تتزاحم المبادرات الدولية والمحلية لحلحلة الأزمة السياسية في ليبيا، بينما يظل «الدستور الدائم» الغائب الأكبر عن مسارات التسوية، رغم اعتباره لدى كثير من السياسيين والقانونيين المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ أكثر من 15 عاماً.
ولا تزال ليبيا تُدار بالإعلان الدستوري الصادر عقب سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، بينما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية في يوليو (تموز) 2017 معلقاً دون طرحه للاستفتاء.

وأصبح المشروع «تائهاً بين مقاربتين دوليتين: الخطة الأميركية، والخريطة الأممية»، مع غياب توافق ليبي على المضي في الاستفتاء، بحسب رؤية صلاح بوخزام، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.
وقال بوخزام لـ«الشرق الأوسط» إن الدستور «سقط من الحسابات السياسية بسبب الصراع على السلطة، والانقسام المؤسسي، وتفضيل الأطراف المحلية والدولية الحلول المؤقتة لإجراء الانتخابات دون توافق دائم».
وفي مقابل غياب الدستور، تتعدد المبادرات المطروحة حالياً، إذ تتداول الأوساط الدبلوماسية والإعلامية ما يعرف بـ«الخطة الأميركية» التي تقضي - وفق السيناريو المتداول - بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، بالتزامن مع وجود عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة»، على رأس حكومة موحدة لإدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات.
وبالتوازي، تواصل بعثة الأمم المتحدة الدفع بخريطتها السياسية التي انتقلت إلى مرحلة رعاية مفاوضات بين الأطراف الليبية بشأن القوانين الانتخابية ورئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وإن كان محللون يرون أن هذا المسار لا ينفصل عن تحركات دولية أوسع تقودها واشنطن.
كما لم يخلُ المشهد الداخلي من مقترحات ومبادرات محلية حاولت تسجيل حضورها، سواء عبر الإعلان في طرابلس عن تأسيس «تجمع الرؤية الوطنية»، الذي أبدى القائمون عليه - وهم شخصيات دبلوماسية واقتصادية بارزة - استعدادهم لدعم أي مسار ينهي الانقسام.

وذهب عضو الهيئة التأسيسية، الهادي بوحمرة، إلى تفسير آخر لغياب الدستور، إذ يرى أنه «لا يعود فقط إلى الخلافات السياسية، بل أيضاً إلى تقاطع مصالح أطراف محلية ودولية مع بقاء المرحلة الانتقالية».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن إقرار دستور دائم «سيؤسس لشرعية مستقرة ودولة مؤسسات، لكنه سيعيد توزيع موازين القوة والنفوذ، وهو ما يدفع بعض القوى السياسية إلى التخوف من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية».
وأضاف أن استمرار المرحلة الانتقالية «يبرر بقاء آليات دولية أُنشئت لإدارتها، كما يمنح بعض الدول ذات المصلحة مساحة أوسع للتأثير في المشهد الليبي».
وخلص بوحمرة إلى أن اختلاف دوافع هذه الأطراف «لا يمنع التقاء مصالحها في إطالة المرحلة الانتقالية وصناعة مرحلة انتقالية بعد أخرى بحوارات توظف فيها من يوصفون بالنخبة»، معتبراً أن تأجيل الاستفتاء أو استبداله بمبادرات جديدة أصبح «نتيجة لتقاطع مصالح أكثر منه نتيجة لاتفاق معلن».
ورغم أن «الحوار المهيكل» الذي رعته الأمم المتحدة على مدى أشهر تطرق في توصياته إلى حلول سياسية لملفات الحكم والاقتصاد وحقوق الإنسان، كان من اللافت إرجاء حسم ملف الدستور إلى «مرحلة أكثر استقراراً».
وهنا يرى المحلل السياسي حسام العبدلي في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمة الليبية «ليست أزمة دستور بالدرجة الأولى»، وأضاف: «لا يوجد دستور، مهما بلغت جودته، يمكنه وحده أن يبدد شبح الانقلابات أو يضمن استقرار النظام الديمقراطي».
واعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في «ضعف إدارة الدولة واستمرار الفساد الإداري والمالي»، وقال: «الفساد ينخر مؤسسات الدولة، بينما لم يرتقِ كثير من المسؤولين إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم»، مشدداً على أن أي تسوية دستورية لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية وإرادة سياسية حقيقية لتطبيق القانون وبناء مؤسسات الدولة.

ورغم استمرار الزخم حول المبادرات المطروحة، يحذر مؤيدو المسار الدستوري من مخاطر استمرار إدارة البلاد من دون دستور دائم. ويرى بوخزام أن المضي في ترتيبات انتقالية جديدة سيؤدي إلى ترسيخ هشاشة الشرعية السياسية وإطالة أمد الانقسام المؤسسي، كما سيُبقي السلطات المقبلة عرضة للطعن في مشروعيتها، ويَحول دون بناء مؤسسات موحدة تستند إلى عقد اجتماعي جامع.
وانتهى إلى التحذير من أن استمرار الفراغ الدستوري يجعل شكل الدولة ونظام الحكم عرضة للمساومات السياسية والجهوية، ويزيد من احتمالات الانتقال من مرحلة انتقالية إلى أخرى، بما يطيل أمد عدم الاستقرار ويفتح المجال أمام استمرار التدخلات الخارجية في توجيه القرار الليبي وفق مصالح متباينة، بدلاً من الاحتكام إلى مرجعية دستورية مستقرة.
وكان 60 سياسياً وناشطاً اتخذوا خلال اجتماع عُقد في جنيف الشهر الماضي خطوة بطرح ما يعتقدون أنها حلول سياسية للأزمة، ومنها ما أعلنوه من «حكومة ليبية موحدة».
