بعد إعلان أمين عام «حزب الله» اللبناني الانفتاح على الحوار مع دمشق، وما سبقه من تصريحات سورية «لا تمانع الحوار في حال اقتضت المصالح السورية واللبنانية ذلك»، ما فرص فتح حوار؟ وما الأرضية التي ستقوم عليها المفاوضات؟ وأي الملفات ستطرح؟
رغم انفتاح الدولة السورية على الجلوس مع الحزب، فإن ذلك يجب أن يمر عبر القنوات الرسمية اللبنانية وفق جدول معد مسبقاً، وبالتنسيق معها، وهو أمر غير متاح حتى هذه اللحظة. لذا، يرى الأكاديمي والسياسي كمال عبدو أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات «لا يزال بعيد المنال» رغم عدم استحالته مستقبلاً ورغم التصريحات الإيجابية من كلا الطرفين.

وأوضح عبدو لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة السورية أكدت مراراً أن علاقتها بالأطراف اللبنانية يجب أن تمر عبر السلطة اللبنانية وقنواتها الشرعية، والجميع يعلم أن علاقة الحكومة اللبنانية بالحزب لا تمر بأوقات جيدة؛ فهي تعتبر سلاحه غير شرعي بالدرجة الأولى، وتحمّله تبعات الحرب الإسرائيلية على لبنان بالدرجة الثانية، وبالتالي يتطلب الموقف تطبيعاً للعلاقة بين الحكومة اللبنانية والحزب أولاً، قبل تطبيعها بين دمشق والحزب».
وقال الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، نعيم القاسم، الثلاثاء، إنه «لا مانع للقاء علني بين (حزب الله) والقيادة السورية في الوقت الذي سيكون مناسباً بتقدير الطرفين»، معتبراً أن «سوريا المستقرة سند للبنان، كما أن لبنان المستقر سند لسوريا».
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في يونيو (حزيران) الماضي أنه لا يمانع الجلوس مع «حزب الله» على طاولة الحوار، إذا كان ذلك «يصب في صالح لبنان ويؤمن المصالح السورية».

وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد صرح خلال زيارته للبنان مطلع يوليو (تموز) الماضي، بأنه إذا «اقتضت المصلحة العامة بين البلدين عقد لقاء مع (حزب الله)، فإن سوريا لن تكون في موقع طرف ضد طرف آخر داخل لبنان، ولن تقف عند الماضي وما قام به (حزب الله) من مشاركة إلى جانب بشار الأسد في قتل الشعب السوري».
بناء على التصريحات السورية، لا يستبعد الباحث والمحلل العسكري رشيد حوراني «أن تجلس الإدارة السورية مع الحزب بمستوى تمثيل هي تقرره»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن سوريا الجديدة لا تتطلع إلى لقاء مع فصيل أو تيار في ظل وضع خطير تمر به الدول العربية، إلا إذا قدرت أن هناك مصلحة ستتحقق لكلا الطرفين من اللقاء «لبنان وسوريا».
في الوقت نفسه، والكلام لحوراني، لا تقبل سوريا أن يتم التفاوض بين لبنان وإسرائيل تحت ضغط الأعمال القتالية، الذي يمنح إسرائيل تفوقاً في فرض شروطها على لبنان، وهذا ما يجرى في المناطق التجريبية في جنوب لبنان، وبالتالي «أي إضعاف للبنان بمختلف تياراته أمام إسرائيل هو إضعاف للحالة السورية. من هذا المنطلق يمكن اللقاء مع الحزب، فأسلوب العمل القديم لم يعد مجدياً في مواجهة إسرائيل، ويكفي الاطلاع على موقف (حماس) في غزة وقبولها بتسليم سلاحها لإعطاء فرصة للسياسة كي تنضج».

ما يهم سوريا بالدرجة الأولى من المفاوضات المفترضة هو «وقف تهريب السلاح والمخدرات عبر حدودها»، بحسب الباحث السياسي كمال عبدو، وهذا «يتطلب موقفاً إيجابياً من قبل الحكومة اللبنانية والحزب»، مع ترجيح عدم تفريط الحزب بقضية الحدود والإشراف عليها كونها قضية وجود بالنسبة له، ومن دونها لا يمكن إدخال طلقة واحدة إلى مقاتلي الحزب، كون الأراضي السورية هي الشريان البري الوحيد الذي يتلقى الحزب منه السلاح.
وينوه الأكاديمي السوري إلى أن قضية سلاح الحزب تعدها دمشق «شأناً لبنانياً داخلياً، وبيروت هي المسؤولة عن معالجته». أما ما يقض مضجع الحزب، حسب الباحث عبدو، هو «التدخل العسكري السوري في لبنان تحت ضغوط أميركية وعربية، رغم التأكيدات السورية المتكررة بعدم رغبتها في أي تدخل عسكري».
ويضيف: «قد شهدنا تهديدات للحكومة السورية من مسؤولين برلمانيين إيرانيين ومن فصائل عراقية تتبع طهران إن هي فكرت بالتدخل في الشأن اللبناني»، موضحاً: «ورغم التصريح الإيجابي لشيخ نعيم قاسم فإنه أيضاً يحمل تهديداً (مبطناً) لدمشق حين ربط حالة الفوضى والسلم بين دمشق وبيروت». وهو موقف لا يحتمل التأويل في أن أي «محاولة تدخل سوري في لبنان أو إثارة الفوضى فيه بحجة سلاح الحزب ستنتقل سريعاً إلى سوريا، وهو ما تعيه دمشق جيداً وتدرك تبعاته».

من جانبه، حصر الخبير العسكري رشيد حوراني الملفات التي من الممكن طرحها في اتجاهين؛ أمني خاص بالدولة السورية ويتمثل بتوقف «حزب الله» عن محاولاته التواصل مع شبكاته على طول الحدود السورية - اللبنانية خاصة في حمص وطرطوس، وكشفه للحكومة السورية عن كافة مستودعات الأسلحة التي تسلمها من النظام البائد على الأراضي السورية، والتي «يقوم الحزب بين الحين والآخر بمحاولة تهريبها إلى الأراضي اللبنانية حيث يوجد وينتشر».
أما الاتجاه الثاني فهو الانضواء تحت راية الحكومة اللبنانية بما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وتمكين الجيش اللبناني من القيام بمهامه، والانتشار على كامل الحدود السورية - اللبنانية. ورأى حوراني في إعلان الحزب قبوله الجلوس مع الحكومة السورية «دليل ضعف ومحاولة البقاء على قيد الحياة»، خاصة أنه يتم التحضير لضربة عسكرية ضد إيران، وقد طلب من ميليشياتها في العراق تسليم سلاحها، ويعاني الحزب من نقص إمداداته بسبب ضبط الحدود السورية - اللبنانية، والسورية - العراقية، وامتلاك الحكومة السورية أوراق التأثير ضد الحزب التي تزيد من إضعافه، كل ذلك «يجعل من قبول الحزب للمقاربة السورية موضع ترحيب وتعاون حتى لو قبل بها مرحلياً».
