غرفة التجارة الأوروبية: نتطلع إلى توسيع التجارة والاستثمار مع السعودية

غيدفيلاس لـ«الشرق الأوسط» أكد وجود شراكات جديدة واستثمارات أوروبية أعمق في المملكة

الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
TT

غرفة التجارة الأوروبية: نتطلع إلى توسيع التجارة والاستثمار مع السعودية

الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية بالسعودية كريستيوناس غيدفيلاس في إحدى المناسبات (الشرق الأوسط)

أكدت غرفة التجارة الأوروبية في السعودية (ECCKSA) أن العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والسعودية تتجه نحو مرحلة جديدة من التوسع، مدفوعة بشراكات جديدة، ودخول شركات أوروبية إضافية إلى سوق المملكة، إلى جانب تعميق الالتزامات الاستثمارية، في وقت تسعى فيه الغرفة إلى توسيع قاعدة الشركات الأوروبية العاملة في المملكة وزيادة حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة.

وقال الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية في السعودية، كريستيوناس غيدفيلاس إن هناك «زخماً حقيقياً يمكن البناء عليه، وهو ما يشير بوضوح إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى المملكة»، مشيراً إلى أن السنوات المقبلة مرشحة لأن تشهد تحولاً نوعياً في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وأضاف في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن الدورة العاشرة المرتقبة لمنتدى الأعمال بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، حال تأكيد انعقادها في الرياض، ستمثل محطة مهمة في ترسيخ الشراكة الاقتصادية، وتحويل الحوار السياسي رفيع المستوى فرصاً تجارية واستثمارية ملموسة للشركات الأوروبية.

تعميق الحوار المؤسسي

ولفت إلى أن سفير الاتحاد الأوروبي لدى السعودية، كريستوف فارنو، كان قد أشار في وقت سابق من العام الحالي إلى أن الاستثمارات الأوروبية في المملكة مرشحة لتحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة، خصوصاً في قطاعات الطاقة النظيفة، والمعادن والمواد الخام الأساسية، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي.

وأوضح غيدفيلاس أن هذه التوقعات تستند إلى استمرار تنفيذ مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، إلى جانب نضج اللجان القطاعية التابعة للغرفة، وتعميق الحوار المؤسسي مع الجهات السعودية والأوروبية، فضلاً عن انتقال مبادرات استراتيجية، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، من مرحلة التأسيس إلى مراحل تنفيذ أكثر اتساعاً.

وقال إن هذه التطورات ستقود إلى دخول مزيد من الشركات الأوروبية إلى السوق السعودية، وزيادة رؤوس الأموال المستثمرة، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات والشركات السعودية، مؤكداً أن دور غرفة التجارة الأوروبية يتمثل في تمكين أعضائها، من الشركات متعددة الجنسيات الكبرى إلى الشركات الجديدة، من الاستفادة من هذا النمو والمساهمة في دفعه.

وأضاف أن الغرفة، بعد أن أرست أسس عملها خلال العامين الأولين، أصبحت لاعباً مؤثراً في العلاقات الاقتصادية الثنائية، متوقعاً أن يتعاظم هذا الدور مع استمرار تطور الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة.

شراكات جديدة

وأشار غيدفيلاس إلى أن غرفة التجارة الأوروبية في السعودية تحولت خلال العامين الماضيين جسراً مؤسسياً يربط الحكومة السعودية بالقطاع الخاص الأوروبي، موضحاً أنها وفرت للجهات الحكومية السعودية قناةً أكثر تنظيماً وفاعلية للتواصل مع الشركات الأوروبية بشأن السياسات المؤثرة في التجارة والاستثمار وتطوير الأسواق.

وأوضح أن هذا الإطار المؤسسي بُني عبر لجان وفرق عمل متخصصة تشمل قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، والطاقة، والرعاية الصحية، إضافة إلى الجوانب القانونية والضريبية، بما يتيح حواراً منتظماً ومباشراً بين الشركات الأوروبية والسلطات السعودية والأوروبية.

وقال إن هذه الآلية أسهمت في تحويل الالتزامات والسياسات نتائجَ عملية، تمثلت في شراكات جديدة، ودخول شركات أوروبية جديدة إلى السوق السعودية، وتعميق الالتزامات الاستثمارية.

وأضاف أن الاجتماع السنوي العام للغرفة، الذي عُقد في مايو (أيار) 2026، شكّل خطوة مهمة في مسيرة نضجها المؤسسي، حيث جرى تعزيز مجلس الإدارة بانضمام شركات أوروبية رائدة جديدة، بما يعكس اتساع قاعدة الأعمال الأوروبية التي تمثلها الغرفة داخل المملكة.

وأكد أن الغرفة تعمل بالتوازي مع نمو عضويتها على توسيع نطاق عملياتها، بما يضمن تقديم قيمة مضافة أكبر للأعضاء، وإتاحة فرص الوصول إلى شريحة أوسع وأكثر تنوعاً من الشركات الأوروبية.

وأشار إلى أن افتتاح المقر الجديد للغرفة في الرياض خلال يونيو (حزيران) الماضي، بحضور مسؤولين من الاتحاد الأوروبي والحكومة السعودية، إلى جانب ممثلي سفارات الدول الأعضاء وشركاء الغرفة، يمثل محطة مهمة تؤكد التزام الغرفة طويل الأجل بدعم الشركات الأوروبية وتعزيز الحوار بين الحكومات وقطاع الأعمال.

وأضاف أن الشركات الأعضاء في الغرفة توظف اليوم أكثر من 25 ألف موظف في مختلف مناطق المملكة، في حين تضم السوق السعودية أكثر من 2500 شركة أوروبية، تمثل الشركات الأعضاء نسبة متزايدة منها.

وأوضح أن الغرفة بدأت بالفعل في توحيد هذه القاعدة الواسعة من الشركات تحت مظلة واحدة، مشيراً إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في توسيع قاعدة الشركات الأوروبية بما ينعكس على زيادة التجارة والاستثمارات المتبادلة، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الحكومة السعودية والقطاع الخاص.

كريستيوناس غيدفيلاس الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الأوروبية في السعودية (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

وحول مؤشرات العلاقات الاقتصادية، أوضح غيدفيلاس أن حجم التجارة في السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والسعودية بلغ خلال عام 2025 نحو 88.8 مليار يورو، في حين ارتفعت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى المملكة بنسبة 2.6 في المائة لتصل إلى 38 مليار يورو مقارنة بعام 2024.

وأضاف أن قراءة الاتجاهات طويلة الأجل تكشف عن نمو متوسط الصادرات الأوروبية إلى المملكة بمعدل سنوي يبلغ 11 في المائة منذ عام 2021، مقابل نمو الواردات بنسبة 7.8 في المائة؛ وهو ما يعكس استمرار تعمق العلاقات التجارية رغم التقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن الاستثمار يعكس صورة أكثر قوة من التجارة؛ إذ يمثل الاتحاد الأوروبي 29 في المائة من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية، ليظل أكبر مصدر لرؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة.

كما أوضح أن أكثر من ربع الشركات متعددة الجنسيات، التي أنشأت مقارها الإقليمية في السعودية، هي شركات أوروبية، من بين أكثر من 700 شركة عالمية، مؤكداً أن اختيار المملكة مقراً إقليمياً يمثل التزاماً طويل الأجل يتجاوز الاستثمار التجاري التقليدي، ويعكس تنامي مكانة السعودية بوصفها وجهة استراتيجية لرؤوس الأموال الأوروبية.

شراكة استراتيجية

وأكد غيدفيلاس أن العمل الجماعي للشركات الأوروبية تحت مظلة غرفة التجارة الأوروبية في السعودية يسهم في معالجة القضايا التنظيمية والمؤسسية التي تؤثر في أعمالها، بما يعزز كفاءة السوق ويقوي العلاقات مع المؤسسات والشركات السعودية، ويحفز تدفق الاستثمارات الأوروبية.

وقال إن الغرفة تعمل على مواءمة احتياجات الشركات الأوروبية مع أولويات المؤسسات السعودية والأوروبية، بما يضمن ترجمة التعاون السياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة على أرض الواقع.

وأوضح أن نجاح الغرفة يستند إلى عنصرين رئيسيين، أولهما سهولة الوصول إلى صناع القرار، حيث تبدي الحكومات السعودية والأوروبية انفتاحاً كبيراً على العمل مع جهة حوار منظمة وموثوقة تمثل القطاع الخاص الأوروبي.

أما العنصر الآخر، فهو القدرة على جمع مختلف الأطراف حول طاولة واحدة؛ إذ تنظم الغرفة حواراً مباشراً بين الشركات الأوروبية العاملة في المملكة والمؤسسات الأوروبية، بما يضمن وضع واقع الأعمال في السعودية في الحسبان عند صياغة السياسات الأوروبية، كما توفر للجهات السعودية منصةً موحدة للحصول على رؤية القطاع الصناعي الأوروبي بدلاً من التعامل مع كل شركة على حدة.

وأشار إلى أن غرفة التجارة الأوروبية في السعودية تُعدّ جزءاً من شبكة الأعمال الأوروبية العالمية (EBOWN)، التي تمثل مصالح الشركات الأوروبية في أكثر من 60 سوقاً خارج الاتحاد الأوروبي؛ وهو ما يسهم في تعزيز حضور المملكة ضمن خريطة التعاون الاقتصادي الإقليمي والعالمي.

وأضاف أن هذا الدور يجعل السعودية ليست مجرد شريك ثنائي للاتحاد الأوروبي، بل نقطة وصل رئيسية ضمن شبكة أعمال دولية أوسع.

وأوضح أن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يندرج ضمن استراتيجية «البوابة العالمية» للاتحاد الأوروبي، يجسد هذا التوجه؛ إذ يستهدف إنشاء شبكات جديدة لكابلات الكهرباء والاتصالات البحرية، وبنية تحتية للبيانات، وخطوط نقل الهيدروجين الأخضر، بما يعزز مكانة الخليج بوصفه مركزاً يربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، ويكرّس موقع السعودية محوراً رئيسياً في هذه الشبكة، مع ما يرافق ذلك من مكاسب في التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار الأجنبي المباشر.

وأشار إلى أن البرلمان الأوروبي اعتمد في ديسمبر (كانون الأول) 2025 قراراً بشأن العلاقات مع السعودية، أقر فيه بالدور الذي يؤديه مجلس التعاون الأوروبي - الخليجي في تعزيز هذا النوع من البنية التحتية، عادَّاً أن الجهود التي تبذلها الغرفة مع أعضائها في الرياض تسهم في رسم ملامح هذا المشروع الاستراتيجي.

وشدد غيدفيلاس بالتأكيد على دعم الغرفة للدورة العاشرة المقبلة لمنتدى الأعمال بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، معرباً عن أمله في عقدها في الرياض بعد استضافة الكويت للدورة السابقة، ومشيراً إلى أن المنتدى سيمثل، حال تأكيد انعقاده، محطة محورية في تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، وتحويل التفاهمات السياسية فرصاً تجارية واستثمارية حقيقية.


مقالات ذات صلة

«هيوماين» و«ميسترال إيه آي» الفرنسية تطوران نماذج ذكاء اصطناعي بالعربية

الاقتصاد ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (الشركة)

«هيوماين» و«ميسترال إيه آي» الفرنسية تطوران نماذج ذكاء اصطناعي بالعربية

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية وشركة «ميسترال إيه آي» الفرنسية، شراكة استراتيجية للتعاون في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)

تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الاستقبال الحار الذي هيأه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لضيفه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعكس بقوة العلاقة الخاصة التي تربطهما منذ عام 2017.

ميشال أبونجم (باريس)
يوميات الشرق من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي يشهدان مراسم تبادل «إعلان نوايا» بشأن تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين (واس)

السعودية وفرنسا تعمّقان الشراكة الدفاعية في تقنيات المستقبل

يعكس «إعلان نوايا» الذي أبرمته السعودية وفرنسا لتعزيز الشراكة الدفاعية عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وحرصهما على مواصلة تطوير التعاون الدفاعي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)

اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

ناقشت «اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية المشتركة بشأن العلا»، الاثنين، مسارات التعاون المستقبلية، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«وودسايد» تتخلى عن هدف الطاقة النظيفة… وتسجل ارتفاعاً في أرباح النصف الأول

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
TT

«وودسايد» تتخلى عن هدف الطاقة النظيفة… وتسجل ارتفاعاً في أرباح النصف الأول

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)

تخلت شركة «وودسايد» للطاقة عن هدف طويل الأجل لخفض الانبعاثات، وعن خطة إنفاق 5 مليارات دولار على الطاقة النظيفة بحلول عام 2030، للتركيز على أعمالها الأساسية في مجال النفط والغاز، وذلك بعد تسجيل ارتفاع في أرباح النصف الأول من العام بنسبة 7 في المائة.

وأعلنت ليز ويستكوت، الرئيسة التنفيذية للشركة الأسترالية، خلال مكالمة هاتفية لمناقشة الأرباح، الثلاثاء، أن الشركة ستجري مراجعة استراتيجية لأصولها في مجال الطاقة النظيفة، وتحديداً مشروع «بومونت نيو أمونيا» في تكساس، وذلك ضمن خططها لتركيز استثماراتها، وخفض التكاليف بمقدار 350 مليون دولار بدءاً من عام 2028.

وأوضحت أن الشركة تسير على المسار الصحيح لتحقيق هدفها المتمثل في خفض الانبعاثات بحلول عام 2030، وأنها ستحافظ على التزامها بخفض انبعاثاتها المباشرة، إلا أنها ستخفض هدف «النطاق 3» الذي يغطي الانبعاثات الناتجة عن استخدام منتجاتها. وقالت ويستكوت: «لقد وُضعت هذه الأهداف في سياق سوقي مختلف».

وأوضحت ويستكوت، وفقاً لـ«رويترز»، أن شركتها حاولت، دون جدوى، جعل استثمارات الطاقة النظيفة مجدية اقتصادياً.

وأضافت، في إشارة إلى مشروع الهيدروجين الأخضر في أوكلاهوما الذي أُلغي في عام 2025: «لقد استثمرنا في الولايات المتحدة، لكن لم يكن هناك عملاء يدعمون هذا المشروع... نحن نراقب السوق، ولا نرى أي فرصة لاستثمار مبلغ 5 مليارات دولار بحلول عام 2030».

جاءت تصريحاتها بعد أن أعلنت «وودسايد» عن ارتفاع صافي أرباحها الأساسية بعد الضريبة بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 1.33 مليار دولار في الأشهر الستة المنتهية في 30 يونيو (حزيران)، متجاوزةً بذلك توقعات المحللين في شركة «فيزيبل ألفا» البالغة 1.32 مليار دولار.

وأضافت «وودسايد» أنها تتوقع تحقيق المزيد من المكاسب التجارية بعد إعادة توجيه الشحنات إلى أسواق ذات أسعار أفضل خلال أزمة الشرق الأوسط، وذلك بعد أن أعلنت عن ارتفاع متوسط ​​سعر بيعها إلى 74 دولاراً للبرميل المكافئ للنفط في النصف الأول من العام، مقارنةً بـ61.70 دولار في العام السابق.

وأعلنت الشركة عن توزيع أرباح مرحلية بقيمة 57 سنتاً للسهم، مقارنةً بـ53 سنتاً في العام الماضي.

وأبقت وودسايد على توقعاتها لإنتاج عام 2026 عند مستوى يتراوح بين 174 و185 مليون برميل من المكافئ النفطي، بعد أن خفضتها في يوليو (تموز)، وأكدت مجدداً توجيهاتها بشأن الإنفاق الرأسمالي لعام 2026 عند مستوى يتراوح بين 4 و4.5 مليار دولار.

لم تعد الطاقة النظيفة محور اهتمام «وودسايد»

كانت خطط الإنفاق على الطاقة النظيفة قد وُضعت من قبل سلفها، ميغ أونيل، في عام 2021، عندما كانت تحت ضغط المستثمرين لتقديم شركة أكثر مراعاةً للبيئة قادرة على الصمود أمام التحول في قطاع الطاقة.

وقبل عامين رُفضت خطة عمل «وودسايد» للتحول المناخي (CTAP) بنسبة 57.8 في المائة في اجتماعها السنوي، حيث رأى المساهمون أن الشركة لا تبذل جهوداً كافية لخفض الانبعاثات. وبعد ذلك بوقت قصير اشترت الشركة أصول «بومونت للأمونيا الجديدة» مقابل 2.35 مليار دولار.

ومنذ ذلك الحين خفضت شركات النفط الكبرى، بما في ذلك شركة «بي بي»، (التي يعمل بها أونيل الآن) وشركة «شل»، إنفاقها على مصادر الطاقة المتجددة.

وأدت حرب إيران أيضاً إلى زيادة التركيز على أمن الطاقة، بعد أن أدى إغلاق مضيق هرمز إلى انخفاض إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم بنسبة 20 في المائة، وارتفاع الأسعار. وقد حقق ذلك مكاسب طائلة لشركات مثل «وودسايد»، التي ستظل محفظتها من الغاز الطبيعي المسال مرتبطة بنسبة 75 في المائة بأسعار النفط حتى عام 2028.

وانخفضت أسهم «وودسايد إنرجي» بنسبة 1 في المائة لتصل إلى 33.45 دولار أسترالي للسهم بحلول الساعة 03:08 بتوقيت غرينتش، بعد انتعاش سابق في السوق، بينما ارتفع مؤشر S&P/ASX 200 القياسي بنسبة 3.57 في المائة.


روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير السولار حتى سبتمبر

سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
TT

روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير السولار حتى سبتمبر

سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)
سيارات تصطف للتزود بالوقود في محطة بمدينة روستوف-أون-دون الروسية (رويترز)

تعتزم روسيا تمديد حظر تصدير السولار حتى نهاية سبتمبر (أيلول)، في ظل استمرار نقص الوقود في السوق المحلية وتعطل عدد من المصافي جراء هجمات متكررة شنتها طائرات مسيرة أوكرانية. حسبما نقلت «رويترز» عن مصادر في قطاع النفط، الثلاثاء.

وقال أحد المصادر إن تمديد الحظر حتى نهاية العام لا يزال قيد الدراسة.

وفرضت روسيا الحظر خلال الفترة من الثامن إلى 31 يوليو (تموز) ضمن حزمة أوسع من الإجراءات الرامية إلى دعم سوق الوقود المحلية، قبل أن تمدده في وقت لاحق لمنتجي الوقود حتى 31 أغسطس (آب).

وحظرت روسيا أيضاً تصدير السولار للجهات غير المنتجة إلى جانب بنزين السيارات حتى 31 يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، ووقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

ومع ذلك، عاد نقص الوقود إلى الظهور في بعض المناطق خلال أغسطس، بعد انفراجة مؤقتة في أواخر يوليو عندما بدأت السلطات المحلية رفع القيود تدريجياً أو تخفيفها.

وقال أحد المصادر في السوق إن حظر تصدير السولار قد يخضع للمراجعة تبعاً لزيادة الإنتاج، مع انتهاء المصافي الروسية من أعمال الصيانة غير المجدولة التي فُرضت عليها عقب الهجمات.

وقال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، الأسبوع الماضي إن الحكومة لم تقرر بعد ما إذا كانت سترفع الحظر، مضيفاً أنه لا يوجد نقص في السولار في السوق المحلية.

وذكر نوفاك أن عدة مصافي أكملت أعمال الصيانة واستأنفت توريد كميات إضافية من الوقود.


«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

TT

«الإقصاء الاقتصادي» يبدأ من إيران... وصداه يمتد من «هرمز» إلى الأسواق العالمية

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)
سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

لم تعد العقوبات الأميركية الجديدة على إيران مجرد جولة إضافية من الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً تداعيات الحرب، وتراجع التجارة، وانهيار العملة، بل تدخل واشنطن مرحلةً تسعى فيها إلى إعادة رسم شبكة العلاقات التجارية والمالية التي تسمح لطهران بالبقاء على اتصال بالاقتصاد العالمي. ومع توسيع العقوبات لتشمل الشحن، والطيران، والتكنولوجيا، والذهب، والأصول الرقمية، ورفع مخاطر العقوبات الثانوية على الأطراف التي تواصل التعامل مع إيران، باتت الأسواق تراقب ليس فقط ما ستخسره طهران، بل ما إذا كان هذا الضغط سيولِّد صدمةً جديدةً في الطاقة والشحن والتأمين والتضخم العالمي.

وتأتي هذه الحملة في وقت تتقاطع فيه 3 مسارات شديدة الحساسية للأسواق: الحرب واضطراب الملاحة في مضيق «هرمز»، وتشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، ومحاولة وزارة الخزانة الأميركية في الوقت نفسه تهدئة سوق السندات طويلة الأجل. ولذلك فإنَّ التأثير النهائي للعقوبات لن يتحدَّد بحجم قائمة الأسماء والكيانات المستهدَفة وحدها، وإنما بمدى قدرة واشنطن على تحويل التهديد بالعقوبات الثانوية إلى إجراءات فعلية تطال مؤسسات مالية وتجارية كبيرة.

العقوبات تنتقل من إيران إلى شركائها

أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترمب ما سمّته «عملية الإقصاء الاقتصادي»؛ بهدف قطع القنوات التي ما زالت تتيح لإيران الحصول على الإيرادات والتمويل والتجارة الخارجية.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أنَّ الحملة تستهدف ما وصفها بـ«أهم شرايين الحياة» التي تستخدمها إيران خارج حدودها، وتشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، إلى جانب توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الجهات التي تواصل التعامل مع النظام الإيراني. كما شملت الإجراءات الجديدة عشرات الأفراد والكيانات والسفن.

لكن أهمية الخطوة لا تكمن في العقوبات المباشرة وحدها، وإنما في محاولة واشنطن نقل تكلفة التعامل مع إيران إلى أطراف ثالثة. فالشركة أو البنك أو شركة الشحن التي قد لا تكون إيرانيةً يمكن أن تجد نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين استمرار نشاطها مع طهران، أو الحفاظ على قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وهنا تبدأ العقوبات في التَّحوُّل من أداة موجَّهة إلى دولة بعينها إلى آلية ضغط تمتد عبر شبكة التجارة العالمية. وهذا هو الجانب الذي يراقبه المستثمرون من كثب: هل ستكتفي واشنطن بالتحذير، أم ستبدأ فعلاً في معاقبة مؤسسات كبيرة ذات انكشاف دولي؟.

الاختبار الحقيقي للتصعيد

قد تكون الخطوة الأهم في الأيام المقبلة خارج قائمة العقوبات التي أُعلنت بالفعل. فإذا نفَّذت وزارة الخزانة تهديدها باتخاذ إجراء ضد مؤسسة مالية كبيرة ذات انكشاف دولي، فسيكون ذلك مؤشراً على انتقال الحملة إلى مستوى أكثر خطورة، لأنَّ استهداف بنك كبير يمكن أن يفرض على مؤسسات أخرى إعادة تقييم تعاملاتها مع إيران بسرعة.

أما إذا اقتصر الإجراء على وسيط مالي صغير أو جهة محدودة الانكشاف، فقد يعني ذلك أن واشنطن ما زالت حذرة من التكلفة المالية الأوسع التي قد تنتج عن ضرب مؤسسة ذات أهمية للنظام المالي العالمي.

ومن ثم، فإنَّ السؤال الذي يهمُّ الأسواق لم يعد فقط: كم عدد الأفراد والسفن والكيانات التي عوقبت؟ بل: مَن سيكون الهدف المالي التالي؟

هذه النقطة قد تكون أكثر أهميةً في تحديد رد فعل الأسواق من الإعلان الحالي نفسه؛ لأنَّ العقوبات المعلنة حتى الآن، رغم اتساعها، لم تصل إلى أقصى مستوى كانت الأسواق قد تهيأت له. وتشير تقارير إلى أنَّ واشنطن لم تفرض بعد عقوبات واسعة على مؤسسات مالية صينية كبرى مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد إضافي.

سائقون يصطفون في طابور أمام محطة وقود بطهران (أ.ف.ب)

العقوبات تلامس عنق الزجاجة العالمي

إذا كان القطاع المالي يمثل قناة انتقال العقوبات إلى الأسواق، فإن مضيق «هرمز» يمثل القناة المادية الأخطر. فقد حذَّرت وزارة الخزانة الأميركية مُلّاك السفن وشركات الشحن من أنَّ الاستجابة لطلبات معلومات من جهات إيرانية مرتبطة بالمضيق قد تعرِّضهم للعقوبات أو الغرامات الأميركية، حتى إذا لم تتضمَّن العملية أي مدفوعات مالية.

كما سبق لواشنطن أن حذرت من أن دفع رسوم إيرانية مقابل المرور عبر المضيق يمكن أن يُشكِّل انتهاكاً للعقوبات.

وهكذا تجد شركات الملاحة نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: التعامل مع الجهات الإيرانية قد يعرّضها للعقوبات الأميركية، بينما يؤدي تجنب التعامل معها أو الامتناع عن استخدام بعض مسارات الملاحة إلى زيادة تكاليف التشغيل والمخاطر اللوجيستية.

وتراجعت حركة العبور في المضيق بصورة حادة خلال الأزمة، في وقت هدَّدت فيه إيران باتخاذ إجراءات ضد عشرات السفن التي تقول إنها خالفت قواعد العبور. وتشير تقارير إلى أن طهران وضعت عشرات الناقلات على قائمة معرضة للغرامات أو الاحتجاز أو المصادرة.

وهنا يظهر أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة للأسواق: إذا احتجزت إيران أو صادرت إحدى السفن المدرجة على القائمة، فقد تقفز علاوة المخاطر البحرية بسرعة، حتى لو لم تتراجع صادرات النفط العالمية بالقدر نفسه. فالأسواق لا تسعر النفط فقط؛ إنها تسعر أيضاً احتمال عدم وصوله.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال مؤتمره الصحافي لإعلان تشديد العقوبات على إيران (رويترز)

النفط لا يعكس وحده حجم الصدمة

قد يكون سعر النفط المؤشر الأكثر وضوحاً لتداعيات التصعيد، لكنه لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للصدمة التي يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي. فحتى إذا بقي سعر الخام مستقراً نسبياً، فإن ارتفاع المخاطر الأمنية قد يدفع أقساط التأمين على السفن إلى الصعود، أو يجبر شركات النقل على تغيير مساراتها، أو يؤدي إلى تأخر الناقلات، ما يرفع تكلفة نقل الطاقة والسلع.

ومن ثم، قد تنتقل تداعيات الأزمة من سعر البرميل إلى تكلفة الرحلة، ومنها إلى أسعار المنتجات النهائية. ولا يحتاج الوقود إلى تسجيل قفزة كبيرة حتى ترتفع تكاليف تذاكر الطيران والشحن، كما يمكن لزيادة تكلفة نقل المواد الأولية أن تضيف ضغوطاً إلى تكاليف الإنتاج والتوزيع.

وتكمن الخطورة في أنَّ هذه الزيادات قد تتراكم عبر سلسلة الإمداد، لتصل في النهاية إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى، بما يعيد إشعال الضغوط التضخمية.

لماذا تراجعت أسعار النفط رغم التصعيد؟

ومع ذلك، فإنَّ حركة النفط بعد إعلان العقوبات أظهرت أن الأسواق لم تتعامل معها بوصفها صدمةً فوريةً في الإمدادات. فقد تراجعت الأسعار في التعاملات الأميركية الثلاثاء، مع هبوط خام برنت بأكثر من 3 في المائة إلى نحو 89 دولاراً للبرميل.

ولا يعني ذلك أنَّ الأسواق تجاهلت مخاطر العقوبات أو اضطراب الملاحة، بل يعكس موازنة المستثمرين بين عوامل عدة في الوقت نفسه: احتمال تراجع صادرات النفط الإيرانية وتشدد القيود على حركة الملاحة من جهة، واحتمال أن يدفع تصاعد الضغط الاقتصادي أطراف الحرب نحو التفاوض والتهدئة من جهة أخرى، فضلاً عن استمرار تأثير توقعات الطلب العالمي في اتجاه الأسعار.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة تراجع النفط بوصفه غياباً للمخاطر، بل بوصفه مؤشراً إلى أن السوق لم ترَ بعد في الإجراءات المعلنة صدمةً فوريةً وكبيرةً في الإمدادات. وهذه المعادلة يمكن أن تتغيَّر سريعاً إذا انتقلت واشنطن إلى إجراءات أشد، أو إذا تعرَّضت حركة الناقلات أو صادرات الخام لاضطراب فعلي.

لا يكفي النظر إلى الشحنات التي تصل إلى الصين

يبقى النفط الحلقة الأولى والأسرع في انتقال الأزمة إلى الاقتصاد العالمي. وتشتري الصين الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، لكن قراءة تأثير العقوبات من خلال حجم الشحنات التي تصل إلى الموانئ الصينية فقط قد تكون مضللة؛ فالشحنات التي تصل اليوم قد تكون قد غادرت إيران قبل أسابيع، وبالتالي فهي تعكس نشاطاً سابقاً أكثر مما تعكس قدرة طهران الحالية على تجاوز القيود.

ولهذا، فإنَّ المؤشر الأكثر أهميةً في المرحلة المقبلة هو حجم النفط الإيراني الذي يتمكَّن من الخروج من البلاد فعلياً بعد تشديد العقوبات والحصار البحري.

فإذا استمرَّت الصادرات في التدفق عبر مسارات بديلة، واستخدمت طهران وشركاؤها أساليب جديدة للالتفاف على العقوبات، فقد يكون أثر الإجراءات على المعروض العالمي محدوداً في المدى القصير. أما إذا بدأت الصادرات الفعلية في الانخفاض، بالتزامن مع تراجع قدرة شركات الشحن والتأمين على التعامل مع النفط الإيراني، فسيصبح الضغط أكبر على سوق الخام.

وهنا لا تحتاج السوق إلى فقدان كميات ضخمة حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تزداد حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات المستقبلية حتى ترتفع علاوة المخاطر الجيوسياسية.

إيرانيون يتسوقون في سوق بطهران (إ.ب.أ)

الريال الإيراني... مقياس الضغط من الداخل

وفي الداخل الإيراني، ظهر أحد أوضح مؤشرات الضغط في سوق العملة. فقد هبط الريال إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار في السوق المفتوحة يوم الاثنين، مع اتساع المخاوف من تأثير العقوبات الجديدة والحرب على الاقتصاد الإيراني.

ومن هنا يصبح استقرار الريال عند مستوى مليونَي ريال للدولار أو دخوله نطاقاً جديداً أعلى من ذلك أحد المؤشرات المهمة التي ينبغي مراقبتها. فانخفاض العملة لا يضغط فقط على قدرة إيران على الاستيراد، بل يرفع تكلفة السلع والمواد الخام، ويزيد التضخم، ويضعف القوة الشرائية للأسر، ويجعل تمويل التجارة الخارجية أكثر صعوبة. وبالتالي، فإنَّ مسار الريال قد يكون مؤشراً أسرع على مدى انتقال العقوبات إلى الاقتصاد الإيراني من حجم العقوبات المعلنة نفسها.

الملاذ الذي يستفيد من التصعيد

في المقابل، تتلقى سوق الذهب دعماً من ارتفاع مستوى عدم اليقين. فقد ارتفع الذهب بنحو 0.8 في المائة بعد إعلان العقوبات إلى 4639.49 دولار للأوقية، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف مايو (أيار)، مع توجُّه المستثمرين إلى الأصول التي ينظر إليها بوصفها أدوات تحوط في فترات التوتر الجيوسياسي.

وهنا تتحرَّك العقوبات في اتجاهين متعاكسين: فهي تضغط على إيران عبر استهداف إحدى قنوات التمويل التي تعتمد عليها، بينما يؤدي التصعيد نفسه إلى زيادة الطلب العالمي على الذهب بوصفه ملاذاً آمناً.

وبالتالي، فإنَّ استمرار الأزمة قد يعني بقاء الذهب مدعوماً حتى في فترات تراجع النفط، لأنَّ العاملَين لا يتحرَّكان دائماً في الاتجاه نفسه.

صدمة التضخم تصطدم بمشكلة الدين

وفي سوق السندات، تأتي التطورات الإيرانية فوق سوق تعاني أصلاً ضغوطاً مرتبطة بالعجز المالي والتضخم وتكاليف الاقتراض. واستقرَّ عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات قرب 4.701 في المائة، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً نحو 5.229 في المائة في التعاملات الأوروبية المبكرة الثلاثاء.

وتكتسب هذه المستويات أهميةً خاصةً لأنَّ أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يمكن أن يُعقِّد مهمة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في خفض التضخم، بينما تبقى وزارة الخزانة الأميركية مطالبة بإدارة عبء الاقتراض المرتفع.

وفي المقابل، رفعت الخزانة الأميركية حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، مقارنة بسقف سابق بلغ مليارَي دولار، على أن يبدأ تطبيق الحجم الجديد في سبتمبر (أيلول).

وبذلك تواجه الأسواق معادلة معقدة: التصعيد الجيوسياسي قد يرفع التضخم وأسعار الطاقة، في حين تحاول «الخزانة» تخفيف الضغوط على الطرف الطويل من منحنى العائد. وإذا استمر التضخم مرتفعاً، تصبح مهمة خفض العوائد أكثر صعوبة، لأنَّ المستثمرين سيطالبون بعائد أعلى للتعويض عن مخاطر التضخم والاقتراض الحكومي.

هل تستطيع إيران تجاوز الحصار؟

لا يزال الاختبار الحقيقي للعقوبات في قدرتها على منع إيران من الالتفاف عليها. فعلى مدى عقود، طوَّرت طهران وشبكاتها التجارية أساليب متعددة للتعامل مع القيود الأميركية، من شركات وسيطة وأساطيل ظل، إلى ترتيبات مالية وتجارية خارج القنوات التقليدية.

لكن البيئة الحالية تختلف عن جولات العقوبات السابقة، لأن الضغط الاقتصادي يأتي متزامناً مع الحرب، والحصار البحري، وتراجع حركة التجارة، وانخفاض قيمة العملة.

ولهذا قد لا يكون السؤال: هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟ بل: بأي تكلفة تستطيع تجاوزها؟

فحتى إذا تمكَّنت طهران من مواصلة تصدير جزء من نفطها، فإنَّ ارتفاع تكلفة النقل والتمويل والتأمين والوساطة والخصومات المطلوبة من المشترين يمكن أن يقلص العائد الصافي الذي تحصل عليه.

السيناريو الأخطر

ومن هنا تبرز نقطة مهمة في قراءة التطورات المقبلة. فالإعلان الحالي، رغم اتساعه، ليس بالضرورة الصدمة القصوى التي كانت الأسواق تستعد لها. لكن ذلك لا يعني أن الضغط الاقتصادي على إيران يتراجع. فالاقتصاد الإيراني يتعرَّض في الوقت نفسه لضغوط متراكمة: تراجع الصادرات، وضعف الواردات، وانخفاض العملة، وارتفاع التضخم، واضطراب حركة الملاحة، وازدياد صعوبة الوصول إلى التمويل الدولي.

ولهذا فإنَّ السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لطهران قد لا يكون صدور عقوبة واحدة ضخمة، بل بناء منظومة تنفيذ تدريجية تصبح فيها تكلفة كل معاملة مع إيران أعلى من سابقتها. وفي الوقت الذي يمكن أن تعود فيه طرق التجارة والطاقة إلى العمل بصورة طبيعية بالنسبة إلى منافسي إيران، قد تجد طهران نفسها أكثر عزلة عن أسواق النفط والتمويل الدولي.

4 مؤشرات تحدد اتجاه الأسواق

وفي المرحلة المقبلة، ستكون هناك 4 مؤشرات أكثر أهمية من مجرد عدد العقوبات الجديدة:

أولاً، المؤسسة المالية المستهدفة: إذا انتقلت واشنطن إلى معاقبة بنك كبير ذي انكشاف دولي، فسيكون ذلك تصعيداً نوعياً يمكن أن يدفع مؤسسات أخرى إلى تقليص تعاملاتها مع إيران.

ثانياً، مسار الريال: استقرار العملة حول مستوى مليونَي ريال للدولار سيكون مختلفاً تماماً عن دخولها نطاقاً جديداً أعلى من ذلك، لأن استمرار الانخفاض سيعني انتقال العقوبات والحرب بصورة أعمق إلى الاقتصاد المحلي.

ثالثاً، النفط الإيراني الذي يخرج فعلياً من البلاد: لا تكفي مراقبة الشحنات التي تصل إلى الصين، بل ينبغي متابعة الصادرات الجديدة، وقدرة إيران على تجاوز القيود البحرية والمالية.

رابعاً، مصير السفن المدرجة على القائمة الإيرانية: أي احتجاز أو مصادرة لناقلة من السفن المستهدفة يمكن أن يرفع المخاطر البحرية بصورة حادة، ويجعل شركات الشحن أكثر ميلاً إلى تجنب المنطقة أو رفع تكلفة التأمين.

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في السوق الكبيرة بطهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

أين تكمن نقطة التحول؟

في النهاية، لا تعمل العقوبات في فراغ. فهي تأتي في سوق طاقة تعاني بالفعل اضطرابات، وفي ممر بحري استراتيجي تراجعت حركة العبور فيه بشدة، وفي اقتصاد عالمي لا يزال حساساً تجاه التضخم، وفي سوق سندات أميركية تحاول وزارة الخزانة تهدئة عوائدها طويلة الأجل. ولهذا فإنَّ الخطر على الأسواق العالمية لا يكمن في العقوبات وحدها، بل في تفاعلها مع الحرب ومضيق «هرمز» وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

وإذا بقيت صادرات النفط الإيرانية قادرةً على تجاوز القيود، ولم تتعرَّض السفن لمزيد من الاحتجاز، وظهرت مؤشرات على تهدئة الحرب، فقد تتمكَّن الأسواق من استيعاب الإجراءات الجديدة. أما إذا تزامن تشديد العقوبات مع انخفاض فعلي في صادرات النفط، وتصعيد في المضيق، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع أكبر للريال، فستتحوَّل الأزمة من ضغط اقتصادي على إيران إلى صدمة أوسع في الأسواق العالمية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: لم يعد نجاح الحملة الأميركية يقاس فقط بمدى خنق الاقتصاد الإيراني، بل بقدرة واشنطن على زيادة الضغط من دون إشعال صدمة أكبر في الاقتصاد العالمي.