هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

دراسة جديدة ترصد ما يحدث داخل النماذج اللغوية وتمنح الطب فرصة جديدة لبناء الثقة

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟

ماذا يحدث داخل الذكاء الاصطناعي في الثواني القليلة التي تسبق كتابة أول كلمة؟ لطالما شُبّهت النماذج اللغوية الكبيرة بـ«الصندوق الأسود»؛ فنحن نطرح سؤالاً، وبعد ثوانٍ نحصل على إجابة تبدو منطقية ومترابطة، لكننا لا نعرف بدقة ما الذي جرى داخل النموذج بين لحظة تلقي السؤال ولحظة ظهور الإجابة.

ولم يعد هذا الغموض مجرد فضول علمي؛ إذ يمثل واحداً من أكبر التحديات أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب والقضاء والقطاعات الحساسة، حيث لا تكفي دقة النتيجة وحدها، بل يجب أيضاً فهم الأساس الذي بُني عليه القرار، وإمكان مراجعته ومساءلة المسؤولين عنه.

وفي دراسة نُشرت في 6 يوليو (تموز) 2026 بعنوان «التمثيلات القابلة للتعبير تكوّن مساحة عمل عالمية داخل النماذج اللغوية»، قدّم باحثون من شركة «أنثروبيك» (Anthropic) أدلة على وجود بنية داخلية جديدة في نموذج «كلود» (Claude)، قد تساعد في تفسير الكيفية التي ينظم بها النموذج المعلومات ويصل إلى استجاباته. ويرى الباحثون أن هذه البنية تؤدي وظائف تشبه ما يُعرف في علوم الأعصاب بـ«مساحة العمل العالمية» (Global Workspace)، وهي النظرية التي تفسر كيفية تنظيم الدماغ للمعلومات قبل اتخاذ القرار.

من الدماغ إلى الذكاء الاصطناعي

فكرة جاءت من علم الأعصاب

تستند هذه الفكرة إلى نظرية في علم الإدراك طرحها عالم الإدراك البريطاني برنارد بارس في ثمانينات القرن الماضي، ثم طوّرها لاحقاً باحثون في علوم الأعصاب. وتفترض هذه النظرية أن الدماغ يعالج المعلومات عبر شبكات عصبية متخصصة تعمل بالتوازي، قبل أن تنتقل المعلومات الأكثر أهمية إلى «مساحة عمل» مركزية، حيث تصبح متاحة لبقية مناطق الدماغ لاتخاذ القرار أو صياغة الاستجابة.

والمثير في الدراسة أن تحليلات باحثي شركة «أنثروبيك» تشير إلى أن نموذج «كلود» لم يُبرمج وفق هذه النظرية، لكنه طوّر أثناء التدريب بنية داخلية تؤدي وظائف متشابهة، من خلال تنظيم المعلومات وإتاحتها لأجزاء مختلفة من النموذج خلال عملية الاستدلال.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا يعني امتلاك الذكاء الاصطناعي وعياً أو إدراكاً ذاتياً، بل يصف آلية حسابية لتنظيم المعلومات قد تساعد في تفسير كيفية وصول النموذج إلى بعض استجاباته.

> ما هي «مساحة جيه»؟ لا يستطيع الباحثون رؤية «الأفكار» داخل النموذج اللغوي بصورة مباشرة، لكنهم طوروا أداة تحليل جديدة أطلقوا عليها اسم «عدسة جاكوبيان» (Jacobian Lens)، تتيح تتبع بعض التمثيلات الداخلية التي يستخدمها النموذج أثناء معالجة المعلومات.

وباستخدام هذه الأداة، رصد الباحثون فضاءً تمثيلياً أطلقوا عليه اسم «مساحة جيه» (J-Space)، وهو مجموعة من التمثيلات الداخلية القابلة للتعبير، يبدو أنها تؤدي دوراً محورياً في تنظيم المعلومات أثناء عملية الاستدلال، قبل أن تتحول إلى كلمات يراها المستخدم.

ويشبّه الباحثون هذه العملية باجتماع يعقده فريق من الخبراء داخل مؤسسة كبيرة؛ إذ يقدّم كل عضو ما لديه من معلومات، ثم تُدمج الأفكار الأكثر أهمية قبل إصدار القرار النهائي. وما يراه المستخدم في النهاية ليس ذلك النقاش الداخلي، بل النتيجة التي خرج بها. ولم تقتصر أهمية «عدسة جاكوبيان» على كشف وجود هذه البنية، بل أتاحت أيضاً للباحثين تتبع بعض المفاهيم التي يحتفظ بها النموذج أثناء الاستدلال، وهو ما لم يكن ممكناً في النماذج اللغوية السابقة.

قبل أن يكتب الذكاء الاصطناعي إجابته

> الاستدلال قبل الكلمات. تشير نتائج الدراسة إلى أن النموذج لا يبدأ بتوليد الكلمات فور تلقي السؤال، بل يمر أولاً بمرحلة داخلية تتشكل فيها مجموعة محدودة من التمثيلات المرتبطة بالمفاهيم ذات الصلة، وتُستخدم لتوجيه عملية الاستدلال قبل ظهور أول كلمة للمستخدم.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام أن بعض هذه التمثيلات قد لا يظهر إطلاقاً في الإجابة النهائية، وهو ما يشبه - من الناحية الوظيفية - تفكير الإنسان بصمت قبل أن يتحدث، مع اختلاف جوهري بين الحالتين.

ويؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا ينبغي تفسيره على أنه دليل على وجود وعي أو مشاعر أو إدراك ذاتي لدى النموذج، بل هو وصف لآلية حسابية تنظم تدفق المعلومات أثناء الاستدلال، ولا تحمل أي دلالة على وجود تجربة ذهنية شبيهة بالإنسان.

> ماذا يحدث إذا تعطلت «مساحة جيه»؟ لاختبار أهمية هذه البنية الداخلية، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب عطّلوا فيها تأثير التمثيلات الموجودة داخل «مساحة جيه»، مع الإبقاء على بقية مكونات النموذج دون تغيير.

وأظهرت النتائج أن النموذج ظل قادراً على إنتاج لغة سليمة والإجابة عن الأسئلة البسيطة، إلا أن أداءه تراجع بصورة ملحوظة في المهام التي تتطلب استدلالاً متعدد الخطوات، أو تلخيص النصوص، أو الربط بين معلومات متباعدة، أو معالجة المشكلات المعقدة.

وتشير هذه النتائج إلى أن هذه البنية تؤدي دوراً أساسياً في دعم عمليات الاستدلال داخل النموذج. قطاع الطب والرعاية الصحية

> لماذا يهم هذا الأطباء؟ قد يبدو هذا الاكتشاف نظرياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات مهمة لمستقبل الرعاية الصحية؛ فالطبيب لا يريد فقط أن يعرف أن نظام الذكاء الاصطناعي أوصى بتشخيص معين أو اقترح خطة علاج، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الأساس الذي استند إليه ذلك القرار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحالة قد يترتب عليها تدخل علاجي أو جراحي.

داخل عقل الذكاء الاصطناعي

ولا تدّعي هذه الدراسة أنها جعلت قرارات النماذج اللغوية قابلة للتفسير الكامل، لكنها تفتح الباب أمام تطوير أدوات قد تساعد مستقبلاً في فهم الكيفية التي تنظم بها هذه النماذج معلوماتها قبل الوصول إلى الاستنتاج النهائي.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

> نافذة جديدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على فهم كيفية عمل النماذج اللغوية، بل قد تفتح أيضاً آفاقاً جديدة أمام حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا سيما في التطبيقات عالية الخطورة مثل الرعاية الصحية.

فبدلاً من الاكتفاء بتقييم الإجابة النهائية، قد تتيح هذه الأدوات مستقبلاً فحص بعض التمثيلات الداخلية التي يعتمد عليها النموذج أثناء الاستدلال، بما يساعد الباحثين في رصد مؤشرات ترتبط بدرجة عدم اليقين، أو بمحاولات تضليل النموذج، أو بالاعتماد على معلومات غير كافية قبل الوصول إلى النتيجة النهائية.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

وقد يمثل ذلك تحولاً مهماً في فلسفة الحوكمة؛ إذ لن يقتصر السؤال مستقبلاً على: هل كانت الإجابة صحيحة؟ بل سيمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف وصل النظام إلى هذه الإجابة؟ وهل يمكن الوثوق في الطريقة التي استدل بها؟

> من الصندوق الأسود إلى الصندوق الزجاجي. قد لا تكمن القيمة الأهم لهذه الدراسة في أنها كشفت ما يدور داخل النماذج اللغوية، بل في أنها أثبتت أن فهم بعض آلياتها الداخلية لم يعد أمراً مستحيلاً؛ فعلى مدى سنوات، انصب اهتمام الباحثين على تقييم جودة الإجابات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فقد بدأ الاهتمام ينتقل تدريجياً إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها تلك الإجابات قبل أن تظهر للمستخدم.

ولا يزال الطريق طويلاً قبل الوصول إلى نماذج قابلة للتفسير الكامل، لكن هذه الدراسة قد تمثل بداية الانتقال من عصر «الصندوق الأسود»، الذي نحكم فيه على الذكاء الاصطناعي من خلال نتائجه فقط، إلى عصر «الصندوق الزجاجي»، الذي نحاول فيه فهم المنطق الذي قاد إلى تلك النتائج.

وقد يكون هذا التحول هو الخطوة الأهم نحو بناء جيل جديد من الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة. ففي الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها، بل يجب أيضاً أن تكون طريقة الوصول إليها مفهومة، وقابلة للمراجعة، وجديرة بثقة الطبيب والمريض.

وربما لم يعد السؤال الأهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم الإجابة الصحيحة؟ بل أصبح: هل يمكن للطبيب أن يثق بإجابة لا يستطيع أحد تفسيرها؟



حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل
TT

حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

غالباً ما تحظى الفئران بسمعة سيئة لأنها قد تكون ناقلة للأمراض. لذا تستثمر مدن مثل نيويورك مبالغ طائلة لمكافحتها. لكن ربما يرجع ذلك إلى أننا لا ندرك إمكاناتها الحقيقية، إذ وبمجرد تدريبها، يمكن لفئران «الجرذان الأفريقية العملاقة ذات الجيوب African giant pouched rats» بعد تزويدها بحقائب ظهر خاصة، أن تساهم في إنقاذ الأرواح، كما كتب هانتر شوارتز*.

«فئران الإنقاذ»

وللمساعدة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث كالزلازل أو انهيار المباني، تقوم منظمة «أبوبو» (APOPO) غير الربحية، بتدريب فئران أطلق عليها اسم «فئران الإنقاذ» (RescueRATs)، للوصول إلى أماكن يعجز البشر أو الروبوتات عن دخولها. وترتدي هذه الفئران حقائب ظهر مصممة خصيصاً، توفر بثاً صوتياً ومرئياً فورياً، بالإضافة إلى نظام تواصل ثنائي الاتجاه يتيح لفرق الإنقاذ التحدث مع الناجين.

وتقول ليلي شالوم، مديرة الاتصالات في منظمة «أبوبو»، لمجلة «فاست كومباني»: «تتميز الفئران الأفريقية العملاقة ذات الجيوب بصغر حجمها وخفة وزنها، ما يمكنها من التحرك فوق الأنقاض غير المستقرة وعبر الفجوات الضيقة دون التسبب في انهيارها». وتضيف: «كما أنها تتسم بالرشاقة والسرعة، وتتمتع بحاستي شم وسمع فائقتين، ما يجعلها مؤهلة تماماً للبحث بسرعة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها».

تدريب الفئران

وتقوم المنظمة بتدريب هذه الفئران في مركزها بمدينة موروجورو في تنزانيا، معتمدةً على أسلوب «التعزيز الإيجابي»؛ حيث تُستخدم أداة إصدار صوت (clicker) مقترنة بتقديم مكافآت غذائية. ويتم تدريب الفئران على العمل مع مُدربها، واجتياز مسارات عقبات تحاكي الأنقاض، وارتداء حقيبة الظهر، ثم إطلاق إشارة عند العثور على إنسان. وتؤكد شالوم أن الفئران كائنات ذكية وتتحفز بالطعام، قائلة: «إنها تتعلم بسرعة وتستمتع بالعمل الذي تقوم به».

تتبّع رائحة البشر

ومنذ ابتكار النموذج الأولي لحقيبة الظهر في عام 2019، طورت منظمة «أبوبو» عدة نسخ منها. وفي البداية كانت الحقيبة مزودة بكاميرا بارزة، لكن المصممين أدركوا الحاجة إلى تصميم لا يعلَق بالأجسام المحيطة. كما تضمنت إحدى النسخ المبكرة بطارية في الجزء العلوي، ما أدى إلى رفع مركز ثقل الحقيبة، وهو ما جعل توازن الفئران صعباً في أثناء ارتدائها.

وتستطيع فئران الإنقاذ (RescueRATs) تتبع رائحة البشر، والتمييز بين الأشخاص الحقيقيين والروائح البشرية العالقة على مقتنيات مثل الملابس والأحذية. وبمجرد عثورها على شخص ما، تكون هذه الفئران مدربة على سحب قلادة مثبتة في سترة تحملها على ظهرها، لتنبيه مُدربها إلى وجود شخص ناجٍ. وتقول شالوم: «إنها لا تحل محل المنقذين البشر أو التكنولوجيا؛ بل هي أداة إضافية تساعد فرق الإنقاذ في العثور على الناجين بشكل أسرع، وتحديد المناطق التي ينبغي تركيز الجهود فيها».

حقيبة ظهر مطورة

لا يتجاوز وزن حقائب الظهر التي صممتها منظمة «أبوبو» 10 غرامات، وهو ما يمثل أقل من 10في المائة من وزن جسم «الجرذ الأفريقي العملاق». وتتضمن النسخة الأحدث منها هيكلاً مُصنّعاً بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويحتوي على معالج دقيق، وكاميرا، ومكبر صوت، وميكروفون، ومصباح يدوي، ومروحة تبريد، وبطارية تدوم حتى 35 دقيقة في أثناء البث المباشر.

إن ما تفتقر إليه هذه الفئران هو نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» التقليدي، نظراً لأنه لا يعمل وسط الأنقاض. وللتغلب على هذه العقبة، تبحث المنظمة عن بدائل، مثل تقنية «التحديد المتزامن للموقع ورسم الخرائط» (SLAM)، التي تعتمد على رسم خرائط للمنطقة من خلال الصور الفوتوغرافية. وفي العام الماضي، ساعد فريق من طلاب الهندسة في جامعة «بريغام يونغ» في تطوير جهاز وخوارزمية، تستخدمهما المنظمة حالياً كنقطة انطلاق لنظام تتبع جديد.

تجارب ميدانية في تركيا

وقد درّبت المنظمة أول مجموعة من فئران الإنقاذ، التي نُقلت في يونيو (حزيران) الماضي إلى تركيا لإجراء تجارب ميدانية، بينما بدأت مجموعة ثانية تدريباتها في تنزانيا. وتهدف المنظمة في نهاية المطاف إلى نشر هذه الفئران في تركيا، وهي دولة معرضة للزلازل، كما حدث في زلزال عام 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص. ومع توفر التكنولوجيا والتدريب المناسبين، يمكن لهذه الفئران أن تساهم في إنقاذ المزيد من الأرواح عند وقوع كارثة في المستقبل.

* مجلة «فاست كومباني».


تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق
TT

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

يُبشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بزيادة الإنتاجية، لكن العديد من موظفي الدوائر الحكومية الأميركية لا يزالون غير متأكدين من علاقته بوظائفهم، وكيفية استخدامه، أو حتى ما إذا كان مسموحاً به، كما كتبت بيث سيمون نوفيك(*).

تقرير عن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام

وقد قدمت مؤسسة «إنوفايت يو إس إيه» InnovateUS غير الربحية تقريراً جديداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية. وقامت المؤسسة بتدريب أكثر من 250 ألف موظف حكومي في جميع الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار في ورش عمل مجانية لتبادل الخبرات العملية، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي.

ويحلل التقرير الأول لمرصد الذكاء الاصطناعي في القطاع العام The Observatory of Public Sector AI، 106300 استجابة قبل بدء الدورة، و67002 استجابة بعد الدورة، جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومايو (أيار) 2026. ويكشف عن فجوة بين عناوين الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقيقة العمل الحكومي اليومي.

ما الذي يمنع موظفي القطاع العام من استخدام الذكاء الاصطناعي؟

* تجربة الذكاء الاصطناعي: من بين المشاركين في الدورة التمهيدية لم يسبق لـ51 في المائة منهم تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما جربه 14 في المائة على المستوى الشخصي فقط. ولا يزال الكثيرون بحاجة إلى الحصول على توضيحات بشأن أهميته، واستخدامه العملي، وصلاحيات استخدامه في مكان العمل.

* أهميته للعمل. لم يكن غير المستخدمين بالضرورة مقاومين له: فقد اعتبر 28 في المائة منهم أن الذكاء الاصطناعي غير ذي صلة بعملهم، و23 في المائة لم يعرفوا كيفية استخدامه، و19 في المائة لم يكونوا متأكدين من إمكانية استخدامه في مكان العمل.

وقد شارك المديرون أيضاً هذا التردد، فمن بين المديرين غير المستخدمين، افتقر 24 في المائة إلى المعرفة، و22 في المائة لم يكونوا متأكدين من الصلاحيات، ما حدّ من قدرتهم على توجيه الموظفين.

الموظفون يحتاجون إلى تدريب ومشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول

* التوصيات. لذا يشير التقرير إلى أنه لا تكفي الأدوات والسياسات وحدها، فالموظفون يحتاجون إلى أمثلة عملية، وتدريب، وإلى مشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول. كما ينبغي أن يربط التدريب المهارات بمشكلات الخدمة: تقليل أوقات انتظار الاستفسارات حول التأمين، وتسهيل مشاركة الجمهور، أو تحسين عمليات شراء الذكاء الاصطناعي، وتنظيمه. كما يحتاج الموظفون إلى الدعم لتغيير ممارسات العمل، وتقييم النتائج.

المبتدئون «حققوا أكبر المكاسب»

أظهرت الإجابات المتطابقة أن المتعلمين الذين لم تكن لديهم أي معرفة مسبقة بالذكاء الاصطناعي حققوا أكبر المكاسب المعرفية. كما أبلغ أولئك الذين بدأوا (التعامل معه) دون ثقة عن تحسنات كبيرة حصلت لهم بشكل خاص. وكانت دراسة مشتركة بين جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول دعم الزبائن أظهرت فوائد أكبر للعاملين الأقل خبرة، ومهارة. وقد قيّمت الدراسة الأولى الأداء، بينما قيّمت مبادرة «إنوفايت يو إس إيه» مستوى التعلّم المُبلغ عنه. وتشير كلتا الدراستين إلى أهمية دعم المبتدئين بدلاً من التركيز حصراً على المتحمسين الأوائل.

وبعد التدريب أبدى المشاركون ذوو الثقة العالية نيتهم استخدام الذكاء الاصطناعي في 3.8 مهمة في المتوسط، مقارنةً بـ1.5 مهمة لدى المشاركين ذوي الثقة المنخفضة. ورغم أن هذه العلاقة لا تُثبت وجود علاقة سببية، لكنها تُشير إلى أن التعلّم يتضمن الشعور بالقدرة على تحديد التطبيقات المناسبة.

إن الثقة لا تضمن الدقة، لذا يجب أن يُنمّي التدريب أيضاً مهارات التقييم: التساؤل عن الإجابات، والتحقق من المصادر، وحماية المعلومات الحساسة، والتعرف على الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب. ينبغي أن يُقيّم التقييم هذه القدرات أيضاً.

من مهام أفضل إلى خدمات أفضل

يتصوّر المشاركون عادةً توظيف الأدوات الذكية في كتابة التقارير، وتقديم العروض التقديمية، وتلخيص الوثائق. ويستشهد التقرير بدراسة ماكينزي العالمية لعام 2026 التي أفاد فيها 80 في المائة من المشاركين بتحسن إنتاجيتهم الشخصية، بينما لم يُبلغ سوى 37 في المائة عن آثار إيجابية على أرباح مؤسساتهم. ومن هنا فإن إنجاز العمل الفردي بشكل أسرع لا يُحسّن أداء المؤسسة تلقائياً.

ما زلنا بحاجة إلى تعلم الذكاء الاصطناعي

تمثل الاستبانات التطوعية عينة كبيرة، ولكنها غير ممثلة للقوى العاملة. فهي تقيس المعرفة، والثقة، والنوايا المُبلغ عنها ذاتياً فيما يتعلق بالتدريب مباشرةً، ولا تقيس جوانب مثل الاحتفاظ بالمعلومات، أو التطبيق المتسق، أو الدقة، أو تحسين الخدمات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ضمانات الخصوصية، يُمكن للباحثين ربط بيانات التعلّم بالأداء الإداري، ومؤشرات ثقة الجمهور، ودراسة أوقات الانتظار، ودقة الحالات، وأخطاء التطبيقات، وسهولة الوصول، والتواصل مع السكان.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن العاملين في القطاع العام -بمن فيهم المبتدئون- يُمكنهم اكتساب المعرفة والثقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام

وينبغي على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام: توفير التدريب العملي، وإعداد المديرين، وتمكين التطبيق، وقياس التغييرات التي يلمسها الجمهور.

وفي ظلّ الشكوك حول فوائد الذكاء الاصطناعي، يُمكن للحكومة إظهار استخداماته التي تخدم المصلحة العامة بدلاً من ترك المكاسب في المقام الأول لشركات التكنولوجيا، أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفة الوصول إليه.

كما ينبغي أن يُساهم الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي في تمكين موظفي الخدمة العامة، فالنجاح يعني خدمات أفضل، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وإيجاد حلول لمشكلات السكان، وليس مجرد معدلات تَبَنٍّ، أو توفير الوقت. وهذه النتائج من شأنها تعزيز الثقة في كل من الذكاء الاصطناعي والحكومة.

* مجلة «فاست كومباني»


العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟
TT

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

العبء الرقمي الزائد: كيف نتغلب على إجهاد الشاشات ومتطلبات الحياة الرقمية مع التقدم في العمر؟

قد يسبب التعامل مع التدفق المستمر للتكنولوجيا الرقمية اليوم -بدءاً من التطبيقات والرسائل النصية والبريد الإلكتروني، وصولاً إلى البوابات الطبية الرقمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومكالمات الفيديو- شعوراً بالضغط النفسي، في أي مرحلة عمرية.

عبء رقمي زائد

ويخالج كثير من كبار السن على وجه الخصوص شعوراً بالعجز عن مواكبة هذا التسارع، ليقعوا تحت وطأة ما يُعرف بـ«العبء الرقمي الزائد». ويقصد به الإنهاك والتشتت التام، جرَّاء التدفق المتواصل للمعلومات والتنبيهات وكلمات المرور والمهام اليومية، المرتبطة باستخدام الأجهزة الذكية.

وما يزيد الأمر صعوبة أن التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر تضاعف من ثقل هذا العبء الرقمي وما يرافقه من إجهاد ذهني، حسب الدكتورة سوزان سالامون، رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري، في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، التابع لجامعة هارفارد، والتي أضافت: «يعود جزء من هذه المشكلة إلى أن كبار السن لم ينشأوا في عصر التكنولوجيا، فضلاً عن إحساسهم الدائم بأنها باتت معقدة ومربكة للغاية».

التغيرات الدماغية والتكنولوجيا الرقمية

قد يكون التعامل مع التكنولوجيا المتطورة باستمرار أمراً مجهداً حتى لأكثر العقول ذكاءً وشغفاً. وتأتي التغيرات الدماغية الطبيعية المرتبطة بالسن لتزيد هذه المهمة صعوبة.

وتشير فحوصات طبية أُجريت على كبار السن ممن يتمتعون بصحة دماغية جيدة، إلى قدرتهم الذهنية على استيعاب كل ما هو جديد بكفاءة الشباب نفسها. وهنا استطردت دكتورة سالامون بقولها: «الأمر يتطلب منهم وقتاً أطول فقط». يضاف إلى ذلك، تراجع القدرة على تصفية المشتِّتات وتركيز الانتباه، ما يمثل تحدياً كبيراً في ظل المشتتات اللانهائية الصادرة عن الشاشات.

صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد عند الكِبَر

وأضافت: «يشكو الجميع مع تقدم العمر من نسيان الأسماء، أو أماكن وضع المفاتيح والنظارات، ولكن المنعطف الحقيقي يكمن في صعوبة أداء مهام متعددة في وقت واحد كلما كبرنا. والتكنولوجيا بطبعها تتطلب التعامل مع متغيرات ومهام كثيرة في آن واحد».

في الوقت ذاته، لا تعني هذه التغيرات الطبيعية بالضرورة حدوث انحسار في القدرات المعرفية أو الإصابة بمرض ما. ومع ذلك، فإنها تؤثر مباشرة على القدرة على التكيف مع متطلبات التكنولوجيا. وتكتمل الصورة بوجود عوامل جسدية أخرى تعيق هذا التعامل، مثل ضعف البصر، ومشكلات السمع، وتراجع مرونة حركة اليدين.

وشرحت دكتورة سالامون ذلك بقولها: «تحتاج أولاً إلى رؤية جيدة لمجرد متابعة شاشة الكومبيوتر المحمول أو الهاتف. بعد ذلك عليك أن تكون قادراً على الكتابة على شاشة صغيرة. وفيما يتعلق بكثيرين ممن يعانون من ارتعاش اليدين أو التهاب المفاصل، فإن الضغط على الأزرار الصغيرة يتحول إلى مهمة بالغة الصعوبة».

وقت الشاشة: النوم والصحة النفسية

على الجانب الآخر، يقضي بعض الأفراد أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، كوسيلة لتعويض الشعور بالوحدة والانعزال. وهنا يبرز التساؤل: ما الحدود الفاصلة لوقت الشاشة فيما يرتبط بكبار السن؟ أكدت الدكتورة سالامون أنه لا يوجد حد زمني محدد ومتفق عليه عالمياً. ومع ذلك، تبدأ مؤشرات الخطر في الظهور عندما يلتهم وقت الشاشات ساعات النوم، أو ممارسة الرياضة، أو التواصل الاجتماعي الفعلي.

وأفادت بأن «المشكلة تكمن في أن الجلوس الطويل أمام الكومبيوتر يحد من النشاط البدني. كما أن التعرض للضوء الأزرق الصادر من الشاشات يؤرق الشخص، ويقض مضجعه ليلاً. يضاف إلى ذلك احتمالية الإصابة بآلام عضلية في الرقبة والكتفين، فضلاً عن إجهاد العينين».

مشكلات الانغماس في تصفح الشاشات الإلكترونية

وتتضمن العلامات الأخرى الدالة على أن وقت الشاشة بدأ يسبب مشكلات حقيقية ما يلي:

- صعوبة في التركيز

- الشعور بعدم نيل قسط كافٍ من الراحة.

- تفاقم القلق أو سرعة الانفعال.

- تكرار الشعور بالصداع.

- هفوات في الذاكرة ناجمة عن تشتت الانتباه.

في هذا الصدد، شرحت الدكتورة سالامون بأن الأمر لا يتطلب الغرق في إدمان التكنولوجيا حتى تظهر هذه المشكلات؛ ففي حين لا توجد أدلة قوية تشير إلى أن المعدلات المعتادة لاستخدام الشاشات قد تضر بدماغ البالغين الأصحاء، فإن الاستخدام المتكرر للأجهزة قد يعزز عادات سيئة -مثل الحاجة إلى تحفيز مستمر- أو يفاقم مشكلة قصر فترة الانتباه.

التكيُّف مع المتطلبات الرقمية

إذا كنت تشعر بأن التكنولوجيا تفوق قدرتك على التحمل، اقترحت دكتورة سالامون التصدي لـ«العبء الرقمي الزائد» من خلال اتخاذ الخطوات الاستباقية التالية:

- دوِّن الخطوات اللازمة لاستخدام البوابات الإلكترونية أو المواقع المختلفة. وشددت دكتورة سالامون في هذا الصدد على ضرورة: «ألا تترك شيئاً للصدفة».

- أعدَّ «قوائم مرجعية» لكلمات المرور.

- قلِّص عدد التطبيقات والمنصات التي تتفاعل معها.

- ألغِ الاشتراك في رسائل البريد الإلكتروني غير الضرورية.

- أوقف تشغيل الإشعارات غير الأساسية.

السبيل لتقليل وقت استخدام الشاشات

واقترحت دكتورة سوزان سالامون رئيسة قسم طب الشيخوخة السريري في مركز «بيث إسرائيل ديكونيس» الطبي، كسر فترات الجلوس الطويلة أمام الشاشات، من خلال النهوض والمشي لمدة 10 دقائق كل ساعة.

أما إذا كان هدفك تقليل إجمالي الوقت الذي تقضيه أمام الشاشات، فيمكنك تحقيق ذلك بالطرق التالية:

- اضبط مؤقِّتاً زمنياً للمدة التي ترغب في قضائها بالأنشطة المستهلكة للوقت، مثل ممارسة الألعاب عبر الإنترنت، أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

- تجنب استخدام الجهاز في أنشطة يمكنك الاضطلاع بها بالكفاءة نفسها من دونه، مثل قراءة كتاب، أو تدوين اليوميات، أو إعداد قائمة مشتريات.

- حدد أوقاتاً معينة للتحقق من البريد الإلكتروني أو متابعة الأخبار.

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة»، خدمات «تريبيون ميديا».