تحولت مدينة جدة إلى منصة عالمية للعقول الشابة مع انطلاق النسخة الثالثة من أولمبياد العلوم النووية الدولي (INSO 2026)، الذي تستضيفه المملكة للمرة الأولى، بمشاركة 120 طالباً ومتخصصاً يمثلون 19 دولة، في حدث يعكس توجه المملكة نحو تعزيز حضورها في المشهد العلمي الدولي، وبناء الكفاءات الوطنية في أحد أكثر التخصصات ارتباطاً بمستقبل التنمية.
ويعد أولمبياد العلوم النووية الدولي أبرز منافسة عالمية لطلاب المرحلة الثانوية في هذا المجال، ويُنظم تحت رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، بالشراكة مع وزارة التعليم، ومؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»، وجامعة الملك عبد العزيز، ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، ويهدف إلى تعزيز التميز العلمي والتعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للعلوم والتقنيات النووية.
وأكد وزير التعليم يوسف البنيان، خلال افتتاح الأولمبياد، أن استضافة المملكة لهذا الحدث العالمي تجسد الدعم الذي توليه القيادة السعودية لقطاعات التعليم والبحث والابتكار، وتعد ترجمةً لمستهدفات «رؤية السعودية 2030» وبرنامج تنمية القدرات البشرية، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز مكانة المملكة بوصفها وجهةً عالمية للمعرفة، واستضافة المنافسات العلمية الكبرى.
وأوضح أن الأولمبياد، المعتمد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ عام 2024، يجمع نخبة من الطلبة والمتخصصين ليكون منصة عالمية لتبادل الخبرات، وإلهام جيل جديد من العلماء القادرين على تطوير حلول وابتكارات في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والأمن النووي، والتقنيات النووية.
من جانبه، أكد نائب المدير العام ورئيس إدارة التعاون التقني في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هوا ليو، أن النسخة الثالثة تمثل محطة مهمة في تطور الأولمبياد ليصبح منصة دولية لإعداد الجيل المقبل من المتخصصين في العلوم النووية، مشيراً إلى أن التطبيقات السلمية لهذه العلوم أصبحت عنصراً أساسياً في تشخيص الأمراض وعلاج السرطان، وتحسين الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، وحماية البيئة، وتعزيز الصناعة، وإنتاج الطاقة منخفضة الانبعاثات.
وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قال رئيس اللجنة العلمية لاستضافة أولمبياد العلوم النووية الدولي، الدكتور أنس الوافي، إن استضافة المملكة لهذه النسخة تعكس ما يحظى به التعليم والبحث العلمي وبناء القدرات الوطنية من اهتمام ودعم من القيادة، مشيراً إلى أن صدور الموافقة السامية على استضافة الأولمبياد يؤكد المكانة التي يحتلها العلم والابتكار في مسيرة التنمية الوطنية.
وأوضح الوافي أن اللجنة العلمية تضم نخبة من الخبراء المحليين من جامعة الملك عبد العزيز، وعدة جهات حكومية وجامعات سعودية، إلى جانب خبراء دوليين من جامعات ومراكز أبحاث متخصصة في العلوم والتقنيات النووية، بما يضمن إعداد الاختبارات وتحكيمها وفق أعلى المعايير الدولية، ويعزز العدالة والشفافية في جميع مراحل المنافسة.
وأضاف أن اختبارات الأولمبياد صُممت لقياس التفكير العلمي وليس الحفظ، موضحاً أن العلوم النووية بطبيعتها مجال متعدد التخصصات يجمع الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة وعلوم الحاسب، ولذلك تعتمد المنافسة على قدرة الطالب على توظيف معارفه من أكثر من مجال لحل مشكلات علمية واقعية، لا على استرجاع المعلومات النظرية.
وأشار إلى أن الأسئلة تحاكي تطبيقات حقيقية في مجالات الطاقة النووية، والطب النووي، والبيئة، والصناعة، مؤكداً أن الطالب القادر على التفوق «ليس من يحفظ أكبر قدر من المعلومات، بل من يمتلك الفضول العلمي، والقدرة على التفكير المنطقي، وتحويل المعرفة الأساسية إلى حلول عملية»، وهي المهارات التي ستقود مستقبل العلوم والتقنيات النووية.
وكشف الوافي أن أثر الأولمبياد يمتد إلى ما بعد إعلان النتائج، مستشهداً بتجربة طالب سعودي شارك في النسخة السابقة ولم يحقق ميدالية، إلا أن مشاركته شكلت نقطة تحول في مسيرته العلمية، إذ يدرس اليوم الهندسة النووية في إحدى أفضل الجامعات في الولايات المتحدة. وقال إن النجاح الحقيقي للأولمبياد «لا يقاس بعدد الميداليات، وإنما بالأثر الذي يتركه في مستقبل الطلبة»، لافتاً إلى أن اللجنة الدولية تحرص على استمرار التواصل بين المشاركين عبر فعاليات وأنشطة تجمع خريجي النسخ السابقة بالمشاركين الجدد، بما يسهم في بناء مجتمع علمي دولي يتبادل الخبرات ويشجع التعاون بين الشباب.
وأكد أن اختيار جامعة الملك عبد العزيز لاستضافة الأولمبياد يستند إلى إرث علمي يمتد لأكثر من 50 عاماً، إذ يحتضن قسم الهندسة النووية فيها أول قسم متخصص في هذا المجال على مستوى المنطقة، وقد أسهم خلال مسيرته في إعداد كفاءات وطنية متميزة، وتطوير خبرات أكاديمية وبحثية متخصصة، إلى جانب امتلاكه معامل نوعية تدعم التعليم والتدريب والبحث العلمي في مجالات الهندسة والتقنيات النووية.
وأضاف أن المملكة تسعى من خلال استضافة هذه النسخة إلى التأكيد على أنها لا تمتلك فقط القدرة التنظيمية لاستضافة الفعاليات العالمية، بل تمتلك أيضاً قاعدة علمية وكفاءات وطنية قادرة على قيادة الجانب العلمي لحدث دولي متخصص بهذا المستوى، وهو ما يعكس نضج الجامعات والمؤسسات السعودية وقدرتها على التكامل مع الخبرات الدولية.
وربط الوافي استضافة الأولمبياد بمستهدفات «رؤية السعودية 2030» والمشروع الوطني للطاقة الذرية، مشيراً إلى أن الحدث يمثل أحد المسارات الداعمة لبناء القدرات البشرية وإعداد جيل من العلماء والمهندسين والباحثين القادرين على الإسهام في مستقبل الاستخدامات السلمية للطاقة والتقنيات النووية، كما يعزز حضور المملكة داخل المجتمع العلمي الدولي، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات المتخصصة، وبناء شراكات علمية مستدامة.
وأكد أن العلوم النووية لم تعد ترتبط بإنتاج الطاقة فقط، بل أصبحت تدخل في مجالات الطب، والزراعة، والصناعة، والبيئة، وحتى حماية التراث والآثار، وهو ما انعكس على تصميم أسئلة الأولمبياد التي تستند إلى تطبيقات واقعية، بهدف تعريف الطلبة منذ المرحلة الثانوية بأن هذا التخصص يمثل منظومة علمية متكاملة تخدم الإنسان والتنمية المستدامة.
ويتضمن الأولمبياد اختبارات نظرية وعملية تُقيَّم وفق معايير علمية دولية، إلى جانب برامج ثقافية وزيارات علمية، في وقت تواصل فيه المملكة توسيع حضورها في استضافة الأولمبياد الدولية، بعد نجاحها في استضافة أولمبياد الكيمياء الدولي عام 2024، وأولمبياد الفيزياء الآسيوي عام 2025، لتضيف أولمبياد العلوم النووية إلى سلسلة الفعاليات العلمية التي تعكس تنامي دورها في بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التعاون العلمي الدولي.
