«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

إبراهيم داود يهدي ديوانه لكوكبة من المبدعين الراحلين

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة
TT

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

«على مقام الصبا»... مرثية للأيام الرحبة

يفتتح الشاعر المصري إبراهيم داود ديوانه الأحدث «على مقام الصبا» بإهداء لافت، يقول فيه: «إلى أصدقاء الأيام الرحبة»، ثم يذكر أسماء مجموعة من المثقفين والأدباء والشعراء الراحلين. وجزء من جاذبية الإهداء هنا أنه ليس مجرد شيء شخصي، بل أقرب إلى علامة نصية؛ فهو جزء رئيس من بنية الديوان ورؤية الذات الشاعرة للعالم، ناقلاً الرحابة من صفة لصيقة بالمكان إلى صفة للأيام والزمن؛ إذ يبدو الديوان كله أقرب إلى مرثية للعالم القديم، للمدينة التي فقدت سحرها، لتاريخها وحكاياتها، لشوارعها وأزقتها، لأساطيرها وموسيقاها، ومرثية للأيام التي فقدت رحابتها... ومن ثم يحضر هؤلاء الأشخاص ليس فقط بوصفهم كانوا مقربين من الشاعر بشخصه، ولكن في الأساس بوصفهم علامة على زمن أفل وانقضى، بكل رحابته وحنانه ودهشته، وبمدينة في طريقها لاندثار ملامحها.

منذ عنوانه الذي يتخذ من مقام «الصبا» تحديداً مركزاً دلالياً له، يبدو الديوان، الصادر في القاهرة عن «دار العين للنشر»، نشيجاً مكتوماً وموجعاً، فهذا المقام أكثر المقامات الموسيقية تعبيراً عن الحزن والألم العميق، كما يعبر عن حالة روحانية متجذرة. ومن ثم يبدو الديوان كله تعبيراً عن هذا الأسى المكتوم، وكأنه أغنية حزينة ممتدة وطويلة، تنعى فيها الذات وجودها وعالمها وزمانها؛ لذا فإنه قصيدة واحدة طويلة، تتكون من 26 مقطعاً شعرياً، تعبر كلها عن حالة الرثاء هذه، بتنويعات متباينة، ومعاناة الذات الشاعرة من التيه في الأيام الضيقة الخانقة، والاغتراب في الأماكن التي كانت دافئة وحنونة، لكنها تحولت وتشوّهت، فاقدة حميميتها القديمة، ولم تعد الذكريات التي تحتفظ بها الذاكرة كافية لإضفاء الحميمية على ما هو راهن، يقول:

«حقيبة الزمن مهترئة...

تسع بالكاد: بضع خطوات...

وذكريات باهتة

وخرائط لبلاد بعيدة

تحتفظ بها لأسباب غامضة

بعد أن فقدت الحماس لمواصلة الركض

وصرت غاضباً وخائفاً وحزيناً

وتبحث عن باب للخروج».

إننا هنا أمام حالة من فقدان الطمأنينة التي كانت قديماً، نستطيع أن نتعرف إليها من خلال نقيضها الراهن، فقد صارت هذه الذات تعاني مشاعر سلبية ومضطربة، ويسيطر عليها الغضب والخوف والحزن، والشعور بالانحباس في الزمان والمكان؛ فالزمن مهترئ، والأماكن بعيدة نفسياً رغم قربها الجغرافي، حتى صار الزمان والمكان كلاهما سجناً يحيط بالذات... ومن ثم تبحث عن مفر إلى عالم آخر، يعيد لها الطمأنينة التي كانت، وترسم تصوراً وخريطة لمستقبلها في ذلك العالم الآخر، والأغلب أنه عالم الموت، بوصفه مهرباً وملاذاً، وباباً للخروج من العالم الواقعي الذي اهترأ، يقول:

«في العالم الآخر

سأقوم بترتيب أوراقي

وأبتني البيت الذي حلمت به على الأرض

البيت الذي ستحرسه الموسيقى والأساطير

وكرامات الأولياء والقديسين».

هكذا، يصبح الرحيل إلى «العالم الآخر» ليس موتاً، بل تشييد لواقع بديل، تتحقق فيه الأحلام المجهضة على الأرض، وتبني فيه الذات بيت أحلامها، ليكون مفعماً بكل العلامات السيميائية التي تمثل حضوراً دافئاً، فالموسيقى والأساطير والأولياء والقديسون؛ كلها دوال تكتسب دلالات جديدة من حضورها في وعي الذات الشاعرة، بوصفها تمثل بالنسبة له ملاكه الحارس من كل موبقات الواقع، الذي فقد حتى موسيقاه وألوانه، وفقد بفقدانهما البهجة السمعية والبصرية، وإذا انتفى الاثنان تضمر حاستا السمع والبصر. ومن ثم فإن تآكل الجمال في العالم ليس موضوعاً خارج الذات، بل داخل في صميم وجودها:

«الحزن هذه المرة جارح/ والذين تركتهم وخرجت/ توقفوا عن تشغيل الموسيقى في الشرفة/ حتى قمصانهم لم تعد ملونة/ كما تظهر في الصورة».

هنا تتمدد المساحة الفاصلة بين الواقع وصورته القديمة، التي تتخذها الذات مرجعاً ومعياراً تقيس عليه حالها الراهن. ومن ثم يتعملق الأسى، ويصير الحزن جارحاً، بحجم ما فقدته الذات، فحتى العادات القديمة التي ما زالت حاضرة فقدت امتلاءها ومعناها، بل إنها استحالت إلى النقيض من معناها الأول، مثل عادة المشي، أبسط الطقوس التي يمكن أن يستمتع بها إنسانٌ ما:

«وأنت حزين/ لا تعرف: أين تمشي/ ولا كيف تمشي/ لكنك تمشي».

فالمشي هنا أصبح علامة على التيه الوجودي، والضياع الذي يسيطر على الذات الشاعرة، وعلى إنسان العصر الراهن بشكل عام.

على مدار الديوان، تظل الموازنة والمقارنة بين الـ«هنا» المهترئ المتآكل، حيث «لن تنجح الموسيقى في ترميم الحكايات»، و«لم تعد للغة الخضراء أجنحة»، وبين الـ«هناك» الملاذ والمفر، حيث:

«ستشرق شمس لكل واحد على حدة/ وسيرث الفقراء حدائق»

مقارنة دوماً تكون في صالح العالم الآخر؛ إذ تنزاح دالة الموت عن دلالاتها المعتادة، بوصفه مرادفاً للفناء، ويكتسب دلالات جديدة داخل النصوص، تتصل بكونه «مدينة فاضلة»، أو فردوساً منشوداً، وليس مفقوداً كالمعتاد؛ فردوس تتحقق فيه المساواة والعدالة والحرية والتآخي، كما يمكن أن تعتنقه الذات الشاعرة من أنساق قيمية تتآكل مع المكان والزمان.

إلى جوار الحالة السردية الواضحة، والطابع الدرامي والميل الحكائي الشائع في شعرية داود، تبرز في الديوان مجموعة أخرى من التقنيات المهمة، منها تعدد الضمائر بين التحدث أحياناً بضمير الغائب، وأحياناً بـ«الأنا»، وأحياناً بضمير المخاطب أنت، ومنها الترابط النصي بين نهايات بعض المقاطع وبدايات المقاطع التي تليها، كأن يختتم المقطع الحادي عشر قائلاً:

«تستطيع أن تبتكر نهراً جنب عزلتك/ نهراً عريضاً/ لتسبح على راحتك/ أنت تتفقد الآفاق كأن الأمر لا يعنيك/ كأنك في بلادك»، في حين يبدأ المقطع الثاني عشر قائلاً: «أنت تخليت عن نهرك الذي سورته بالأساطير والأغاني/ تركت التاريخ في أيدي رجال العقارات».

ما يجعل المقطعين مترابطين، والتالي ينبني على أطلال السابق، ويكمل فجواته وتحولاته. كما تكثر على مدار الديوان البنى الاستفهامية الأقرب أحياناً إلى اللوم والاستنكار: «أين كنت حين سُرقت قوارب النجاة؟».

كما أن ثمة تناصات مع آيات قرآنية، وتناصات بالمخالفة مع نصوص شعرية راسخة، ففي هذا الديوان «الناس تائهون»، وليسوا جارحين كالصقور، كما كانوا في بلاد صلاح عبد الصبور، فالناس لم يعودوا هم الناس، وليست البلاد هي البلاد، حتى المدينة لم تحتفظ بكونها «بلا قلب» كما كانت لدى أحمد عبد المعطي حجازي:

«ليل المدينة يتنفس بصعوبة/ يشم هو الآخر رائحة حرائق لا أحد يعرف مكانها»...

لقد أصبحت بلا قلب وعقل وجسد، وتحولت إلى مسخ يدعو للرثاء وليس للهجوم عليها.


مقالات ذات صلة

100 عام على ميلاد البياتي... و27 سنة على رحيله

ثقافة وفنون 
عبد الوهاب البياتي

100 عام على ميلاد البياتي... و27 سنة على رحيله

بعد 100 عام على ميلاد عبد الوهاب البياتي (1926 - 1999)، ما زال اسمه حاضراً في المشهد الشعري العربي بوصفه أحد أبرز الأصوات، التي أسهمت في تشكيل الحداثة الشعرية.

ثقافة وفنون  أبو حالوب (لبيد)

«أبو حالوب»... مرسال المثقفين العراقيّين المنفيين

«أبو حالوب»، صاحب الكُنية التي ارتبط وجودها في دمشق بالمئات من المثقفين والفنّانين العراقيّين، غادر الحياة في عمّان أواخر الأسبوع الماضي،

حسام السراي
ثقافة وفنون فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

على مدار ثلاثين عاماً، تمتد رحلة المستعربة الروسية فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية.

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون قصيدة «أتذكر السياب»... بين درويش والنقاد

قصيدة «أتذكر السياب»... بين درويش والنقاد

رافقني في رحلتي الطويلة منذ منتصف الستينات قرطاس بالٍ، ربطت صفحاته وغلافه الورقي الأخضر المتهرئ بخيط.

د. محسن جاسم الموسوي
كتب تاريخ البحث عن مسار «الأوديسة»

تاريخ البحث عن مسار «الأوديسة»

أعاد فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان (بطولة مات ديمون وزيندايا)، ملحمة هوميروس إلى صدارة المشهد الثقافي، وأيقظ من جديد الفضول المحيط بتلك الرحلة العاصفة.

ندى حطيط