اليمن.. من التدخل الإيراني إلى الإنقاذ السعودي

«عاصفة الحزم» والتحالف العربي يحبطان مخططات طهران

ولي العهد السعودي مستقبلا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بعد وصوله إلى السعودية (واس)
ولي العهد السعودي مستقبلا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بعد وصوله إلى السعودية (واس)
TT

اليمن.. من التدخل الإيراني إلى الإنقاذ السعودي

ولي العهد السعودي مستقبلا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بعد وصوله إلى السعودية (واس)
ولي العهد السعودي مستقبلا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بعد وصوله إلى السعودية (واس)

تدخلات إيران في اليمن ليست وليدة اللحظة، وليست مرتبطة بما سمي اصطلاحا بـ«الربيع العربي»، بل تعود لأكثر من عقدين، حين بدأت طهران بتوفير الدعم المادي والإعلامي، وكذلك الأسلحة، لكل من سيتعاون معها، أو من يمكن أن تستخدمه أداة سياسية في جنوب الجزيرة العربية. ومثلت الحركة الحوثية عنصرا أساسا للنفوذ الإيراني، إلا أن الانفصاليين في جنوب اليمن، تلقوا تدريبا إعلاميا عبر ذراع إيران في لبنان حزب الله، وذلك حسب مسؤولين غربيين ويمنيين أدلوا بتصريحات صحافية خاصة لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في يونيو (حزيران) 2013.
وإلى جانب هذا الدليل، فإن مسؤولين في صنعاء، حسب ما نشرته دراسة أصدرتها الجمعية الملكية البريطانية للعلاقات الخارجية «شاتام هاوس» بعنوان (اليمن والحرب الباردة بين السعودية وإيران) يؤكدون أن قناة «المسيرة» الفضائية وقناة «عدن مباشر»، تبثان من بنايتين تابعتين لحزب الله في العاصمة اللبنانية بيروت، ولا تبعدان عن بعضهما البعض سوى عشرات الأمتار، مستدلين بهذا على الأدلة على المباشرة على نفوذ إيران في اليمن عبر الحوثيين والجماعات المتمردة الأخرى.
ذهاب حسين بدر الدين الحوثي إلى طهران، وتأثره بالفرقة الاثني عشرية، وتخليه التدريجي عن الزيدية كان نواة تصاعد نشر الاثني عشرية في اليمن، واطمئنان إيران على وجود ذراع لها تستطيع من خلالها تهريب السلاح، والبدء بنفس طويل لتخزين الأسلحة والاستعداد للسيطرة على اليمن، وعلى الأهم من ذلك، وهو شريان الملاحة البحرية وبوابة الشرق الأوسط تجاه العالم، باب المندب.
الحوثي الذي أسس حزب الحق، ودعم الاشتراكيين في حرب 1994 (عبر تمويل إيراني)، تفرغ لتوسيع حركته الدينية في محافظة صعدة، عبر حركة الشباب المؤمن، وكانت الأسلحة الإيرانية أساسا لتقوية شوكة الحوثيين في اليمن، فقد كانت الشحنات تأتي عبر سفن صغيرة بداعي التمويه، وكانت تبحر من الموانئ الإيرانية على الخليج وتنزل حمولتها من الأسلحة في إحدى الجزر الإريترية في البحر الأحمر، ومن ثم تشحن إلى ميناء ميدي الأقرب إلى معقل الحوثيين في صعدة، حسب عبد الله المدني أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي، في محاضرة ألقاها بمركز عيسى الثقافي في العاصمة البحرينية المنامة.
كانت الرياض تراقب بحذر هذا التدخل الإيراني في شؤون اليمن، والذي لم يكن بدواعي التنمية، وإنما لتأسيس ذراع عسكرية لطهران شبيهة بحزب الله اللبناني، وكانت المواجهات بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح والحوثيين مستمرة فيما عرف بـ«الحروب الست»، لكن محاولة الحوثيين للمساس بالحدود السعودية ارتدت عليهم في جبل دخان، حيث بدأ الحوثيون بمهاجمة نقاط حدودية سعودية، دفعت السعودية للرد حيث تكبد الحوثيون 1500 قتيل وانسحبوا إلى صعدة بعد قصف جوي ومدفعي، و«استشهد» في الجانب السعودي 73 جنديا.
وبعد «الربيع العربي»، رحبت إيران بالثورات في العالم العربي، ورأت أنها امتداد للثورة الإيرانية بقيادية آية الله الخميني، ثم وصفت ما حدث في تونس بأنه صحوة إسلامية، ليأتي تعليق مجلة «فورين بوليسي» الأميركية أن ترحيب إيران ليس بريئًا، وإنما محاولة واضحة لاستغلال هذه الثورات لصالحها، ثم قالت المجلة: «لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف».
وبعد عامين من فشل إيران تسيير الثورات العربية لصالحها، وعودة الاستقرار لتونس ومصر، ومصالحة وطنية وحوار في اليمن نتج عنه خروج الرئيس علي عبد الله صالح من سدة الحكم، بدأ الحوثيون بالسيطرة تدريجيًا على العاصمة اليمنية صنعاء، وسط مباركة من بعض القوى الأمنية في اليمن، حيث اقتحمت حركة الحوثي العاصمة في سبتمبر (أيلول) 2014. وتدريجيا بدأت تسيطر على محافظات أخرى، بعضها قاوم، والأخرى سلمت نفسها وعتادها، وسط معلومات تداولت وقتها عن تواطؤ الأجهزة الأمنية بتوجيهات مباشرة من الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وشهدت مزرعة العوجا في الرياض، التحضيرات لتبديد أحلام طهران، فإيران كانت تبارك تحركات الحوثيين، ووسط نشوة الموهوم بالنصر – كما يصفها أحد المراقبين – إلى جانب المناورات التي قام بها الحوثيون مدعمين بالحرس الجمهوري التابع للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وسط تصريحات استفزازية آخرها ما قاله علي شامخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن بلاده باتت على ضفاف البحر المتوسط وباب المندب، وإنها هي من منعت سقوط بغداد ودمشق بأيدي المتطرفين. هذا التصريح كان في الوقت الذي كانت السعودية تحتضن اجتماعات مكثفة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم تهدأ مطارات الرياض وقاعدتها الجوية من استقبال القادة والمسؤولين العسكريين، وهو ما لم تنتبه إليه إيران. تصريحات شامخاني، كانت قبل 16 عشر يومًا فقط من انطلاقة «عاصفة الحزم» والتي حطمت أحلام إيران بالسيطرة على باب المندب أو بالاقتراب من الجزيرة العربية، كما وصفها سياسيون بعد انطلاق العمليات. وفي الثالثة فجرًا، أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز انطلاقة عمليات «عاصفة الحزم» في السادس والعشرين من مارس (آذار) الماضي، واستطاعت المقاتلات الجوية والبوارج التابعة للتحالف العربي إعادة الشرعية من السيطرة على المجال الجوي اليمني في أقل من 25 دقيقة.
«الشرق الأوسط» ناقشت متخصصين في السياسة والاقتصاد، سؤالا مفاده: ماذا لو لم تتدخل السعودية في اليمن؟
ويسرد السياسي اليمني مصطفى أحمد النعمان، السفير السابق للحكومة اليمنية لدى مملكة إسبانيا، كيف تسللت إيران إلى الداخل اليمني حتى تفاقم الأمر واستفحل. فهو يرى أن هدفها الأساسي كان محاولة إيجاد موطئ قدم جنوب السعودية بأقل ثمن ومخاطر، عبر وسطاء آخرين. فسياسة طهران التي يشرحها النعمان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» تبين كيف لعبت طهران على المتناقضات واستخدمت الحوثيين كأداة تثبيت وجود، قبل أن تأتي «عاصفة الحزم» وتنهي كل ما خطط له. يبدأ النعمان حديثه بقوله: «من المفيد الحديث عن العوامل التي أتاحت لإيران إيجاد موطئ قدم قوي في اليمن، فالرغبة في استغلال الفراغات التي غابت عن الأطراف المعنية بالشأن اليمني منحتها فرصة سانحة للاقتراب من الحدود الجنوبية للسعودية بأقل الأثمان والمخاطر ودونما حاجة لتواجد على الأرض كما يحدث في غير قطر عربي، فقد أهملت الحكومات المتعاقبة في اليمن إدخال الحد الأدنى من مقومات الحياة الحديثة في محافظة صعدة وكان المستشفى الوحيد الذي أنشئ فيها بتمويل وإدارة سعوديين وهو من أفضل المستشفيات الحديثة في اليمن، وظلت صنعاء تنظر بريبة لأبناء صعدة من أتباع المذهب الزيدي وتشكك في ولائهم للجمهورية وتتهمهم بعدم مناصرتها أثناء الحرب الأهلية 62 – 70».
ويضيف النعمان في شق مرتبط أن حكومة علي عبد الله صالح افتتحت معاهد دينية لنشر مبادئ سلفية دينية حيث تولى هذه المسألة الشيخ مقبل الوادعي (رحمه الله)، حيث أدى ذلك إلى غليان المتعصبين من أبناء المذهب الزيدي والذي رأوا فيه اعتداء على ثقافتهم الدينية ويكمل بقوله: «ضمت المعاهد عددا من الطلبة الأجانب وكان ذلك في نظر أبناء صعدة استفزازا لم تحاول السلطات التخفيف منه أو معالجته».
وفي جانب آخر، وهو إهمال الاهتمام بصعدة، فإن غياب السلطة عنها خلق مساحة لطهران عبر حزب الله اللبناني للتواصل مع عدد من قيادات الحوثيين وكان أبرزهم المرجع الديني بدر الدين الحوثي، إذن حسب حديث النعمان فإن ذلك خلق مساحة واسعة لطهران للتحرك في اليمن انطلاقا من صعدة ويضيف: «إن غياب الدولة عن التواجد خلق مناخا هيئ على مدى سنوات للشحن ضد سلطة صنعاء وضد تواجد المعاهد السلفية»، وفي عامل آخر استخدمته إيران يقول: «استطاعت طهران إيجاد أنصار من الهاشميين خصوصا على امتداد اليمن ما إعطائهم قوة معنوية بأنهم قادرون على استعادة الحكم عبر الدعوة بأحقية آل البيت التاريخية حكم اليمن وأنه انتزع منهم عنوة في 26 سبتمبر 1962».
وفي حديث النعمان، شرح كيف بدأت إيران بإشعال الفتنة الطائفية بين أبناء اليمن تدريجيا، وزرع الأحقاد بمحاولة حث كل طرف على استعادة إرث تاريخي أو تحفيز مجموعات أنها الأحق بالحكم، ويضيف شارحًا آثار العوامل السابقة بقوله: «إن هذه العوامل خلقت أجواء تسللت منها إيران وبدأت باستقبال طلبة في جامعاتها وابتعاث عدد منهم إلى خارج اليمن على نفقتها والإشراف عليهم، وتعميق الشعور بالظلم والاضطهاد».
وسعت طهران إلى ابتعاث عدد من أبناء محافظة صعدة، ومحاولة زرع روح الانتقام عبر تعميق شعور المظلومية لديهم، وهو الذي دفع الكثير منهم للانخراط تحت ميليشيا الحوثي والتي بدأت بإثارة الفوضى وبدء مواجهات مسلحة مباشرة مع أكثر من طرف في الداخل اليمني.
لكن إيران سعت كما يقول مراقبون، أكد النعمان حديثهم، إلى العمل بصمت وهدوء وسرية تامة رغم الحروب الست التي خاضتها الحكومة اليمنية بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح قبل أن يتحالف مع الحوثيين، وكلما زادت محاولات الحكومة اليمنية السابقة لعزل الحوثيين ومواجهتهم أمنيًا، زاد تصديقهم لتعليمات إيران وما لقنتهم إياه فيما يتعلق بالمظلومية. يقول النعمان: «كان العمل منظما وهادئا وغاية في السرية ورغم الحروب الست التي خاضتها صنعاء ضد الحوثيين (2004 – 2010) فإنها لم تنجح في إنهاء الظاهرة بسبب الخلافات حول أسلوب التعامل معها ورغم الإجراءات الأمنية والعسكرية وحالة العزلة التي فرضت على المنطقة فإنها لم تنجح، هذا المناخ أتاح لإيران التواجد والتوسع في نفوذها».
كل العناصر السابقة بحسب النعمان أتاحت المجال أمام مخططات إيران لإيجاد نفوذ عسكري لها عبر الحوثيين، لكن النعمان يقول: إن إهمالا خليجيا للملف اليمني بسبب رفض دولي لمجلس التعاون الخليجي التدخل المباشر في الملف اليمني تسبب في المشهد الحالي في اليمن.
ويشدد النعمان أن إيران دائما تسعى لبداية إيجاد موطئ قدم لها في أي دولة عربية بأقل تكلفة ودون إرسال عسكريين أو قوات تابعة لها، وهذا ما حدث مع الحوثيين حين بدأوا يسيطرون على الحدود الشمالية لليمن بتواطؤ من الحكومة السابقة، فكان لإيران ما تمنته.
وفي سؤال آخر يجيب عليه باحث استراتيجي، ماذا كان سيحدث لو تأخرت الرياض ولم تبدأ عمليتها العسكرية مع التحالف العربي لإعادة الشرعية إلى اليمن وتخليص اليمن من سيطرة وسطوة طهران.
يقول الباحث في المجال الاستراتيجي الدكتور ناصر البقمي إن الرياض لو تأخرت في التدخل العسكري لتحول شمال اليمن إلى قاعدة إيرانية عسكرية ضخمة، واستباقا لوصف حديثه بالمبالغ فيه، يؤكد البقمي أن هذه القاعدة في ذهن الساسة الإيرانيين فرصة لن تتكرر لبدء حرب مباشرة مع السعودية، ويضيف: «طبيعة الحال لو لم تتدخل السعودية في اليمن عسكريًا لتم تأسيس قاعدة عسكرية إيرانية حقيقية يصعب إزالتها، ولتحول اليمن إلى سوريا أخرى، بل –أجزم - أن الحالة اليمنية أشد خطرًا من الحالة السورية، لأن اليمن كان متجها للاحتلال الإيراني الكامل، وهذا الذي كان يُخطط له، خصوصا أن ملف استعادة الحدود اليمنية هو الباب الذي سيكون مدخلاً لحرب مع السعودية».
ويضيف البقمي: إضافة إلى تأسيس طهران قاعدة عسكرية في الشمال «اليمن الجنوبي سيكون تحت السيطرة الحوثية، وسيكون علي عبد الله صالح هو المسيطر، وسيكون الحرس الثوري متواجدا بكثافة، فهي فرصة لن تتكرر أبدًا لحرب مع السعودية، وستنتقل الميليشيات الشيعية من باكستان والعراق ولبنان وإيران لليمن، وسيكون اليمن منطقة القتال في التاريخ الإسلامي. ستدعم أميركا وروسيا الجميع بالأسلحة لكنها لن يهمها شيء سوى النفط، وستطول الحرب».
حديث البقمي يؤكد ما كانت طهران تقوم به في الفترة ما بين 2012 وحتى سبتمبر 2014، حين أعلنت عن أربع مناورات عسكرية في مياه الخليج العربي وصولا إلى بحر العرب، وتباهت بها وسائل الإعلام الإيرانية، قبل أن تبدأ العمليات العسكرية بقيادة السعودية، وتفتت استثمار إيران العسكري في اليمن والذي بدأ منذ 1986.
وعلى الرغم من اتفاقية جامايكا التي تنظم موضوع الممرات المائية، والتي سعت الأمم المتحدة في 1982 لبدء حشد الدول العالمية للتوقيع عليها ووضعتها حيز التنفيذ بعد 12 عاما، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، فإن إيران لم تضع احتراما لهذه الاتفاقية، فقبل وصول قواتها إلى مشارف باب المندب، هددت بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، الممر الحيوي لنصف نفط العالم.
ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبد الله العساف أطماع إيران المباشرة والصريحة في المضايق المائية والسيطرة على اليمن بقوله: إن إيران حاولت الاستفادة من الثورة اليمنية باستئجار قاعدة عسكرية في إريتريا لمد الحوثيين بالسلاح والرجال، حسب تقارير أميركية استخدمها العساف في تدليله على التدخل الإيراني العسكري المباشر في اليمن، ثم قامت طهران بعمليات تهريب من ميناء «عصب» الإريتري إلى داخل محافظة صعدة، حيث يتمركز الحوثيون، ويضيف بقوله: «لذا سعت إيران إلى التواجد المكثف في المشهد السياسي اليمني والاتصال بالقوى الفاعلة سياسيا لإيجاد قبول للحوثي بوصفه قوة فاعلة ومؤثرة في الشأن اليمني وتم التنسيق بين الحوثي وصالح بغية إفشال العملية السياسية من خلال الإطاحة بحكومة الوفاق الوطني، ثم الإطاحة بحكومة الكفاءات وبعدها سيطر الحوثيون على ممتلكات الدولة العسكرية والمدنية تمهيدا للتحالف العلني مع إيران التي كانت تخطط للوصول لهذه اللحظة لدخول اليمن بطريقة نظامية وبسط نفوذها عليه يقينا منها بخسارة حليف استراتيجي أصبحت أيامه معدودة في سوريا، ولأن اليمن له موقع استراتيجي في خاصرة الجزيرة العربية الجنوبية؛ والسيطرة على باب المندب وتأثيره على انسياب التجارة العالمية وغيرها من المنافع الاستراتيجية؛ فلو لم تتدخل السعودية في اليمن لأصبح أحد أضلاع المربع العربي الجريح: العراق سوريا لبنان».
ويصف العساف تدخل السعودية بـ«المحافظ على وحدة اليمن والمعيد لأهله الأمل».
وبعد أشهر على إطلاق «عاصفة الحزم»، أعلنت الرياض إطلاق عمليات «إعادة الأمل» إلى اليمن، وأسست مركز الملك سلمان للإغاثة، الذي بدأ أعماله الإغاثية وإرسال المساعدات الطبية والغذائية بالتوالي إلى اليمن، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولإخراج الجمهورية المجاورة التي ترتبط مع السعودية بعلاقات تاريخية من نفق مظلم، خططت له طهران منذ الثمانينات الميلادية، وبدأت التنفيذ بدءا من 1994م وحتى حصل لها ما كانت تصبو إليه، حين سقطت صنعاء دون مقاومة في سبتمبر 2014 بيد الميليشيات الحوثية، والتي بدأت بتنصيب نقاط تفتيش علنية على مرأى من رجال الأمن، والذين انضموا فيما بعد إلى مخطط كبير يقوده علي عبد الله صالح، لإغراق اليمن في حرب أهلية طائفية، برعاية إيرانية.



لتأمين الملاحة... تصاعد التنسيق العسكري الدولي مع الرياض

صورة بالقمر الاصطناعي لمضيق باب المندب (ناسا)
صورة بالقمر الاصطناعي لمضيق باب المندب (ناسا)
TT

لتأمين الملاحة... تصاعد التنسيق العسكري الدولي مع الرياض

صورة بالقمر الاصطناعي لمضيق باب المندب (ناسا)
صورة بالقمر الاصطناعي لمضيق باب المندب (ناسا)

أكد مراقبون سياسيون أن ازدياد الإدانات الدولية مؤخراً حول تهديد ميليشيا الحوثي للملاحة البحرية واستهداف المملكة، والوقوف الكامل إلى جانب الرياض ودعمها فيما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها، يعكس تصاعد الإدراك الدولي بالتهديد الذي تمثله الميليشيا.

وخلال الأيام القليلة الماضية، تصاعدت الإعلانات الدولية التي تدين التصعيد الحوثي في اليمن، وتهديد الملاحة البحرية وحركة التجارة الدولية في مضيق باب المندب، إلى جانب إعلان التضامن الكامل والوقوف إلى جانب السعودية في وجه الاستهدافات الحوثية، والكشف عن خطط لتقديم دعم عسكري لضمان حرية الملاحة البحرية، وشمل ذلك دول الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، إلى جانب دول «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، التي بحثت مؤخراً في الرياض، سبل مساندة السعودية وفق الاتفاق، وأكدت التزامها بالدفاع الجماعي، بما يجسد عزمها على الدفاع عن أمن السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها، مشيدة بالعلاقات الراسخة والثقة المتبادلة التي تجمع شعوبها وقواتها المسلحة.

رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في الرياض الجمعة (رويترز)

مسؤولية المجتمع الدولي

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» قال الضابط السعودي السابق والمحلل الاستراتيجي، عبد اللطيف الملحم، إن إعلان بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا، عن تقديم أشكال متعددة من الدعم والقدرات العسكرية والاستخباراتية سواءً لمساندة السعودية، أو للمساهمة في ضمان حرية الملاحة البحرية وحركة التجارة، هو استجابة مبدئية للدعوة التي أطلقتها السعودية منذ وقت مبكر بضرورة أن يضطلع المجتمع الدولي بمسؤولياته.

وأضاف الملحم، أن هذه الإعلانات خصوصاً أنها جاءت من أعلى مستويات القيادة في تلك الدول، تعكس جانبين، أولاً: إدراك أن الحوثي بات يشكل تهديداً دوليّاً، ويجب مواجهته ومنعه من تحويل أهداف قوى إقليمية إلى واقع من خلال السيطرة على حرية حركة الملاحة في أهم مضيقين بحريين في المنطقة، وهما مضيقا هرمز وباب المندب، أما الجانب الآخر، فهو يكشف أهمية التعاون العسكري مع السعودية، والإيمان بأهمية تعزيز التعاون وتبادل الخبرات، والتعامل معها بوصفها من أهم مصادر الطاقة في العالم، وأن أي تأثير يلحق مقدّراتها، قد يشكّل تهديداً على مصير ضمان إمدادات الطاقة، ومن ذلك ما تعرض له خط شرق - غرب من استهداف حوثي.

توافق دولي

أما شكل التعاون في إطار هذه الإعلانات، فيتوقّع الملحم، أن يكون اهتمام السعودية منصبّاً أكثر على تحقيق توافق دولي تجاه سلوك الميليشيات، وهو الأمر الذي كان غائباً في فترات سابقة، حتى وصلنا خلال هذه المرحلة التي جاءت نتيجة الجهود السعودية في إيضاح هذا الواقع، إلى جانب التهديد الفعلي الذي شكّلته الميليشيات، وأقله عبر استهدافها للسعودية، أو إعلانها فرض حظر في المضيق، وهو الأمر الذي يمكن أن يتطور مع مرور الوقت، بحال تأخر المجتمع الدولي عن الاضطلاع بمسؤولياته.

أما المحلّل السياسي أحمد الإبراهيم، فيعتقد أن «اتفاق مكة للدفاع المشترك» يوفّر مظلة إقليمية للدفاع المشترك بين الدول الثلاث، وعدّ أن اجتماع رؤساء أركان هذه الدول في الرياض، أكد عزمهم على البدء الفوري لترجمة الالتزامات الواردة في «اتفاقية مكة» إلى تعاون عسكري فعّال، وأردف أن استهداف السعودية يرتبط مباشرة بالمبدأ الأساسي للاتفاق «أي اعتداء على أحد أطراف الاتفاق هو اعتداء على دوله كافة» إلى جانب أنه يمس أمن الطاقة والتجارة لهذه الدول الثلاث وللإقليم والمنطقة، مشيراً إلى أن هذه التحركات السياسية والعسكرية في هذا الإطار تعكس جدّية حقيقية وغير مسبوقة بعد سنوات من غياب المسؤولية الدولية والإقليمية تجاه أمن اليمن وباب المندب، التي تصدّت لها دول قليلة على رأسها السعودية، على حد وصفه.

إعلانات دولية مرتقبة

الإبراهيم، أعاد التأكيد على أن السعودية منذ سنوات دعت إلى ضرورة الانتباه إلى الخطر الحوثي حال سيطرة الميليشيا على مضيق باب المندب، ولم يكن هناك إدراك دولي كاف خلال السنوات السابقة، غير أن السلوك الحوثي مؤخراً أسهم في خلق إدراك دولي بهذا الخطر في هذه الظروف، واتخاذ عدد من الدول إجراءات استباقية قبل أن تتصاعد التهديدات، وتابع: «أتوقع أن نشهد إعلانات من هذا النوع قريباً خصوصاً من القوى الدولية والغربية».


السعودية تدعم برامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بـ 6 ملايين دولار

 الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (واس)
TT

السعودية تدعم برامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بـ 6 ملايين دولار

 الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (واس)

قدمت السعودية دعمًا ماليًا بقيمة 6 ملايين دولار لبرامج مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، على أن يُوزع الدعم على مدى أربع سنوات اعتبارًا من العام المالي 2027، بما يعكس اهتمام المملكة بتعزيز دور المركز في بناء القدرات في مختلف مجالات مكافحة الإرهاب.

وجاء ذلك خلال لقاء الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على هامش أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين.

ويأتي دعم السعودية لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب انطلاقًا من دورها المحوري في مجال مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره أيًا كان مرتكبوه، وإدراكًا منها لأهمية مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ودوره البناء والفعال في بناء القدرات للدول وتوحيد الجهود العالمية في هذا المجال.

ويعكس الدعم كذلك استمرار التعاون بين السعودية ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، إذ سبق للمملكة أن أسهمت في إنشاء مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بمبلغ 110 ملايين دولار، كما ساهمت مؤخرًا بمبلغ 300 ألف دولار في تمويل مشروع الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب.


إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)
المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)
TT

إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)
المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)

أشاد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالجهود الإنسانية الكبيرة والدور الريادي الذي تضطلع به السعودية من خلال استجابة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» العاجلة، وتقديم المساعدات الإغاثية والطارئة للاجئين، منوهاً بالشراكة الاستراتيجية المثمرة التي تجمع بين الجانبين.

جاء ذلك خلال لقائه الدكتور عبد الله بن عبد العزيز الربيعة، المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على المركز، الجمعة، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 المنعقدة في مدينة نيويورك.

وبحث الجانبان سبل تعزيز التعاون وتنسيق الجهود الإنسانية والإغاثية لدعم اللاجئين والنازحين، وسبل التخفيف من معاناتهم في مختلف أرجاء العالم، إضافة إلى مناقشة مستجدات البرامج والمشاريع المشتركة.

الدكتور عبد الله الربيعة خلال توقيع البرنامج التنفيذي المشترك مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (واس)

ووقَّع المشرف العام على المركز برنامجاً تنفيذياً مشتركاً مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ لتنفيذ مشروع إيواء الأسر السورية العائدة إلى بلادها خلال فصل الشتاء المقبل.

وسيجري بموجب البرنامج إعادة تأهيل 987 منزلاً متضرراً لتصبح مساحات سكنية آمنة وصالحة للاستخدام، وتوزيع 10 آلاف و768 حقيبة شتوية تشتمل على بطانيات عالية العزل الحراري، وأغطية بلاستيكية (مشمعات)، وملابس وسترات شتوية؛ لحماية الأسر من موجات البرد القارس، ويستفيد منها 58 ألفاً و625 فرداً من المحتاجين، والنساء المعيلات، والأرامل، والأطفال، وكبار السن في محافظات: حلب، وريف دمشق، ودير الزور، وإدلب، وحمص.

وجاءت الاتفاقية في إطار جهود السعودية -ممثلة بالمركز- لتمكين العائلات السورية من العودة الطوعية إلى ديارها وتثبيت استقرارها، وإيجاد بيئة معيشية تضمن لها العيش بكرامة وأمان، ورفع قدرة الفئات الأشد احتياجاً على الصمود.

الدكتور عبد الله الربيعة خلال لقائه ألكسندر دي كرو مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نيويورك (واس)

ولاحقاً، بحث الدكتور الربيعة مع ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في لقاء ثنائي بنيويورك، الأمور ذات الاهتمام المشترك المتصلة بالشؤون الإنسانية والإغاثية.

وأشاد دي كرو بعلاقات التعاون المميزة التي تجمع بين الجانبين، منوهاً بدعم المركز للفئات المستضعفة في العالم عبر سلسلة من البرامج الإنسانية.