي قال إنها «شهدت ويلات الجماعات الإرهابية، ومنها تنظيم (داعش)، إلى جانب الفوضى والجرائم وعمليات الخطف المستمرة».

وسلط الضوء على أن هذا التوجه يتزامن مع حركة إعمار كبيرة تشهدها مناطق الجنوب، معتبراً أن استمرار الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على هذه الجهود وتحقيق عوائدها بالنسبة إلى السكان، في ظل تطلعات محلية لتحسين الخدمات والبنية التحتية وفرص التنمية المتاحة مستقبلاً.
وعلى مدار الأسبوع الماضي، شهد الجنوب سلسلة لقاءات مكثفة عقدها نائب قائد «الجيش الوطني»، الفريق أول صدام حفتر، شملت منطقة تمسة الواقعة على بُعد نحو 240 كيلومتراً جنوب شرقي سبها، ومدينة سبها وبلدية الشويرف أيضاً.
وخلال هذه الزيارات، تعهد صدام حفتر بإنشاء 10 آلاف وحدة سكنية في مختلف مدن المنطقة الجنوبية، وأشار إلى أهمية مشروع مطار الشويرف الذي انطلقت أعمال إنشائه خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن المطار سيكون مشروعاً استراتيجياً يخدم المنطقة.

وأكد صدام حفتر خلال هذه اللقاءات أن قيادة «الجيش الوطني» تضع ملف الجنوب على رأس أولوياتها، وتمضي في استكمال مشاريع الإعمار وتطوير البنية التحتية، فيما أكد القادة الاجتماعيون والقبليون المشاركون دعمهم للجيش الوطني وتعزيز حضوره أيضاً.
غير أن التطورات الميدانية حملت مفاجأة جديدة، إذ أعلنت ما تعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب»، التي تتزعم التمرد في الجنوب الليبي، السبت، شن هجوم على تمركز عسكري تابع للجيش الوطني، قالت إنه أسفر عن السيطرة الكاملة على الموقع حالياً.
وأضافت الغرفة أن العملية التي وقعت، الجمعة، أسفرت عن السيطرة على كامل الموقع بما فيه من عتاد وأفراد، وأَسر عدد من العسكريين، في أحدث هجوم تعلنه ضد تمركزات «الجيش الوطني»، كما نشرت صوراً لمن قالت إنهم أسرى عسكريون، وسط استمرار التوتر الأمني والعسكري في مناطق الجنوب.
وفي بيان ثانٍ، توعدت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» بشن عمليات أخرى تستهدف تمركزات القيادة في الجيش الوطني بالجنوب، وزعمت أنها مرصودة ومدرجة ضمن بنك أهداف غرفة عمليات تحرير الجنوب لاحقاً.
ولم يصدر تعليق رسمي من «الجيش الوطني» على هذه الأنباء، غير أن رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان قال إن «المتمردين لا يحظون بحاضنة اجتماعية في الجنوب، رغم الخطابات التي تدعو إلى الانشقاق عن الجيش الوطني أيضاً».
وذهب نصر إلى القول إن هذه التحركات «تواجه رفضاً عاماً من جانب قطاعات واسعة من أبناء المنطقة»، معتبراً أن الموقف الاجتماعي الرافض للتمرد يمثل عاملاً مهماً في مواجهة محاولات استقطاب السكان، والحفاظ على تماسك النسيج القبلي والاجتماعي خلال المرحلة الحالية.
ولم ينفِ القيادي القبلي وجود فئة من أبناء الجنوب يمكن أن تنجذب إلى الانضمام إلى صفوف وردقو، عازياً ذلك إلى ما وصفه بأنه «دعم من دول خارجية، إلى جانب دعم بعض الأطراف الداخلية المتزايدة المحتملة».
وأبدى نصر استغرابه من مواقف بعض الأصوات التي تقدم نفسها باعتبارها معارضة، وتتخذ خطاباً سياسياً مؤيداً لوردقو، متسائلاً عن أسباب غيابها خلال السنوات التي عانى فيها الجنوب من الفوضى والاضطرابات الأمنية وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية بوضوح.
وقال إن ظهور هذه الأصوات في الوقت الراهن، بالتزامن مع التحركات المسلحة «يثير تساؤلات حول دوافعها».
وتحول الجنوب الليبي في الأعوام الماضية إلى نقطة ارتكاز لعدد من الجماعات المسلحة القادمة من الجوار، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، وارتباط نشاطها بعمليات تهريب البشر والأسلحة والوقود، فضلاً عن الصراع على مناطق التعدين غير المشروع عن الذهب.
