الاستهلاك والأمن الغذائي يختبران الاقتصاد الياباني

ضعف الإنفاق وتراجع الاكتفاء الذاتي يبرزان تحديات النمو

مزارعون في حقل للأرز بمدينة جويتسو اليابانية (رويترز)
مزارعون في حقل للأرز بمدينة جويتسو اليابانية (رويترز)
TT

الاستهلاك والأمن الغذائي يختبران الاقتصاد الياباني

مزارعون في حقل للأرز بمدينة جويتسو اليابانية (رويترز)
مزارعون في حقل للأرز بمدينة جويتسو اليابانية (رويترز)

تكشف أحدث البيانات الاقتصادية في اليابان عن تزايد الضغوط التي تواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع استمرار ضعف الإنفاق الاستهلاكي للأسر وتراجع الاكتفاء الذاتي الغذائي إلى أحد أدنى مستوياته بين الاقتصادات المتقدمة، في وقت تتداخل فيه تأثيرات الأحوال الجوية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتلقي بظلالها على آفاق النمو.

وأظهرت بيانات وزارة الشؤون الداخلية اليابانية أن إنفاق الأسر انخفض في يونيو (حزيران) بنسبة 3.3 في المائة على أساس سنوي، مخالفاً توقعات الأسواق التي رجَّحت ارتفاعه بنسبة 1 في المائة. كما تراجع الإنفاق بنسبة 6.4 في المائة على أساس شهري بعد احتساب العوامل الموسمية، وهو انخفاض تجاوز التوقعات التي كانت تشير إلى تراجع قدره 3.1 في المائة. ويعد هذا الشهر السابع على التوالي الذي يسجل فيه الإنفاق الاستهلاكي تراجعاً؛ ما يعكس استمرار ضعف الطلب المحلي رغم التحسن النسبي في سوق العمل.

وأرجع مسؤول في الوزارة هذا التراجع بصورة أساسية إلى الظروف الجوية غير المواتية، بما في ذلك الأعاصير وغزارة الأمطار التي حدّت من النشاط الاستهلاكي، مؤكداً أن ارتفاع تكاليف المعيشة لم يكن السبب الوحيد وراء ضعف الإنفاق. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نسبة الدخل التي تخصصها الأسر للاستهلاك بدأت تتراجع منذ أواخر العام الماضي؛ وهو ما يعكس ميلاً متزايداً نحو الادخار بدلاً من الإنفاق في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وتأتي هذه البيانات في وقت أظهرت فيه أرقام وزارة العمل نمواً في الأجور الحقيقية بنسبة 1.6 في المائة خلال يونيو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتسجل الزيادة الشهرية السادسة على التوالي. ورغم أن تحسن الأجور يُعدّ مؤشراً إيجابياً، فإنه لم ينعكس حتى الآن على إنفاق المستهلكين؛ الأمر الذي يشير إلى استمرار حذر الأسر اليابانية في مواجهة ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذاء والطاقة.

• ضغوط حرب إيران

ويرى محللون أن الصراع في الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد الياباني؛ كونه يعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة. وقال سوتا تاكانو، كبير الاقتصاديين في معهد «إيتوشو» للأبحاث، إن فرص تحقيق انتعاش قوي في الاستهلاك الخاص تبدو محدودة؛ لأن الحرب الإيرانية رفعت أسعار المواد الغذائية والطاقة، حتى مع استمرار برامج الدعم الحكومية. وأضاف أن تحسن المعنويات يتطلب تغيراً جذرياً في الظروف الحالية، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين يجعل من الصعب توقع تعافٍ سريع في الإنفاق الاستهلاكي.

وتحظى هذه البيانات باهتمام خاص من جانب «بنك اليابان»، الذي يستعد لاجتماعه المقبل للسياسة النقدية؛ إذ يراقب تطورات الاستهلاك بصفتها مؤشراً مهماً على قوة الطلب المحلي وقدرته على دعم التضخم بصورة مستدامة. ورغم أن بيانات شهر واحد لن تكون كافية لتغيير مسار السياسة النقدية، فإن استمرار ضعف الإنفاق قد يدفع البنك إلى توخي الحذر في وتيرة تشديد السياسة النقدية.

• الأمن الغذائي

وفي موازاة تحديات الاستهلاك، برز ملف الأمن الغذائي بوصفه أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه اليابان. فقد أعلنت وزارة الزراعة أن معدل الاكتفاء الذاتي الغذائي، وفقاً لمعيار السعرات الحرارية، تراجع إلى 37 في المائة خلال السنة المالية المنتهية في مارس (آذار)، منخفضاً نقطة مئوية واحدة عن العام السابق، وبعيداً عن هدف الحكومة البالغ 45 في المائة بحلول عام 2030.

ويعد هذا المعدل من بين الأدنى في الدول المتقدمة؛ ما يعكس اعتماد اليابان الكبير على الواردات الغذائية في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط. وأوضحت الوزارة أن انخفاض استهلاك الأرز وارتفاع المخزونات لدى القطاع الخاص كانا من أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع نسبة الاكتفاء الذاتي.

ورغم الجهود الحكومية المستمرة منذ سنوات لتعزيز إنتاج المحاصيل التي تعتمد البلاد على استيرادها، مثل القمح وفول الصويا، فإن نسبة الاكتفاء الذاتي ظلت دون مستوى 40 في المائة لأكثر من عقد. وفي المقابل، تظهر المقارنات الدولية اتساع الفجوة؛ إذ تتجاوز هذه النسبة 100 في المائة في دول مثل أستراليا، وكندا، والولايات المتحدة وفرنسا، في حين تبلغ 81 في المائة في ألمانيا و56 في المائة في بريطانيا و51 في المائة في إيطاليا.

ويواجه القطاع الزراعي الياباني تحديات هيكلية مزمنة، أبرزها شيخوخة العاملين في الزراعة، ونقص الأيدي العاملة الجديدة، وتراجع مساحة الأراضي الزراعية، إضافة إلى تغير الأنماط الغذائية للمستهلكين الذين يتجهون بصورة أكبر نحو استهلاك اللحوم والأطعمة المصنعة بدلاً من الأرز؛ وهو ما يضغط على الإنتاج المحلي.

وتسعى الحكومة إلى معالجة هذه الفجوة عبر توسيع المساحات المزروعة بالقمح وفول الصويا، في إطار خطة تستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 45 في المائة بحلول نهاية العقد الحالي. كما تعتزم وزارة الزراعة مراجعة التقدم المحرز خلال وقت لاحق من الشهر الحالي، مع دراسة اتخاذ إجراءات إضافية إذا اقتضت الحاجة.

وتبرز هذه التطورات أن الاقتصاد الياباني يواجه تحديين متوازيين؛ فمن جهة، يحتاج إلى استعادة ثقة المستهلكين وتحفيز الطلب المحلي ليصبح محركاً أكثر استدامة للنمو، ومن جهة أخرى، يواجه ضرورة تعزيز أمنه الغذائي وتقليل اعتماده على الواردات في ظل عالم يشهد تصاعداً في المخاطر الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد. وتبقى قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي عاملاً حاسماً في رسم ملامح الاقتصاد الياباني خلال السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

أميركا تدفع مجموعة العشرين لتشديد التجارة مع الصين

الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى الوصول إلى مطار آشفيل في ولاية نورث كارولينا لحضور الاجتماعات الوزارية لمجموعة العشرين (رويترز)

أميركا تدفع مجموعة العشرين لتشديد التجارة مع الصين

صعّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الضغط على الصين، داعياً دول مجموعة العشرين إلى إعادة النظر في شروطها التجارية مع بكين وفرض مزيد من الحواجز إذا لزم الأمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض اقتراب عائد السندات العشرية اليابانية من مستوى 3 % في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

اليابان تختبر شهية المستثمرين أمام جبل الديون

تدخل سوق السندات اليابانية أسبوعاً بالغ الحساسية مع اقتراب عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات من الحاجز النفسي البالغ 3 %

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شانتانو نارايِن الرئيس التنفيذي لـ«أدوبي» ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحة خلال جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

«أدوبي» تتيح برمجيات مجانية في السعودية بأكثر من 4 مليارات دولار

أعلنت شركة «أدوبي» عن توفير برمجيات مجانية في السعودية تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار، بهدف إتاحة أدوات الإبداع والتعبير الرقمي لأكثر من 27 مليون شخص فوق سن 13.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد روبوت يقوم بإعداد المثلجات للزبائن في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

تعافي المصانع الصينية لا يخفي ضعف الطلب

أظهرت أحدث بيانات النشاط الاقتصادي في الصين تحسناً محدوداً في قطاع التصنيع خلال أغسطس لكنه لم يكن كافياً لإخراج المصانع من منطقة الانكماش

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً لندوة سابقة لـ«مجموعة العشرين» بالرياض (واس)

وفد سعودي برئاسة الجدعان في اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»

يرأس وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، وفد بلاده باجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لـ«مجموعة العشرين» بالولايات المتحدة لمناقشة الاقتصاد العالمي...

«الشرق الأوسط» (آشفيل (الولايات المتحدة))

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
TT

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)

تدخل «لوسيد موتورز» الأميركية مرحلة جديدة تركز على تحسين السيولة وخفض التكاليف وتعزيز الانضباط التشغيلي، مستهدفةً تحقيق وفورات بقيمة 1.4 مليار دولار، بالتزامن مع إطلاق منتجات جديدة وتوسيع عملياتها في السعودية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، سيلفيو نابولي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن أولويات الشركة تشمل تحسين التدفقات النقدية، وتطوير برنامج سيارات الأجرة ذاتية القيادة، واستكمال انتقال مصنع «AMP-2» إلى التصنيع المتكامل، إلى جانب تطوير المركبات متوسطة الحجم تمهيداً لإطلاقها.

وأكد نابولي أن استراتيجية «لوسيد» في المملكة تتجاوز التصنيع، لتشمل بناء منظومة متقدمة للمركبات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها، بما يدعم مكانة السعودية في مستقبل قطاع التنقل.


«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» خلال تعاملات يوم الاثنين، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن التضخم، بالتزامن مع تنامي رهانات المستثمرين على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بعد النبرة المتشددة التي تبناها رئيسه كيفين وارش في خطابه الأخير.

وتأتي خسائر الأسهم في مستهل سبتمبر المرتقب، الذي يُعد تاريخياً من أضعف أشهر العام بالنسبة إلى الأسواق، في حين يترقب المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة قد تحسم إلى حد كبير مسار السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.65 في المائة، أو 346.30 نقطة، إلى 53210.80 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.46 في المائة إلى 7676.10 نقطة، وهبط مؤشر «ناسداك» المجمع 0.34 في المائة إلى 26312.74 نقطة.

رهانات متزايدة على رفع الفائدة

وتعزّزت توقعات رفع الفائدة بعد تصريحات وارش خلال اجتماعات «جاكسون هول» الأسبوع الماضي؛ إذ أشار إلى أن صناع السياسة النقدية قد يحتاجون إلى زيادة تكاليف الاقتراض إذا لم يتراجع التضخم باتجاه مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، فإن احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر ارتفعت إلى أكثر من 60 في المائة، مقارنة بـ41.4 في المائة قبل أسبوع، في تحول يعكس سرعة استجابة الأسواق لتصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي».

ويرى محللو «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش» أن عدم صدور مفاجأة سلبية كبيرة في البيانات الاقتصادية يضع على وارش مسؤولية المضي نحو رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول)، محذرين من أن التراجع عن هذا المسار قد يؤثر في المصداقية التي اكتسبها من خطابه الأخير.

بيانات الوظائف تحت المجهر

وتزداد أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة في تحديد اتجاه السياسة النقدية، خصوصاً مع تباين المؤشرات الأخيرة بشأن مسار التضخم.

ففي حين أظهر تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر يوليو اعتدالاً في ضغوط الأسعار، جاء مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يفضّله «الاحتياطي الفيدرالي» لقياس التضخم، أعلى من المتوقع، مما أبقى حالة عدم اليقين بشأن مدى استمرار الضغوط السعرية.

وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى تقرير الوظائف الأميركي المقرر صدوره في 4 سبتمبر، باعتباره أحد أبرز المؤشرات التي قد تساعد في تحديد قرار «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل. وكان وارش قد أشار إلى أن البيانات الأخيرة لا تُظهر تحسناً ملموساً في الاتجاهات الأساسية لسوق العمل.

النفط يزيد ضغوط التضخم

وفي الوقت نفسه، شكّل ارتفاع أسعار النفط عبئاً إضافياً على الأسهم، مع تجدد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط واضطراب حركة شحنات الخام عبر مضيق هرمز.

وصعد خام برنت بنحو 1.04 في المائة، ما دفع أسهم شركات الطاقة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى الارتفاع 0.97 في المائة، في حين تعرضت القطاعات الأخرى لضغوط بيعية.

وتزيد أسعار الطاقة المرتفعة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تقدير مدى استعداد «الاحتياطي الفيدرالي» للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو تشديدها مجدداً.

أسهم التكنولوجيا تقاوم الضغوط

ورغم تراجع السوق عموماً، بدت أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات أكثر تماسكاً، إذ ارتفع سهم «إنفيديا» 1.13 في المائة، في حين صعد سهم «سان ديسك» 3.75 في المائة، و«كوالكوم» 2.49 في المائة.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو»، ديفيد تشاو، إنه لا يزال يفضّل القطاعات المرتبطة باتجاهات النمو الهيكلي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، تعرضت أسهم شركات المرافق لضغوط، إذ تراجع القطاع 1.19 في المائة، في حين هوى سهم «PG&E» بنحو 19.4 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أسوأ جلسة له منذ أكثر من ست سنوات إذا استمرت الخسائر.

أداء شهري متباين

وعلى الرغم من تراجع المؤشرات في جلسة الاثنين، لا تزال الصورة الشهرية أكثر إيجابية لبعضها. ويتجه «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى إنهاء سلسلة من التراجعات الشهرية المتتالية، في حين يسير «داو جونز» نحو تسجيل مكاسب للشهر الخامس على التوالي.

ويعكس ذلك استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وأداء الشركات، رغم تصاعد المخاوف بشأن التضخم وأسعار الفائدة.

وفي تحرك لافت آخر، ارتفع سهم «غيم ستوب» 4.5 في المائة بعدما أعلنت الشركة أنها ستسدد نحو 27 في المائة من صفقة مبادلة ديون بقيمة 1.4 مليار دولار نقداً من السيولة المتاحة لديها، بدلاً من إصدار أسهم جديدة، في خطوة تحول دون مزيد من تخفيف ملكية المساهمين الحاليين.


تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
TT

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)

دخلت «سبايس إكس» أسبوعاً حافلاً بالتطورات، بعدما تصاعد الخلاف بين الملياردير إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، بالتزامن مع انتكاسة فنية دفعت «ناسا» و«سبايس إكس» إلى تأجيل موعد إطلاق مهمة مأهولة إلى محطة الفضاء الدولية، في وقت تراهن فيه الشركة على الذكاء الاصطناعي ليكون أحد محركات نموها مستقبلاً.

وأعلنت «أوبن إيه آي» أنها ستنهي وصول أداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي «كورسور» إلى نماذجها، بعدما أصبحت الأداة تابعة لـ«سبايس إكس» إثر صفقة استحواذ بلغت قيمتها 60 مليار دولار في وقت سابق من أغسطس (آب).

وقالت الشركة إنها أبلغت «سبايس إكس» نيتها إنهاء عقد توفير نماذج «أوبن إيه آي» لـ«كورسور»، على أن يتوقف الوصول المقترح في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، مبررة القرار بعدم قدرتها على التأكد من استخدام «سبايس إكس» تقنياتها بما يتوافق مع شروط الخدمة.

وأضافت «أوبن إيه آي» أن قرارها يستند إلى تجربتها السابقة مع شركات ماسك، مشيرة إلى ما وصفته بخرق شروط عقود سابقة.

الخلاف بين ماسك وألتمان يتصاعد

يمثل قرار وقف الوصول إلى النماذج أحدث فصول الخلاف المستمر بين ماسك وألتمان، الذي تحول خلال الفترة الماضية من نزاع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى مواجهة قانونية وتجارية أوسع.

وكان ماسك قد أقام دعوى على «أوبن إيه آي» وألتمان، متهماً الشركة بالابتعاد عن مهمتها الأصلية غير الربحية والتحول إلى كيان هادف للربح. وانتهت القضية بحكم ضد ماسك، بعدما خلصت هيئة المحلفين إلى أن الدعوى قُدمت في وقت متأخر.

ورغم التصعيد الجديد، لم يبدِ ماسك قلقاً كبيراً من قرار «أوبن إيه آي»، قائلاً إنه «لا يكترث للأمر» عند سؤاله عن وقف وصول «كورسور» إلى نماذج الشركة، وفق «ياهو فاينانس».

لكن التداعيات قد تتجاوز الخلاف الشخصي بين الرجلين، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجية «سبايس إكس» المستقبلية.

الذكاء الاصطناعي رهان جديد لـ«سبايس إكس»

تراهن «سبايس إكس» على توسيع أعمالها في الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد مصادر الإيرادات المحتملة في المستقبل، وقدرت في ملف طرحها العام أن الفرصة طويلة الأجل في هذا المجال قد تصل إلى 26.5 تريليون دولار.

ويضع ذلك «كورسور» في موقع مهم ضمن استراتيجية الشركة الجديدة، خصوصاً مع تنامي الاعتماد على أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واحتدام المنافسة بين الشركات العاملة في تطوير النماذج المتقدمة.

وتستخدم «كورسور» نماذج عدة شركات في خدماتها للمطورين، وكان من بينها نماذج «أوبن إيه آي». وبحسب أحد مؤسسي «كورسور»، فإن نماذج «أوبن إيه آي» تمثل نحو 5 في المائة من حركة المرور على المنصة، ما يعني أن قطع الوصول لن يؤدي بالضرورة إلى توقف الخدمة، لكنه يفرض على الشركة إعادة ترتيب مصادر النماذج التي تعتمد عليها.

وقال مايكل ترول، أحد مؤسسي «كورسور»، إن الجانبين يجريان محادثات لمحاولة حل المشكلة.

انتكاسة في برنامج الرحلات المأهولة

وفي الوقت الذي تواجه فيه «سبايس إكس» هذا التطور في نشاط الذكاء الاصطناعي، تعرض نشاطها الفضائي التقليدي أيضاً لانتكاسة محدودة، بعدما أعلنت «ناسا» و«سبايس إكس» تعديل موعد إطلاق مهمة Crew-13 إلى محطة الفضاء الدولية.

وكان من المقرر إطلاق المهمة في 12 سبتمبر (أيلول)، على متن مركبة «دراغون» وعلى متنها أربعة رواد فضاء، لكن اكتشاف تسرب في مادة مؤكسدة داخل نظام الدفع للمركبة دفع الوكالتين إلى إجراء اختبارات إضافية.

ولم تحدد «ناسا» و«سبايس إكس» موعداً جديداً للإطلاق حتى الآن، في انتظار استكمال الاختبارات ومعالجة المشكلة الفنية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار إجراءات السلامة المعتادة للرحلات المأهولة، لكنها تضيف في الوقت نفسه تحدياً جديداً إلى جدول عمليات «سبايس إكس»، التي تعتمد على وتيرة إطلاق مرتفعة لتوسيع أعمالها في قطاع الفضاء.

السهم يتماسك رغم التطورات

ورغم التطورات المرتبطة بـ«كورسور» وتأجيل المهمة الفضائية، ارتفع سهم «سبايس إكس» بنحو 1 في المائة في التعاملات المبكرة، ما يشير إلى أن المستثمرين لم ينظروا إلى التطورات الأخيرة باعتبارها تهديداً فورياً لقيمة الشركة.

ويعكس ذلك ربما ثقة السوق باتساع مصادر نمو «سبايس إكس»، التي لم تعد تعتمد فقط على إطلاق الصواريخ والرحلات الفضائية، بل تتطلع إلى بناء حضور أكبر في الذكاء الاصطناعي.