هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

دراسة جديدة ترصد ما يحدث داخل النماذج اللغوية وتمنح الطب فرصة جديدة لبناء الثقة

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟

ماذا يحدث داخل الذكاء الاصطناعي في الثواني القليلة التي تسبق كتابة أول كلمة؟ لطالما شُبّهت النماذج اللغوية الكبيرة بـ«الصندوق الأسود»؛ فنحن نطرح سؤالاً، وبعد ثوانٍ نحصل على إجابة تبدو منطقية ومترابطة، لكننا لا نعرف بدقة ما الذي جرى داخل النموذج بين لحظة تلقي السؤال ولحظة ظهور الإجابة.

ولم يعد هذا الغموض مجرد فضول علمي؛ إذ يمثل واحداً من أكبر التحديات أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب والقضاء والقطاعات الحساسة، حيث لا تكفي دقة النتيجة وحدها، بل يجب أيضاً فهم الأساس الذي بُني عليه القرار، وإمكان مراجعته ومساءلة المسؤولين عنه.

وفي دراسة نُشرت في 6 يوليو (تموز) 2026 بعنوان «التمثيلات القابلة للتعبير تكوّن مساحة عمل عالمية داخل النماذج اللغوية»، قدّم باحثون من شركة «أنثروبيك» (Anthropic) أدلة على وجود بنية داخلية جديدة في نموذج «كلود» (Claude)، قد تساعد في تفسير الكيفية التي ينظم بها النموذج المعلومات ويصل إلى استجاباته. ويرى الباحثون أن هذه البنية تؤدي وظائف تشبه ما يُعرف في علوم الأعصاب بـ«مساحة العمل العالمية» (Global Workspace)، وهي النظرية التي تفسر كيفية تنظيم الدماغ للمعلومات قبل اتخاذ القرار.

من الدماغ إلى الذكاء الاصطناعي

فكرة جاءت من علم الأعصاب

تستند هذه الفكرة إلى نظرية في علم الإدراك طرحها عالم الإدراك البريطاني برنارد بارس في ثمانينات القرن الماضي، ثم طوّرها لاحقاً باحثون في علوم الأعصاب. وتفترض هذه النظرية أن الدماغ يعالج المعلومات عبر شبكات عصبية متخصصة تعمل بالتوازي، قبل أن تنتقل المعلومات الأكثر أهمية إلى «مساحة عمل» مركزية، حيث تصبح متاحة لبقية مناطق الدماغ لاتخاذ القرار أو صياغة الاستجابة.

والمثير في الدراسة أن تحليلات باحثي شركة «أنثروبيك» تشير إلى أن نموذج «كلود» لم يُبرمج وفق هذه النظرية، لكنه طوّر أثناء التدريب بنية داخلية تؤدي وظائف متشابهة، من خلال تنظيم المعلومات وإتاحتها لأجزاء مختلفة من النموذج خلال عملية الاستدلال.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا يعني امتلاك الذكاء الاصطناعي وعياً أو إدراكاً ذاتياً، بل يصف آلية حسابية لتنظيم المعلومات قد تساعد في تفسير كيفية وصول النموذج إلى بعض استجاباته.

> ما هي «مساحة جيه»؟ لا يستطيع الباحثون رؤية «الأفكار» داخل النموذج اللغوي بصورة مباشرة، لكنهم طوروا أداة تحليل جديدة أطلقوا عليها اسم «عدسة جاكوبيان» (Jacobian Lens)، تتيح تتبع بعض التمثيلات الداخلية التي يستخدمها النموذج أثناء معالجة المعلومات.

وباستخدام هذه الأداة، رصد الباحثون فضاءً تمثيلياً أطلقوا عليه اسم «مساحة جيه» (J-Space)، وهو مجموعة من التمثيلات الداخلية القابلة للتعبير، يبدو أنها تؤدي دوراً محورياً في تنظيم المعلومات أثناء عملية الاستدلال، قبل أن تتحول إلى كلمات يراها المستخدم.

ويشبّه الباحثون هذه العملية باجتماع يعقده فريق من الخبراء داخل مؤسسة كبيرة؛ إذ يقدّم كل عضو ما لديه من معلومات، ثم تُدمج الأفكار الأكثر أهمية قبل إصدار القرار النهائي. وما يراه المستخدم في النهاية ليس ذلك النقاش الداخلي، بل النتيجة التي خرج بها. ولم تقتصر أهمية «عدسة جاكوبيان» على كشف وجود هذه البنية، بل أتاحت أيضاً للباحثين تتبع بعض المفاهيم التي يحتفظ بها النموذج أثناء الاستدلال، وهو ما لم يكن ممكناً في النماذج اللغوية السابقة.

قبل أن يكتب الذكاء الاصطناعي إجابته

> الاستدلال قبل الكلمات. تشير نتائج الدراسة إلى أن النموذج لا يبدأ بتوليد الكلمات فور تلقي السؤال، بل يمر أولاً بمرحلة داخلية تتشكل فيها مجموعة محدودة من التمثيلات المرتبطة بالمفاهيم ذات الصلة، وتُستخدم لتوجيه عملية الاستدلال قبل ظهور أول كلمة للمستخدم.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام أن بعض هذه التمثيلات قد لا يظهر إطلاقاً في الإجابة النهائية، وهو ما يشبه - من الناحية الوظيفية - تفكير الإنسان بصمت قبل أن يتحدث، مع اختلاف جوهري بين الحالتين.

ويؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا ينبغي تفسيره على أنه دليل على وجود وعي أو مشاعر أو إدراك ذاتي لدى النموذج، بل هو وصف لآلية حسابية تنظم تدفق المعلومات أثناء الاستدلال، ولا تحمل أي دلالة على وجود تجربة ذهنية شبيهة بالإنسان.

> ماذا يحدث إذا تعطلت «مساحة جيه»؟ لاختبار أهمية هذه البنية الداخلية، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب عطّلوا فيها تأثير التمثيلات الموجودة داخل «مساحة جيه»، مع الإبقاء على بقية مكونات النموذج دون تغيير.

وأظهرت النتائج أن النموذج ظل قادراً على إنتاج لغة سليمة والإجابة عن الأسئلة البسيطة، إلا أن أداءه تراجع بصورة ملحوظة في المهام التي تتطلب استدلالاً متعدد الخطوات، أو تلخيص النصوص، أو الربط بين معلومات متباعدة، أو معالجة المشكلات المعقدة.

وتشير هذه النتائج إلى أن هذه البنية تؤدي دوراً أساسياً في دعم عمليات الاستدلال داخل النموذج. قطاع الطب والرعاية الصحية

> لماذا يهم هذا الأطباء؟ قد يبدو هذا الاكتشاف نظرياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات مهمة لمستقبل الرعاية الصحية؛ فالطبيب لا يريد فقط أن يعرف أن نظام الذكاء الاصطناعي أوصى بتشخيص معين أو اقترح خطة علاج، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الأساس الذي استند إليه ذلك القرار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحالة قد يترتب عليها تدخل علاجي أو جراحي.

داخل عقل الذكاء الاصطناعي

ولا تدّعي هذه الدراسة أنها جعلت قرارات النماذج اللغوية قابلة للتفسير الكامل، لكنها تفتح الباب أمام تطوير أدوات قد تساعد مستقبلاً في فهم الكيفية التي تنظم بها هذه النماذج معلوماتها قبل الوصول إلى الاستنتاج النهائي.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

> نافذة جديدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على فهم كيفية عمل النماذج اللغوية، بل قد تفتح أيضاً آفاقاً جديدة أمام حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا سيما في التطبيقات عالية الخطورة مثل الرعاية الصحية.

فبدلاً من الاكتفاء بتقييم الإجابة النهائية، قد تتيح هذه الأدوات مستقبلاً فحص بعض التمثيلات الداخلية التي يعتمد عليها النموذج أثناء الاستدلال، بما يساعد الباحثين في رصد مؤشرات ترتبط بدرجة عدم اليقين، أو بمحاولات تضليل النموذج، أو بالاعتماد على معلومات غير كافية قبل الوصول إلى النتيجة النهائية.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

وقد يمثل ذلك تحولاً مهماً في فلسفة الحوكمة؛ إذ لن يقتصر السؤال مستقبلاً على: هل كانت الإجابة صحيحة؟ بل سيمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف وصل النظام إلى هذه الإجابة؟ وهل يمكن الوثوق في الطريقة التي استدل بها؟

> من الصندوق الأسود إلى الصندوق الزجاجي. قد لا تكمن القيمة الأهم لهذه الدراسة في أنها كشفت ما يدور داخل النماذج اللغوية، بل في أنها أثبتت أن فهم بعض آلياتها الداخلية لم يعد أمراً مستحيلاً؛ فعلى مدى سنوات، انصب اهتمام الباحثين على تقييم جودة الإجابات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فقد بدأ الاهتمام ينتقل تدريجياً إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها تلك الإجابات قبل أن تظهر للمستخدم.

ولا يزال الطريق طويلاً قبل الوصول إلى نماذج قابلة للتفسير الكامل، لكن هذه الدراسة قد تمثل بداية الانتقال من عصر «الصندوق الأسود»، الذي نحكم فيه على الذكاء الاصطناعي من خلال نتائجه فقط، إلى عصر «الصندوق الزجاجي»، الذي نحاول فيه فهم المنطق الذي قاد إلى تلك النتائج.

وقد يكون هذا التحول هو الخطوة الأهم نحو بناء جيل جديد من الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة. ففي الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها، بل يجب أيضاً أن تكون طريقة الوصول إليها مفهومة، وقابلة للمراجعة، وجديرة بثقة الطبيب والمريض.

وربما لم يعد السؤال الأهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم الإجابة الصحيحة؟ بل أصبح: هل يمكن للطبيب أن يثق بإجابة لا يستطيع أحد تفسيرها؟



دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.


هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟


من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي
TT

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة حديثة عن نموذج جديد يعتمد على التعلم الآلي قد يرفع دقة الفحوصات الجينية في أثناء الحمل، ويقلل حالة عدم اليقين التي تواجه الأسر عند اكتشاف تغيرات وراثية غير واضحة المعنى.

وطوّر باحثون في مستشفى الأطفال المرضى في كندا نموذجاً قادراً على تحويل علامات جينية محددة مستخرجة من عينات الدم إلى مؤشرات يمكن التعرف إليها في أنواع مختلفة من الأنسجة، بما فيها العينات المستخدمة في فحوصات ما قبل الولادة.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تشخيص مبكر وأكثر دقة للأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية العصبية لدى الأجنة، وتوفير معلومات أوضح للأطباء والأسر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل. ونُشرت الدراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 6 أغسطس (آب) 2026.

«بصمات فوق جينية»

• عندما لا يعرف الأطباء معنى التغير الجيني. أتاحت التطورات الكبيرة في تقنيات قراءة الجينوم لعدد متزايد من الأسر إجراء فحوصات جينية في أثناء الحمل، والحصول على معلومات حول صحة الجنين، واحتمال ارتباط بعض التغيرات في الحمض النووي باضطرابات وراثية أو نمائية.

لكن هذه الفحوصات قد تكشف أحياناً عن تغيرات جينية لا يملك الأطباء أدلة كافية لتحديد طبيعتها. وتعرف هذه التغيرات باسم «متغيرات ذات أهمية غير مؤكدة» variants of uncertain significance (VUS)؛ إذ لا يمكن الجزم بسهولة بأنها ضارة أو حميدة.

وتشير الباحثة في علم الوراثة السريري الدكتورة روزانا ويكسبرغ، من علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو، إلى أن نحو ثلث الحالات التي يظهر فيها تغير جيني جديد قد تترك الأطباء أمام سؤال صعب: هل يمثل هذا التغير خللاً مرضياً أم أنه مجرد اختلاف طبيعي في التطور؟ وتزداد المشكلة مع العدد الهائل من المتغيرات الجينية التي يصعب على المختصين تحليلها جميعاً بالطرق التقليدية.

• «بصمات» تكشف الأمراض. واستند الباحثون إلى مفهوم يعرف باسم «البصمات فوق الجينية» Episignatures وهي أنماط كيميائية مميزة تظهر على الحمض النووي، ويمكن أن تكشف عن وجود بعض الاضطرابات الوراثية. وفي عام 2020 طور مختبر الدكتورة روزانا ويكسبرغ منصة «EpigenCentral» التي تستخدم هذه البصمات المستخرجة من الدم لمساعدة الأطباء في تحديد ما إذا كان تغير جيني معين مرتبطاً بمرض أم لا.

وساعد الفريق حتى الآن في تحديد أكثر من 60 بصمة فوق جينية ثبتت فائدة معظمها في التشخيص السريري. لكن كانت هناك مشكلة رئيسية هي أن هذه البصمات كانت مرتبطة بنوع النسيج الذي أخذت منه العينة. فما يمكن التعرف إليه في الدم قد لا يعمل بالضرورة عند استخدام عينة من السائل الأمنيوسي أو المشيمة.

دور الذكاء الاصطناعي

• الذكاء الاصطناعي يتجاوز حاجز الأنسجة. وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يحول البصمات المستخرجة من الدم إلى بصمات مستقلة عن النسيج؛ أي يمكن التعرف إليها بغض النظر عن مصدر العينة.

ولاختبار النموذج أنشأ الفريق بصمة مرتبطة بمتلازمة داون Down syndrome باستخدام عينات من 266 شخصاً مصاباً بالمتلازمة، ثم درّب النموذج على بيانات متاحة لأكثر من 850 شخصاً من المصابين وغير المصابين، شملت ستة أنواع مختلفة من الأنسجة قبل الولادة وبعدها.

وأظهرت النتائج أن النموذج تمكن من التعرف بدقة على البصمة المرتبطة بمتلازمة داون في جميع أنواع الأنسجة التي جرى اختبارها. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثبت إمكانية تحويل بصمة جينية مأخوذة من الدم إلى أداة يمكن استخدامها في عينات مختلفة، ما قد يجعلها مفيدة في مجال التشخيص أثناء الحمل.

• نحو فحوصات أقل تدخلاً. ولا تقتصر أهمية التقنية على عينات الحمل؛ إذ يأمل الباحثون في استخدامها مستقبلاً مع عينات يسهل الحصول عليها مثل اللعاب ومسحات الفم، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الدم أو الحصول على عينات أكثر تعقيداً.

وتقول الدكتورة سناء شوفاني، من نفس معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في كندا، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن الهدف هو تزويد الأسر التي تواجه احتمال وجود اضطراب نمائي عصبي بأكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة، وتقليل ما يعرف بـ«رحلة التشخيص» الطويلة التي يعيشها كثير من مرضى الأمراض النادرة.

ولا تزال التقنية بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة السريرية، لكن الباحثين يرون أنها قد تمثل خطوة نحو تشخيص وراثي أكثر دقة وفي وقت أبكر بما يمنح الأسر والأطباء معلومات أوضح لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل.