دمشق و«حزب الله»... هل يقرّب تبادل الرسائل الإيجابية فتح حوار مباشر؟

أكاديمي سوري: يتطلب تطبيعاً للعلاقات بين الحكومة اللبنانية والحزب أولاً

التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (يسار) رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقر إقامته في بيروت (أ.ف.ب)
التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (يسار) رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقر إقامته في بيروت (أ.ف.ب)
TT

دمشق و«حزب الله»... هل يقرّب تبادل الرسائل الإيجابية فتح حوار مباشر؟

التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (يسار) رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقر إقامته في بيروت (أ.ف.ب)
التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (يسار) رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بمقر إقامته في بيروت (أ.ف.ب)

بعد إعلان أمين عام «حزب الله» اللبناني الانفتاح على الحوار مع دمشق، وما سبقه من تصريحات سورية «لا تمانع الحوار في حال اقتضت المصالح السورية واللبنانية ذلك»، ما فرص فتح حوار؟ وما الأرضية التي ستقوم عليها المفاوضات؟ وأي الملفات ستطرح؟

رغم انفتاح الدولة السورية على الجلوس مع الحزب، فإن ذلك يجب أن يمر عبر القنوات الرسمية اللبنانية وفق جدول معد مسبقاً، وبالتنسيق معها، وهو أمر غير متاح حتى هذه اللحظة. لذا، يرى الأكاديمي والسياسي كمال عبدو أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات «لا يزال بعيد المنال» رغم عدم استحالته مستقبلاً ورغم التصريحات الإيجابية من كلا الطرفين.

د. كمال عبدو متحدثاً في ندوة فكرية بمعرض دمشق الدولي للكتاب فبراير الماضي (سانا)

وأوضح عبدو لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة السورية أكدت مراراً أن علاقتها بالأطراف اللبنانية يجب أن تمر عبر السلطة اللبنانية وقنواتها الشرعية، والجميع يعلم أن علاقة الحكومة اللبنانية بالحزب لا تمر بأوقات جيدة؛ فهي تعتبر سلاحه غير شرعي بالدرجة الأولى، وتحمّله تبعات الحرب الإسرائيلية على لبنان بالدرجة الثانية، وبالتالي يتطلب الموقف تطبيعاً للعلاقة بين الحكومة اللبنانية والحزب أولاً، قبل تطبيعها بين دمشق والحزب».

وقال الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم القاسم، الثلاثاء، إنه «لا مانع للقاء علني بين (حزب الله) والقيادة السورية في الوقت الذي سيكون مناسباً بتقدير الطرفين»، معتبراً أن «سوريا المستقرة سند للبنان، كما أن لبنان المستقر سند لسوريا».

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في يونيو (حزيران) الماضي أنه لا يمانع الجلوس مع «حزب الله» على طاولة الحوار، إذا كان ذلك «يصب في صالح لبنان ويؤمن المصالح السورية».

أعلام «حزب الله» في مدينة القصير على الحدود السورية - اللبنانية يونيو 2013 (أ.ف.ب)

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد صرح خلال زيارته للبنان مطلع يوليو (تموز) الماضي، بأنه إذا «اقتضت المصلحة العامة بين البلدين عقد لقاء مع (حزب الله)، فإن سوريا لن تكون في موقع طرف ضد طرف آخر داخل لبنان، ولن تقف عند الماضي وما قام به (حزب الله) من مشاركة إلى جانب بشار الأسد في قتل الشعب السوري».

بناء على التصريحات السورية، لا يستبعد الباحث والمحلل العسكري رشيد حوراني «أن تجلس الإدارة السورية مع الحزب بمستوى تمثيل هي تقرره»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن سوريا الجديدة لا تتطلع إلى لقاء مع فصيل أو تيار في ظل وضع خطير تمر به الدول العربية، إلا إذا قدرت أن هناك مصلحة ستتحقق لكلا الطرفين من اللقاء «لبنان وسوريا».

في الوقت نفسه، والكلام لحوراني، لا تقبل سوريا أن يتم التفاوض بين لبنان وإسرائيل تحت ضغط الأعمال القتالية، الذي يمنح إسرائيل تفوقاً في فرض شروطها على لبنان، وهذا ما يجرى في المناطق التجريبية في جنوب لبنان، وبالتالي «أي إضعاف للبنان بمختلف تياراته أمام إسرائيل هو إضعاف للحالة السورية. من هذا المنطلق يمكن اللقاء مع الحزب، فأسلوب العمل القديم لم يعد مجدياً في مواجهة إسرائيل، ويكفي الاطلاع على موقف (حماس) في غزة وقبولها بتسليم سلاحها لإعطاء فرصة للسياسة كي تنضج».

أسلحة كانت متوجهة إلى لبنان من سوريا عبر معابر غير شرعية (سانا - إكس)

ما يهم سوريا بالدرجة الأولى من المفاوضات المفترضة هو «وقف تهريب السلاح والمخدرات عبر حدودها»، بحسب الباحث السياسي كمال عبدو، وهذا «يتطلب موقفاً إيجابياً من قبل الحكومة اللبنانية والحزب»، مع ترجيح عدم تفريط الحزب بقضية الحدود والإشراف عليها كونها قضية وجود بالنسبة له، ومن دونها لا يمكن إدخال طلقة واحدة إلى مقاتلي الحزب، كون الأراضي السورية هي الشريان البري الوحيد الذي يتلقى الحزب منه السلاح.

وينوه الأكاديمي السوري إلى أن قضية سلاح الحزب تعدها دمشق «شأناً لبنانياً داخلياً، وبيروت هي المسؤولة عن معالجته». أما ما يقض مضجع الحزب، حسب الباحث عبدو، هو «التدخل العسكري السوري في لبنان تحت ضغوط أميركية وعربية، رغم التأكيدات السورية المتكررة بعدم رغبتها في أي تدخل عسكري».

ويضيف: «قد شهدنا تهديدات للحكومة السورية من مسؤولين برلمانيين إيرانيين ومن فصائل عراقية تتبع طهران إن هي فكرت بالتدخل في الشأن اللبناني»، موضحاً: «ورغم التصريح الإيجابي لشيخ نعيم قاسم فإنه أيضاً يحمل تهديداً (مبطناً) لدمشق حين ربط حالة الفوضى والسلم بين دمشق وبيروت». وهو موقف لا يحتمل التأويل في أن أي «محاولة تدخل سوري في لبنان أو إثارة الفوضى فيه بحجة سلاح الحزب ستنتقل سريعاً إلى سوريا، وهو ما تعيه دمشق جيداً وتدرك تبعاته».

دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية - اللبنانية بريف القصير في أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)

من جانبه، حصر الخبير العسكري رشيد حوراني الملفات التي من الممكن طرحها في اتجاهين؛ أمني خاص بالدولة السورية ويتمثل بتوقف «حزب الله» عن محاولاته التواصل مع شبكاته على طول الحدود السورية - اللبنانية خاصة في حمص وطرطوس، وكشفه للحكومة السورية عن كافة مستودعات الأسلحة التي تسلمها من النظام البائد على الأراضي السورية، والتي «يقوم الحزب بين الحين والآخر بمحاولة تهريبها إلى الأراضي اللبنانية حيث يوجد وينتشر».

أما الاتجاه الثاني فهو الانضواء تحت راية الحكومة اللبنانية بما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وتمكين الجيش اللبناني من القيام بمهامه، والانتشار على كامل الحدود السورية - اللبنانية. ورأى حوراني في إعلان الحزب قبوله الجلوس مع الحكومة السورية «دليل ضعف ومحاولة البقاء على قيد الحياة»، خاصة أنه يتم التحضير لضربة عسكرية ضد إيران، وقد طلب من ميليشياتها في العراق تسليم سلاحها، ويعاني الحزب من نقص إمداداته بسبب ضبط الحدود السورية - اللبنانية، والسورية - العراقية، وامتلاك الحكومة السورية أوراق التأثير ضد الحزب التي تزيد من إضعافه، كل ذلك «يجعل من قبول الحزب للمقاربة السورية موضع ترحيب وتعاون حتى لو قبل بها مرحلياً».


مقالات ذات صلة

ارتياح في الحسكة لانتهاء الانقسام... وترقب لما بعد «قسد»

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مظلوم عبدي وإلهام أحمد مساء الثلاثاء (الرئاسة السورية)

ارتياح في الحسكة لانتهاء الانقسام... وترقب لما بعد «قسد»

رغم الارتياح العام الذي أشاعه إعلان القائد مظلوم عبدي حل «قسد»، فإن حالة من الترقب تسود محافظة الحسكة السورية، فـ«إعلان حلها لا يعني إنهاء ملف الدمج»...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعها مكتب وزير الدفاع لزيارة قواته يوم الثلاثاء في جبل الشيخ

إسرائيل لتهدئة التوتر مع تركيا وسوريا... والخطاب الرسمي على حاله

تعيد إسرائيل النظر في سياستها المتشددة تجاه سوريا وتسعى إلى إصلاح العلاقات مع المبعوث الأميركي توم باراك، المقرب من دونالد ترمب، وسط مساعيها للتوصل إلى اتفاق.

المشرق العربي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو يوم 15 أكتوبر 2025 (أرشيفية - وكالة الأنباء الألمانية)

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال محادثة هاتفية مع نظيره السوري، أحمد الشرع، الموقف المبدئي الداعم وحدة الجمهورية وسيادتها وسلامة أراضيها...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الخليج الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع مظلوم عبدي في القصر الرئاسي (أ.ب) p-circle 00:54

السعودية ترحب باندماج «قسد» في المؤسسات العسكرية السورية

رحبت السعودية باندماج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في المؤسسات العسكرية للجمهورية العربية السورية، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أرشيفية من لقاء توم باراك مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا والرئيس السوري أحمد الشرع في تركيا منتصف العام الماضي (إ.ب.أ) p-circle

توم باراك يعتبر قرار حل قوات سوريا الديموقراطية «تاريخياً بامتياز»

اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والذي يشغل أيضا منصب السفير لدى تركيا توم باراك، الثلاثاء، قرار حل قوات سوريا الديموقراطية «تاريخياً بامتياز».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ارتياح في الحسكة لانتهاء الانقسام... وترقب لما بعد «قسد»

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مظلوم عبدي وإلهام أحمد مساء الثلاثاء (الرئاسة السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مظلوم عبدي وإلهام أحمد مساء الثلاثاء (الرئاسة السورية)
TT

ارتياح في الحسكة لانتهاء الانقسام... وترقب لما بعد «قسد»

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مظلوم عبدي وإلهام أحمد مساء الثلاثاء (الرئاسة السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مظلوم عبدي وإلهام أحمد مساء الثلاثاء (الرئاسة السورية)

رغم الارتياح العام الذي أشاعه إعلان القائد مظلوم عبدي حلَّ «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، فإن حالة من الترقب تسود محافظة الحسكة، فـ«إعلان حل (قسد) لا يعني إنهاء ملف الدمج»، وفق ما قاله نائب محافظ الحسكة المتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، في تصريح للتلفزيون الرسمي، في حين أشارت وسائل إعلام محلية إلى حالة استنفار من عناصر تابعين لـ«قسد» بمدينة الحسكة بعد الإعلان عن حلها.

تشير التوقعات في محافظة الحسكة إلى احتمال حدوث تطورات جديدة، تتعلق بعناصر وقيادات كردية لديها حسابات أخرى غير حسابات «قسد» وأهالي المنطقة، وفق مصادر في الحسكة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» وتحفظت عن ذكر هويتها.

وقالت المصادر إن كثيراً من القوى والأحزاب السياسية من مختلف المكونات في الحسكة تداعت إلى عقد لقاءات لتقدير الموقف بعد التغييرات المتسارعة، و«كان هناك توافق عام على ضرورة حماية الاستقرار وتعزيز الحضور السياسي والمؤسساتي والاستعداد للتحديات المقبلة، وتداعيات حل (قسد)، والترتيبات الأمنية والسياسة التي لم تتضح على أرض الواقع».

إلا إن المؤشرات الإيجابية، وفق المصادر، تتمثل في «توجه جميع الأطراف المحلية ومن مختلف المكونات إلى الاهتمام بالمرحلة المقبلة بوصفها مرحلة (إعمار) و(إنهاء للانقسام)».

نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، من جهته، تحدث عن اكتمال اندماج ألوية «قسد» في الجيش العربي السوري، وعن أن الألوية المندمجة حتى الآن تضم نحو 4500 عنصر. وأوضح أنه ستكون هناك مرحلة انتقالية بخصوص مناهج «الإدارة الذاتية» سابقاً، وأن اللغة الكردية ستدخل المدارس رسمياً بداية من العام الدراسي المقبل مادةً اختيارية بمعدل حصتين أسبوعياً.

وأفادت مصادر إعلام محلي باستنفار أمني لعناصر من «قسد» المنحلة معروفين باسم «الشبيبة الثورية»، في عدد من شوارع مدينة الحسكة، تزامن مع إجراء عمليات تفتيش على البطاقات الشخصية للمارة، وفق «مركز إعلام الحسكة».

وسائل الإعلام الكردية المقربة من «قسد» ركزت في تغطيتها للقاءات دمشق، على أن حل «قسد» و«الإدارة الذاتية» لا يعني إقصاءً للمكون الكردي، بل هو انتقال رسمي من العمل العسكري المسلح إلى الشراكة السياسية والدستورية المتكاملة داخل مؤسسات الدولة السورية.

ومع إعلان حل مؤسسات «قسد» و«الإدارة الذاتية» الكردية، عدّ عضو «مكتب العلاقات العامة» في «المجلس الوطني الكردي»، إبراهيم برو، أن البلاد تدخل مرحلة جديدة. وقال بمنشور في حسابه على «فيسبوك»: «انتهاء هذه المرحلة لا يعني انتهاء القضية الكردية، بل هو بداية لمسار سياسي وقانوني يعيدها إلى إطارها الوطني السوري، ويضمن الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد دستورياً».

مظلوم عبدي قائد «قسد» يصل مع وزير الخارجية السوري أسعد شيباني قبل خطاب متلفز في «قصر الشعب» بدمشق يوم 25 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

يذكر أنه خلال 6 أشهر منذ بدء تنفيذ «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026»، اندمج آلاف من عناصر «قسد» ضمن ترتيبات الألوية التابعة لوزارة الدفاع، وفق ما قاله أحمد الهلالي، مؤكداً على أن «خروج المقاتلين الأجانب من صفوف (قسد) وعودتهم إلى ديارهم يثبت المسار الوطني لحل الملف»، مشيراً إلى أن «موارد محافظة الحسكة أصبحت بنسبة 100 في المائة تحت تصرف الدولة السورية، وعائداتها تعود إلى خزينة الدولة».

من جانبه، أكد عضو الفريق الرئاسي لملف الدمج، مصطفى عبدي، حصول قيادات من «قسد» على مناصب في الدولة، وقال في تصريح لوكالة «نورث برس» إنه سيكون لمظلوم عبدي وإلهام أحمد أيضاً مناصب ضمن الدولة، وأوضح أن «وحدات حماية المرأة» ستكون ضمن مِلاك وزارة الداخلية وليس وزارة الدفاع، وأن اللغة الكردية ستكون ضمن المنهاج، وأن الحقوق الكردية مضمونة.

عناصر من «وحدات حماية المرأة» (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وكانت وكالة أنباء «هاوار» قد أفادت، في وقت سابق من يوم الأربعاء، بأن لقاءً مرتقباً سيجمع قيادات من «وحدات حماية المرأة (YPJ)» ووزير الداخلية السوري، أنس خطاب؛ لمناقشة آليات الاندماج. وتأسست «وحدات حماية المرأة» عام 2013 في مناطق شرق وشمال سوريا، وبرزت بوصفها قوة عسكرية بعد مشاركتها في معركة عين العرب (كوباني) ضد تنظيم «داعش» عام 2014.

وكان هناك مقترح لاندماج «وحدات المرأة» ضمن وزارة الدفاع، إلا إن عدم وجود تشكيل نسائي خاص ضمن الجيش السوري حال دون قبول دمشق بهذا المقترح، وعرضت الاندماج ضمن وزارة الداخلية للراغبات من عناصر «وحدات حماية المرأة».

يذكر أن «قوات سوريا الديمقراطية» تأسست في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، بدعم من «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)»، بقيادة الولايات المتحدة، وضمت بصورة رئيسية «وحدات حماية الشعب» و«وحدات حماية المرأة»، إلى جانب تشكيلات عربية وسريانية وآشورية.


أطفال غزة يفقدون متنفّسهم بعد تهديدات إسرائيل بشأن «الطائرات الورقية»

أطفال فلسطينيون يمسكون بطائراتهم الورقية في قطاع غزة (د.ب.أ)
أطفال فلسطينيون يمسكون بطائراتهم الورقية في قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

أطفال غزة يفقدون متنفّسهم بعد تهديدات إسرائيل بشأن «الطائرات الورقية»

أطفال فلسطينيون يمسكون بطائراتهم الورقية في قطاع غزة (د.ب.أ)
أطفال فلسطينيون يمسكون بطائراتهم الورقية في قطاع غزة (د.ب.أ)

لا لعب بعد الآن بالطائرات الورقية. حتى هذا المتنفس البسيط انتُزع من الطفل أحمد حمدونة (10 أعوام)، مثله مثل كثير من الأطفال في قطاع غزة، الذين شوّهت سنوات الحرب ومرارة النزوح طفولتهم، بينما تلاحقهم التهديدات الإسرائيلية بالقضاء على الطائرات الورقية.

يقول الطفل الذي نزح إلى مدينة دير البلح وسط القطاع الساحلي، إن والده منعه من اللعب بطائرته الورقية بعدما هددت الدولة العبرية بأنها ستكثف عملياتها هناك، إذا واصلت الطائرات الورقية السقوط في الجانب الإسرائيلي من الحدود.

ويضيف: «منعني والدي عن تحليق طائراتي الورقية بسبب تهديدات الاحتلال، أشعر بحزن شديد، أمضيت وقتاً طويلاً في جمع العصي والنايلون، فقط ليمنعنا الاحتلال من اللعب بها»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتساءل حمدونة: «ماذا يريدون منا؟ نحن مجرد أطفال صغار. لقد دمروا منزلنا وحيّنا بأكمله، فماذا يريدون منا أكثر من ذلك؟».

يقر الطفل بأنه بات يخشي اللعبة، لكنه يتساءل: «لماذا يخاف الجيش الإسرائيلي من الطائرات الورقية وهي مجرد ورق وخيط، لا أريد إيذاء أحد. أريد فقط أن ألعب مثل الأطفال في كل مكان آخر».

وكانت حركة «حماس» قد قالت في بيان، الثلاثاء، إنّ «اللجان الشعبية في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء تحاول منع الأطفال من استعمال الطائرات الورقية في اللعب خوفاً من استهداف الاحتلال لهم».

وحذرت إسرائيل من أنها ستكثف عملياتها في القطاع إذا أطلقت طائرات ورقية أو طائرات مسيّرة أو بالونات.

«إحساس بالحرية»

وجاء هذا التهديد بعد العثور، حسب تقارير، على مجموعة من الطائرات الورقية عبر حدود قطاع غزة في جنوب إسرائيل، وهي مناطق عانت من صدمة شديدة جراء الهجوم الذي شنّته «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بالعثور على أربع طائرات ورقية في تجمعات سكنية في منطقة غلاف غزة، السبت، بينما أعلن الجيش إسقاط طائرة ورقية أخرى، الأحد، ليرتفع بذلك عدد الطائرات التي تم العثور عليها خلال الأيام الأخيرة إلى نحو عشر.

وأعادت هذه الحوادث إلى الأذهان عمليات إطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة من غزة في أعوام سابقة، ما تسبب في اندلاع حرائق بالأراضي الزراعية في جنوب إسرائيل.

وحسب التقارير، يعتقد الجيش الإسرائيلي أن «حماس» كانت وراء عمليات إطلاق الطائرات التي لم تكن تحمل متفجرات، ويرى أن الحركة ربما كانت تختبر طريقة رد إسرائيل.

لكن بالنسبة إلى أطفال غزة، كان صنع الطائرات الورقية وسيلة بسيطة للشعور ببعض الفرح وسط أنقاض الحرب.

ويقول الطفل يامن المبيض (11 عاماً): «الطائرة الورقية هي الشيء الوحيد الذي نستطيع صنعه بأيدينا ويجعلنا سعداء عندما نطير بها في السماء».

طفل فلسطيني يصنع طائرة ورقية داخل خيمة في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ب)

ويشير إلى أن حتى أزيز الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي تُستخدم للمراقبة، لم يمنعه من تحليق طائراته الورقية، مؤكداً أنّها «الشيء الوحيد الذي يجعلنا نشعر بأننا، نحن الأطفال، ما زلنا على قيد الحياة، ويمنحنا إحساساُ بالحرية».

«قتل الفرح»

لكن بالنسبة إلى الأهالي، باتت اللعبة تنطوي على مجازفة بالأرواح.

ويقول أكرم أبو شرخ (30 عاماً) الذي نزح من شمال غزة إلى مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة: «منعت أطفالي من لمس الخيط أو صنع طائرة ورقية خلال الأسبوعين الماضيين. لا يمكنني فعل شيء، لقد بدأ الاحتلال يعتبر الطائرة الورقية سبباً كافياً لتهديد منطقة سكنية بأكملها بالإخلاء أو قصفها بصاروخ».

ويشير إلى أنّ «هؤلاء أطفال لا يفهمون الحسابات العسكرية. هم يرونها مجرد لعبة وطريقة لتفريغ طاقتهم. أما أنا فأرى الموت في لمس الخيط وتحليق الطائرة الورقية».

ويوضح: «كان أطفالي غاضبين جداً مني، ويشتكون من أنه ليس لديهم شيء آخر للعب، أشعر بحزنهم لكن حياتهم أهم من أي لعبة».

أما أم معاذ حويلة (34 عاماً) وهي نازحة من مخيم جباليا شمال القطاع إلى مدينة خان يونس جنوباً، فتقول: «عندما يأخذ أطفالي طائراتهم الورقية ويخرجون، يبدأ قلبي بالخفقان من شدة خوفي عليهم، لكن في الوقت نفسه، لا أستطيع منع أطفال يختنقون من الحصار والحروب والخيمة والحر».

طفل فلسطيني يحمل طائرة ورقية في مخيم للنازحين بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

وحذّر «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة الذي يشرف على تنفيذ خطة السلام في قطاع غزة، الثلاثاء، حركة «حماس» من إطلاق الطائرات الورقية، بعدما هددت إسرائيل بشن ضربات انتقامية.

ورداً على ذلك، قال عضو المكتب السياسي في الحركة باسم نعيم، في بيان صحافي: «هل يعقل أن محاولات إرضاء مجرم الحرب (رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو تصل بهم إلى توصيف أنشطة الأطفال البريئة بوصفها أنشطة مسلحة، في وقت يمارس نتنياهو القتل والتدمير يومياً رغم الاتفاق».

من جانبها، ترى حويلة أن «الاحتلال يريد أن يقتل الفرح في قلوبهم، هم لا يطلبون الكثير، فقط أن يعيشوا طفولتهم، ولو بقطعة خيط وورقة».


مستوطنون إسرائيليون يخطفون فتى وشابّين فلسطينيين

معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (رويترز)
معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (رويترز)
TT

مستوطنون إسرائيليون يخطفون فتى وشابّين فلسطينيين

معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (رويترز)
معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية يوم الاثنين (رويترز)

على الرغم من الاستنكار الدولي الواسع، والذي عبرت عنه الولايات المتحدة بالتوبيخ وأوروبا بالعقوبات، تواصل التنكيل الإسرائيلي الواسع بالفلسطينيين في الضفة الغربية. وبالإضافة إلى توسيع الاستيطان وزيادة الاعتقالات والاعتداءات، عاد المستوطنون، الأربعاء، إلى عادتهم القديمة في خطف فلسطينيين من مناطق نائية وتعذبيهم.

وعلى أطراف قرية فيلان، جنوبي مدينة نابلس، خطف مستوطنان فتى فلسطيني في الرابعة عشرة من عمره، واعتدوا عليه بالضرب، وحضرت قوة من الشرطة الإسرائيلية، وحررته ثم سلمته لأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وبعد نحو ساعة اختطف مستوطنون آخرون شابين شقيقين في السابعة عشرة والثامنة عشرة من العمر، هما محمد وعمر حمادنة، عند مرورهما على الطريق الواصل بين عصيرة الشمالية ومدينة نابلس.

وأفادت مصادر أمنية بأن مستوطناً أوقف شاحنة لنقل الغاز، واستولى على مفاتيحها، قرب مدخل مدينة نابلس الشمالي، أو ما يعرف بالطريق الـ17، واختطف الشقيقين، وهما من بلدة عصيرة الشمالية، واقتادهما إلى جهة مجهولة.

وذكرت مصادر إسرائيلية أن المستوطنين نفذوا منذ مطلع السنة نحو 800 اعتداء على الفلسطينيين، بينها نحو 100 اعتداء خطير.

وعدت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن هذا الرقم يدل على «ارتفاع كبير في الاعتداءات بالمقارنة مع السنتين الأخيرتين، اللتين بلغ فيهما المعدل 1000 اعتداء في كل سنة».

وقالت «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» الفلسطينية، في بيان هذا الأسبوع، إن «المستوطنين قتلوا 25 فلسطينياً منذ مطلع 2026، بينما بلغت الحصيلة 61 شهيداً منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، و87 شهيداً منذ 2019، معظمهم من محافظتي رام الله والبيرة ونابلس».

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وخلال النصف الأول من 2026، نفذ المستوطنون 3 آلاف و488 اعتداءً في الضفة، أسفرت عن مقتل 17 مواطناً فلسطينياً، وتهجير 26 تجمعاً بدوياً ورعوياً بصورة كلية أو جزئية، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استعمارية جديدة، معظمها بؤر رعوية، وفق «هيئة مقاومة الجدار».

ويقيم نحو 750 ألف مستوطن في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية بالضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، ويرتكبون اعتداءات بهدف تهجير الفلسطينيين قسراً، وفق معطيات فلسطينية وإسرائيلية رسمية.

وقالت القناة الـ12 الإسرائيلية، الثلاثاء، إن وفداً أميركياً يزور تل أبيب وجه توبيخاً شديد اللهجة إلى مسؤول إسرائيلي رفيع خلال اجتماع تناول أعمال عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة. وأضافت القناة أن الوفد يضم أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب ومستشارين لكبار المسؤولين الأميركيين وفرقاً مهنية.

ونقلت عن أعضاء الوفد قولهم لمسؤول كبير في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لم تسمّه: «نحن نحميكم بكل الطرق وفي ظل ظروف صعبة، في الوقت الذي يقف فيه العالم كله ضدكم. لا يمكن أن يكون المقابل أعمال عنف ونهب ومحاولات لاستهداف الفلسطينيين».

وأضافوا خلال اجتماع تناول أعمال عنف المستوطنين: «لا تتعاملوا مع الدعم الأميركي باعتباره أمراً مفروغاً منه، فيما تسمحون باستمرار هذه الأفعال. هذا سيرتد عليكم من الباب الخلفي. كيف لا تدركون بأنفسكم ذلك؟».

المواطن الفلسطيني الأميركي لؤي ريدي مع زوجته وطفلتيهما بساحة منزله الذي يحاصره مستوطنون إسرائيليون (أ.ب)

وبحسب القناة، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، اجتماعاً أمنياً ضم رئيس الأركان إيال زامير ومسؤولين آخرين، لبحث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وذلك بناءً على طلب أميركي. ولكن الجيش فوجئ بسؤال نتنياهو لقادة الجيش عما يفعلون لمواجهة ما وصفه بـ«الإرهاب الفلسطيني».

من جهة أخرى، وجه أعضاء بالحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء، رسالة إلى نتنياهو يحثونه على «كبح جماح» العنف الذي يرتكبه مستوطنون في الضفة الغربية، والاعتقالات الجماعية للفلسطينيين التي تقوم بها قوات الأمن الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وقد وقَّع على الرسالة 42 نائباً من أصل 47 عضواً في كتلة الحزب الديمقراطي بمجلس الشيوخ.

وتمثل هذه الرسالة، بحسب وكالة «رويترز»، أحدث مؤشر على تصاعد التوتر بين الديمقراطيين في الكونغرس وحكومة الاحتلال، بشأن تعاملها مع الضفة الغربية، حيث دعا عدد من أعضاء الحزب أيضاً إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بسبب سلوكها في الحرب في غزة. وصاغ الرسالة السيناتور آدم شيف من كاليفورنيا وزعيم الديمقراطيين تشاك شومر من نيويورك، الذي كان لفترة طويلة أحد أكبر مؤيدي إسرائيل في الكونغرس، والسيناتور كوري بوكر من نيوجيرزي.

ودعت الرسالة حكومة الاحتلال أيضاً إلى وقف إقرار إنشاء مستوطنات جديدة وبناء «بؤر استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية»، واتخاذ خطوات لإزالة البؤر الاستيطانية القائمة.