يبدو أن ملف النظم العلاجية غير المعتمدة سيظل مفتوحاً في مصر، مع تصاعد تحركات الجهات الرسمية لمواجهة الترويج لوسائل علاجية تفتقر إلى الأساس العلمي، بعد ملاحقة نقابة الأطباء المصرية لسيدة أسترالية تزعم ابتكار وسيلة جديدة لعلاج السرطان، وهو ما قاد إلى حظرها إعلامياً بقرار حكومي الخميس.
وتأتي هذه التحركات، تزامناً مع جدل لم يفتر بشأن «نظام الطيبات» الغذائي، الذي يقوم على رفض العلاج الدوائي واستبدال نظام غذائي غير مثبت علمياً به، رغم وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي في الإمارات قبل نحو أربعة أشهر.

ويُنظر إلى الانتشار الواسع لـ«نظام الطيبات» عبر صفحات التواصل الاجتماعي المصرية بوصفه عاملاً وفر بيئة مؤاتية لظهور مروجي نظريات علاجية غير معتمدة، ما دفع نقابة الأطباء إلى تشديد تحركاتها الوقائية لحماية الصحة العامة.
وقال نقيب الأطباء، أسامة عبد الحي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها النقابة تستهدف «حماية المواطنين من أي ممارسات أو نظم علاجية غير معتمدة، ومنع الترويج لمعلومات طبية قد تعرض حياة المرضى للخطر».
وبدأت الخيوط الأولى لتلك الواقعة مع تداول إعلانات عن تنظيم الأسترالية باربرا أونيل دورة تدريبية طبية بمدينة الجونة على ساحل البحر الأحمر خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، رغم أنها لا تحمل ترخيصاً بمزاولة مهنة الطب في مصر.
وأونيل ممنوعة مدى الحياة من تقديم أي خدمات أو نصائح صحية في أستراليا منذ 2019، عقب تحقيقات رسمية انتهت إلى حظر نشاطها في المجال الصحي، وفقما أكدت نقابة الأطباء، في بيان الأربعاء.
في ضوء هذه المعطيات، سارعت النقابة إلى مخاطبة وزارتي الصحة والسكان، والسياحة والآثار، لاتخاذ الإجراءات القانونية والرقابية اللازمة لمنع تنظيم الفعالية، وهو ما عدته «حفاظاً على صحة المواطنين ومنع الترويج لمعلومات طبية غير موثقة».
كما خاطبت «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، مطالبة بحجب المحتوى الذي تنشره أونيل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنع أي ترويج لأنشطتها أو خدماتها داخل مصر.
وتقدم أونيل نفسها باعتبارها خبيرة في التغذية والعلاج الطبيعي، غير أن النقابة أكدت أنها لا تحمل مؤهلاً معتمداً في التغذية العلاجية، وأن شهرتها جاءت من خلال الترويج لما تصفه بـ«العلاجات الطبيعية».
ومن بين أبرز المزاعم المنسوبة إليها، اعتبار السرطان «فطراً» يمكن علاجه باستخدام بيكربونات الصوديوم أو من خلال تعديل النظام الغذائي، وهي ادعاءات ترفضها المؤسسات الطبية والعلمية.
وكان «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» أول المتحركين، إذ قرر، الخميس، منع ظهور أونيل في وسائل الإعلام المصرية، وحظر بث أو إعادة بث أو تداول أي محتوى مصور خاص بها. كما حظر الترويج لأي فعاليات أو خدمات صحية أو تدريبية تقدمها داخل مصر، استناداً إلى ما وصفه بترويجها «مزاعم صحية خطيرة تمس الصحة العامة».
وذهب المجلس إلى أن «تلك المزاعم تشمل الترويج لعلاجات غير مثبتة علمياً للأورام، والدعوة إلى إحلال ألبان الحيوانات محل الرضاعة الطبيعية، والتقليل من جدوى المضادات الحيوية، ومناهضة التطعيمات».
وحذر من أن «مثل هذه الادعاءات قد تدفع المرضى إلى تأخير العلاج المتخصص أو التخلي عنه، بما يشكل تهديداً مباشراً لحياتهم، فضلاً عن تقديم نفسها بألقاب علمية لا تستند إلى مؤهلات حقيقية».
ومع تأييد تلك الخطوة الحكومية، رأت النائبة إليزابيث شاكر، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب المصري، أن «التجاوب الذي حظي به نظام الطيبات من جانب بعض المواطنين خلال الفترة الماضية، شجع بعض مدعي العلاج على بث سمومهم في محاولة لزعزعة الثوابت الطبية».
وقالت شاكر لـ«الشرق الأوسط» إن مصر منفتحة على كل جديد في المجال الطبي، لكنها لا يمكن أن تسمح بالترويج لأي وسيلة علاجية ما لم تستند إلى أبحاث علمية موثقة ومعتمدة من الجهات الدولية المختصة.
وأضافت: «صحة المصريين ليست مجالاً للتجارب أو الادعاءات، سواء صدرت من الداخل أو الخارج»، مؤكدة ضرورة التصدي بحزم لكل الممارسات العلاجية غير القائمة على الأدلة العلمية.
وسبق لـ«المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» أن اتخذ خطوة مماثلة لقراره الأخير ضد السيدة الأسترالية، حين أصدر في مايو (أيار) الماضي قراراً بحظر نشر أو بث أو تداول أي مواد للطبيب الراحل ضياء العوضي، مؤكداً أن محتواها «يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة». وسبق لنقابة الأطباء أن أعلنت شطب عضوية العوضي ومنعه من ممارسة المهنة، بعد اتهامه «بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة بالأدلة العلمية».
ورغم وفاة العوضي، لا يزال الجدل حول أفكاره مستمراً، إذ يواصل عدد من مؤيديه الترويج لـ«نظام الطيبات» عبر مجموعات ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما يعتبره أطباء ومتخصصون «نموذجاً للمعلومات الطبية المضللة التي تستوجب مزيداً من الرقابة والتوعية».
ويقوم «نظام الطيبات» الذي روّج له العوضي، على تقسيم الأطعمة إلى «طيبات» و«غير ملائمة»، مع الدعوة إلى التخلي عن عدد من الإرشادات الطبية والغذائية المتعارف عليها.
