قد يبدو نبات مزهر ينمو في شقوق الجبال كائنا بريئا بالنسبة لمعظم الحشرات، فلا تتوقع منه الغدر ولا الخيانة. لكن باحثين اكتشفوا أن هناك زهرة برية رقيقة تنمو في شقوق الجبال الصخرية بجنوب غرب الصين تجتذب فرائسها إلى شعيراتها اللزجة، ثم تهضم أجسادها وتمتص العناصر الغذائية منها.
وأصبحت هذه الزهرة التي تحمل الاسم العلمي (ساكسيفراجا كانديلابروم) أول نبات في مجموعته يتم التأكد من أنه آكل للحوم. وتنتمي الزهرة إلى مجموعة نباتية تسمى (ساكسيفراجاليس) وتضم أكثر من 2000 نوع.
ينمو هذا النبات على جدران صخرية فقيرة بالمغذيات في هضبة تشينغهاي-التبت وجبال هنجدوان في الصين، وتمتد مناطق انتشاره من وسط إقليم يونّان وشماله إلى جنوب غرب سيتشوان على ارتفاعات تتراوح بين 2500 و3300 متر. وتكسوه شعيرات لزجة ذات لون مائل إلى الحمرة تعمل على حبس الحشرات الصغيرة.

في العموم، تشتهر النباتات آكلة اللحوم بوجودها في المستنقعات والأراضي الرطبة، حيث تعتمد أنواع مثل نبات فينوس صائد الذباب ونبات الإبريق ونباتات ورد الشمس على اصطياد الفرائس لتعويض نقص المغذيات.
ولا يصنف النبات على أنه آكل للحوم لمجرد أنه يصطاد الحشرات، بل يجب أن يفعل ما هو أكثر من ذلك. يجب أن يمتص المغذيات من الحيوانات التي يصطادها، وأن يمتلك الأدوات الخاصة التي تساعده على جذب الفريسة وحبسها وهضمها والتغذي عليها.
في عام 1875، أشار عالم الطبيعة تشارلز داروين إلى أن نوعين أوروبيين من نبات ساكسيفراجا قد يكونان آكلين للحوم بعد أن لاحظ شعيراتهما اللزجة ووجود حشرات تقع ضحية لهما من حين لآخر، لكنه لم يتمكن أبدا من إثبات ذلك تجريبيا. والنبات الذي تمت دراسته مؤخرا هو نوع مختلف عن النوعين اللذين فحصهما داروين، لكنه يشترك معهما في نفس الهياكل المصممة لاصطياد الحشرات التي ألهمت فرضيته.
قال هانغ سون، أستاذ الأبحاث في معهد كونمينغ لعلم النبات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم وأحد قادة الدراسة المنشورة في مجلة نيتشر كوميونيكيشنز «أجرينا اختبارات متعددة على هذا النبات وتأكدنا أخيرا أنه نبات آكل للحشرات بالفعل». ولتحديد ما إذا كانت النبتة تتغذى فعليا على الحشرات، استخدم الباحثون ذباب فاكهة تربى على طعام يحتوي على شكل مستقر من النيتروجين.
وذكر سون «النيتروجين ضروري لنمو النباتات. تعيش معظم النباتات آكلة اللحوم في موائل فقيرة بالنيتروجين، وتحصل على النيتروجين عن طريق اصطياد الحشرات وهضمها». وبعد وضع الذباب على الشعيرات اللاصقة، تابع الباحثون حركة النيتروجين عبر النبات.
وقال عالم النباتات والمؤلف المشارك في الدراسة دوجلاس سولتيس من جامعة فلوريدا ومتحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي إن النيتروجين الذي تتبعوه «امتصه النبات في النهاية وسار في جميع أنسجة ذلك النبات. لن يحدث ذلك ما لم يكن هناك امتصاص».
مفتاح البقاء
لم تتوزع العناصر الغذائية الممتصة بالتساوي في جميع أنحاء النبات. بدلا من ذلك، وُجدت أعلى مستويات النيتروجين الممتص في أزهار نبات ساكسيفراجا كانديلابروم الذي يتكاثر مرة واحدة فقط خلال حياته.
وقال سولتيس «ربما يحتاجها من أجل التكاثر. الأزهار والبذور. التكاثر هو مفتاح البقاء». كما وجد الباحثون أدلة على أن النبات يجذب فرائسه بنشاط.
وأشارت تجارب ميدانية إلى أن الرائحة تلعب دورا مهما في جذب الحشرات إلى أزهاره، بينما كشفت الاختبارات عن نشاط إنزيمات هضمية في الشعيرات الشبيهة بالغدد، ما يوفر دليلا إضافيا على أن النبات قادر على هضم الحشرات التي يلتقطها.
