شهد تاريخ كرة القدم كثيراً من الأمثلة على نجاح التفكير غير التقليدي، ولكن خبر تقدم المفاوضات بين فينيسيوس جونيور وآرسنال بشأن الشروط الشخصية للاعب يُعدُّ مفاجأة كبيرة.
يعود فينيسيوس إلى ريال مدريد هذا الأسبوع بعد انتهاء فترة الراحة التي حصل عليها في أعقاب مشاركته مع منتخب بلاده في كأس العالم، ومن المتوقع اتخاذ قرار بشأن مستقبله قريباً. يتبقى له 12 شهراً في عقده، ويرغب ريال مدريد إما في تجديد عقده وإما في بيعه بمقابل مادي على الأقل.
ومع استمرار عملية إعادة بناء الفريق تحت قيادة المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو، يصبح موقف ريال مدريد مفهوماً تماماً. فقد ضمَّ النادي الملكي بالفعل برناردو سيلفا، ودينزل دومفريز، ومارك كوكوريا، وإبراهيما كوناتي هذا الصيف؛ كما أن إلغاء راتب فينيسيوس الأساسي البالغ 420 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً (نحو 30 مليون دولار سنوياً) سيحسن بشكل ملحوظ الموقف المالي للنادي.
منذ انضمام كيليان مبابي إلى ريال مدريد قبل عامين، ساد شعور بأن وجوده مع فينيسيوس في التشكيلة نفسها يجعل الفريق غير متوازن. فلماذا الحاجة إلى مهاجمين سريعين يفضلان التوغل من الجهة اليسرى؛ خصوصاً أن رودريغو، الذي كان يلعب عادة على الجهة اليمنى قبل إصابته بتمزق في الرباط الصليبي الأمامي في مارس (آذار) الماضي، يفضل أيضاً اللعب على الجهة اليسرى؟
ومن المرجح أن يؤكد يان ديوماندي انتقاله إلى ريال مدريد قادماً من لايبزيغ هذا الأسبوع. ورغم أن اللاعب الإيفواري صرَّح بأنه يفضل اللعب على الجهة اليمنى، فإنه قضى هو أيضاً معظم مسيرته الكروية على الجهة اليسرى.
بشكل عام، لا يبدو فينيسيوس لاعباً مناسباً لأسلوب مورينيو. صحيح أن سرعته ومهارته الفنية لا جدال فيهما، ولكنه لم يكن يوماً الأكثر التزاماً بواجباته الدفاعية. يُفضل مورينيو المهاجمين القادرين على الارتجال، وقد نجح في ذلك مع كريستيانو رونالدو في ريال مدريد، ولكن من الصعب تصور كيف يُمكنه الاعتماد على أكثر من لاعب من هذا النوع في الوقت نفسه. ومن الواضح أنه سيُعطى مبابي الأولوية. ولكن هذه المخاوف بشأن التغطية الدفاعية، والالتزام بخطة اللعب، والقدرة على الاستحواذ على الكرة، تُعدّ مهمة لأرتيتا تماماً كما هي مهمة لمورينيو؛ بل ربما أكثر أهمية؛ لأن أرتيتا يؤمن بالتخطيط الهجومي المنظم أكثر من مورينيو. فهل سيقبل فينيسيوس، بعد سنوات من الحرية في ريال مدريد، بهذه الأنظمة غير المرنة؟
كان من الواضح منذ النصف الثاني من الموسم الماضي أن آرسنال سيسعى لتعزيز مركز الجناح الأيسر. ولم يكن بيع لياندرو تروسارد إلى بشكتاش مفاجأة كبيرة. يُعتبر اللاعب البالغ من العمر 31 عاماً لاعباً جيداً ويمكن الثقة به، وقد لعب دوراً مهماً مع الفريق الموسم الماضي؛ حيث شارك أساسياً في 21 مباراة من أصل 38 في الدوري الإنجليزي الممتاز، ودخل بديلاً في 10 مباريات أخرى، ولكنه لا يتمتع بنجومية استثنائية. أما غابرييل مارتينيلي، فقد شارك أساسياً في 11 مباراة في الدوري، ودخل بديلاً في 19 مباراة، وسرعته تُعدُّ ميزة كبيرة، ولكن لم يعد من الواضح ما إذا كان يُقدِّم أفضل أداء له على الجهة اليسرى أم لا.

وبدا التعاقد مع إيبيريتشي إيزي الصيف الماضي محاولة لإضافة لمسة إبداعية من تلك الجهة، ولكن ميله إلى التوغل في العمق عندما يحتاج أرتيتا إلى بقاء جناحه الأيسر على الأطراف، جعله في نهاية الموسم يلعب غالباً في مركز خط الوسط خلف المهاجم الصريح.
سيمنح فينيسيوس آرسنال قوة هجومية كبيرة. فعندما كان النجم البرازيلي في أفضل حالاته تحت قيادة كارلو أنشيلوتي، كان قادراً على تغيير مجرى المباراة في ثوانٍ. يتميز فينيسيوس بالسرعة الفائقة والقدرة على المراوغة واستغلال أنصاف الفرص، وهو ما يعني أنه مهما بدت المباراة مملة، ومهما كان فريقه تحت الضغط، فإنه قد لا يحتاج إلى أكثر من 7 أو 8 ثوانٍ لإحراز هدف.
من السهل فهم سبب رغبة آرسنال في التعاقد معه. سيصبح فينيسيوس على الفور أبرز لاعبي «المدفعجية»، وهو ما سيضفي إيجابية كبيرة على صيف بدا -على الأقل من وجهة نظر التعاقدات الجديدة- وكأنه يشهد شيئاً من التخبط.
لقد فشل آرسنال في ضم مورغان روجرز الذي انتقل إلى تشيلسي، بينما يبدو جوليان ألفاريز، الذي يُناسب مركز الجناح الأيسر لآرسنال بشكلٍ أفضل، أقرب إلى برشلونة، إذا ما توفرت له السيولة المالية الكافية لإبرام الصفقة.
لكن حقيقة أن فينيسيوس لا يُناسب أسلوب آرسنال تماماً قد تكون جزءاً من جاذبية هذه الصفقة المحتملة، فقد تمكن مانشستر سيتي من الفوز بالثلاثية التاريخية في الموسم التالي لتعاقده مع إيرلينغ هالاند، رغم أن المهاجم النرويجي لم يكن يُشبه أسلوب جوسيب غوارديولا المعهود. فاللاعب الذي لا ينسجم تماماً مع الفريق، والذي يُخالف فلسفة اللعب العامة، يُمكنه أن يجعل الفريق قادراً على القيام بأشياء غير متوقعة من قبل المنافسين. كما أن هذا الاختلاف قد يشعل شرارة التطور في صفوف الفريق.
من الإنصاف القول إن هالاند يتمتع بشخصية مختلفة عن فينيسيوس، وبصفته مهاجماً صريحاً لم يكن هناك أي قلق من أن فشله في القيام بواجباته الدفاعية كما ينبغي سيترك الظهير خلفه مكشوفاً وعرضة للهجمات من قبل المنافس، على عكس الوضع مع فينيسيوس.
في الواقع، سيكون التعاقد مع فينيسيوس مخاطرة أكبر، وستكون الصفقة أكثر تكلفة بلا شك، ليس فقط من حيث راتبه؛ بل أيضاً من حيث تأثيره على رواتب بقية اللاعبين في النادي بشكل عام. ولكنه سيُضفي أيضاً حيوية يفتقدها آرسنال، وسيجعل الفريق يقدم كرة أكثر متعة وإبداعاً. كما أنه يتعين على آرسنال أن يسد الفراغ الذي تركه رحيل تروسارد.
* خدمة «الغارديان»
