«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

الفيلم يراهن على الإنسان خلف القناع... ويرصد ثمن العزلة

بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
TT

«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)

في أفلام الأبطال الخارقين نادراً ما يسير البطل بمفرده، فدائماً حوله فريق أو شريك، وجمهور يهتف له في كل زاوية من المدينة... وحتى أكثر الشخصيات انعزالاً، مثل باتمان، تعود في النهاية إلى حياة الإنسان «بروس واين» الاجتماعية؛ حيث تبقى العلاقات الإنسانية جزءاً من الحكاية.

أما في فيلم «Spider-Man: Brand New Day» (الرجل العنكبوت: يوم جديد)، فيسلك بيتر باركر (توم هولاند) طريقاً مختلفاً، ليحمل عبء البطولة وحده، بلا أصدقاء، ويقضي أيامه متنقلاً بين مطاردة المجرمين وإنقاذ المدينة، قبل أن يعود إلى شقته المتواضعة في نيويورك، محاطاً بالشاشات والأجهزة التي يطورها باستمرار لصقل قدراته، في عزلة تفرض نفسها على كل تفصيل في حياته، وتصبح الهوية أكثر من أي خصم جديد، وهي المعركة الحقيقية التي يخوضها في الفيلم الذي بدأ عرضه مؤخراً في صالات السينما، ويلقى رواجاً كبيراً من حول العالم.

بيتر باركر داخل خيوط العنكبوت (imdb)

بطل يبحث عن نفسه

الفيلم، الذي يخرجه ديستن دانيال كريتون، يُعيد الشخصية إلى شوارع نيويورك؛ حيث يستعيد سبايدرمان دوره التقليدي بوصفه محارباً للجريمة داخل المدينة، مع اهتمام أكبر بالجانب النفسي للشخصية. فبيتر باركر، يعيش عزلة قاسية بعد اختفاء هويته من ذاكرة الجميع (في الجزء السابق No Way Home)، ويجد نفسه مضطراً إلى حمل عبء البطولة وحده، في حين يراقب الأشخاص الأقرب إليه يواصلون حياتهم كأنهم يلتقون به للمرة الأولى.

يمنح هذا التحوّل الفيلم عمقاً درامياً مؤثراً مقارنة بالأجزاء السابقة، كما يُقدم توم هولاند في مساحة تعد الأفضل له في السلسلة حتى الآن؛ حيث اعتمد أداؤه على الصمت بقدر اعتماده على الحوار، وعلى نظرات تحمل قدراً كبيراً من الحيرة والإنهاك أكثر من اعتماده على الكوميديا التي ارتبطت بالشخصية طوال السنوات الماضية، ليرى الجمهور سبايدرمان وهو أكثر وعياً بثمن البطولة، وأقل اندفاعاً في التعامل مع العالم من حوله.

في المقابل، تحضر زيندايا بشخصية «إم جيه» التي تحمل مفارقة عاطفية مؤلمة؛ فهي تقف أمام الرجل الذي أحبته في يوم ما، في حين تتعامل معه بوصفه شخصاً غريباً. ويستثمر الفيلم هذه الفكرة في عدد من مشاهده الأكثر تأثيراً، خصوصاً تلك التي يقترب فيها الاثنان من استعادة شيء من الذاكرة، قبل أن تنزلق اللحظة مرة أخرى نحو الغموض.

كما يبدو اختيار العودة إلى قصة أكثر بساطة، بعد فوضى «No Way Home»، قراراً ذكياً، فبدلاً من الاتكاء على مفاجآت الضيوف أو الحنين إلى الماضي يراهن الفيلم على شخصية بيتر باركر نفسها، وعلى سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: من يكون الإنسان عندما تختفي ذكراه من حياة الآخرين، فيما تبقى ذاكرته مثقلة بكل ما عاشه؟

بيتر باركر مع إم جيه (imdb)

شخصيات توسّع القصة

بناءً على ذلك، يبتعد الفيلم عن الاستعراض البصري المعتاد، لترتبط مشاهد المطاردات والاشتباكات بالحالة النفسية للبطل، وكأن كل قفزة بين المباني تحمل محاولة جديدة للهرب من الأسئلة التي تطارده. ومع ذلك، يحتفظ العمل بإيقاعه التجاري، عبر سلسلة من المعارك المصممة بعناية، خصوصاً المواجهة التي تجمع سبايدرمان مع هالك (مارك روفالو)، والتي تُعد من أبرز لحظات الفيلم، بفضل حجمها وإيقاعها والتباين الواضح بين الشخصيتين.

ويضيف ظهور فرانك كاسل، الذي يؤديه جون بيرنثال، طاقة مختلفة تماماً، فالشخصية تدخل الأحداث بخشونتها المعتادة، وتفرض حضورها منذ اللحظة الأولى، في حين يخلق اختلافها الجذري عن سبايدرمان مساحة من الكوميديا ما بين الحوار والاحتكاك بينهما، إذ إن أحدهما يؤمن بفرصة جديدة، والآخر يتحرك بمنطق أكثر قسوة، في موازنة ما بين الفكاهة والتوتر.

أما سادي سينك، فتقدم واحدة من أكثر الشخصيات غموضاً في الفيلم؛ حيث تتعامل الحبكة معها تدريجياً، محافظة على مساحة من الغموض حول دوافعها وحقيقتها، قبل أن تكشف الأحداث عن شخصية تحمل قدراً كبيراً من الألم والاضطراب الداخلي، ما يمنحها هدوءاً نسبياً، يجعلها أكثر تعقيداً من صورة الشرير التقليدي، ويضيف طبقة إنسانية جديدة إلى الصراع.

نهاية تفتح فصلاً جديداً

في المقابل، يواجه السيناريو تحدياً واضحاً في كثرة الخيوط الدرامية، فالأحداث تنتقل بين أزمة الهوية، والصراع النفسي، والخصم الغامض، وظهور هالك، وشخصيات أخرى، وهو ما يجعل بعض الأفكار تظهر بسرعة ثم تفسح المجال لفكرة جديدة قبل أن تنال وقتاً كافياً للنمو، ويظهر أثر ذلك خصوصاً في النصف الأخير؛ حيث تتزاحم التطورات بوتيرة متسارعة خلال مدة الفيلم التي تمتد إلى أكثر من ساعتين.

وعلى المستوى التقني يواصل عالم سبايدرمان تقديم جودة إنتاجية مرتفعة. يمنح التصوير، بقيادة بريت باولاك، مدينة نيويورك حضوراً مختلفاً؛ مدينة تبدو مألوفة، لكنها تحمل شعوراً دائماً بالوحدة والاغتراب، وكأنها تعكس الحالة النفسية التي يعيشها بيتر باركر. وتدعم الموسيقى التي ألفها مايكل جياكينو هذا المزاج، فتتنقل بين الهدوء والتصاعد، مع مساحة أكبر للمشاعر مقارنة بالأجزاء السابقة.

أما على المستوى التجاري فيواصل سبايدرمان تأكيد مكانته بوصفه أحد أكثر أبطال مارفل جذباً للجمهور، بعدما حقق «الرجل العنكبوت: يوم جديد» افتتاحاً قياسياً بإيرادات بلغت 168 مليون دولار في يومه الأول داخل أميركا الشمالية، مسجلاً أعلى إيراد لليوم الافتتاحي في تاريخ شباك التذاكر المحلي، مع توقعات بتجاوز 325 مليون دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى، في انطلاقة تعكس استمرار الحضور الجماهيري للشخصية، حتى مع انتقالها إلى مرحلة مختلفة على مستوى السرد.

ومع نهاية الفيلم التي تترك الباب مفتوحاً أمام فصل جديد، تبدو سلسلة سبايدرمان كأنها تدخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة تراهن على تطور الشخصية قبل أي شيء آخر. وإذا واصل صناع السلسلة البناء على هذا المسار، فإن سبايدرمان يملك فرصة حقيقية لتجديد نفسه مرة أخرى، من دون أن يفقد روحه التي جعلته من أكثر أبطال مارفل شعبية وتأثيراً.


مقالات ذات صلة

في عام سينمائي مزدحم... إيرادات الأفلام السعودية تتجاوز 26 مليون دولار

يوميات الشرق فيلم «عكس سير» يواصل منافسته في شباك التذاكر السعودي (الشرق الأوسط)

في عام سينمائي مزدحم... إيرادات الأفلام السعودية تتجاوز 26 مليون دولار

يشتعل سباق الأرقام في صالات السينما، بعد أن تجاوزت إيرادات الأفلام السعودية 100 مليون ريال (26 مليون دولار) منذ بداية العام الحالي.

يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها السويسري «أحبك... وأتركك».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

قبل أكثر من 3 عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
TT

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

يتميز المطبخ المصري بمكوناته وأكلاته ووصفاته التي تحمل أبعاداً تراثية بعضها يعود للعصور القديمة. وقد نظمت فعاليات وأنشطة حول الطعام المصري بما يمثله من خصوصية تثري الأبعاد السياحية، خصوصاً في مجال السياحة الثقافية بالتركيز على ثقافة الطعام.

وفي هذا الإطار نظمت جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، الأحد، فعاليات مسابقة «المطبخ المصري تراث وهوية» بين طلاب كليات ومعاهد السياحة والفنادق في مختلف أنحاء مصر، بهدف الحفاظ على الموروث الغذائي المصري، والتعريف بالمطبخ المصري بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية والتراث والثقافة المصرية.

وقدم الطلاب مجموعة متنوعة من الأطباق المصرية المتميزة، التي عكست ثراء وتنوع المطبخ المصري، واختلاف البيئات والثقافات التي شكلت هويته على مر العصور.

و«تنوعت الأطباق المشاركة بين وصفات مستوحاة من التراث المصري القديم، وأطباق من المطبخ البدوي، إلى جانب عدد من أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمائدة المصرية، ومن بينها (أم علي)، و(المندي)، و(الفتة المصرية)، و(المسقعة)، و(محشي الكرنب)، و(البامية باللحمة)، وغيرها من الأطباق التراثية»، وفق بيان لجمعية الحفاظ على السياحة الثقافية.

وضمت لجنة التحكيم نخبة من المتخصصين في مجال الطهي والضيافة، من بينهم الشيف حسام سليمان، رئيس مجلس إدارة جمعية الطهاة المصريين.

وحضر الفعاليات التي أقيمت في المعهد العالي للدراسات النوعية بميدان الحجاز، الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري والمشرف على الطبق الفرعوني، وعدد من قيادات وأعضاء جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، من بينهم محمد الحسانين، رئيس مجلس الإدارة، ومحمد المنتصر، الأمين العام.

جانب من تحكيم المسابقة حول الطعام المصري (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

وأكدت الجمعية أن «المسابقة تأتي في إطار رؤيتها للحفاظ على عناصر التراث المصري، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، مع ربط الموروث الغذائي بصناعة السياحة، كون الطعام أحد المكونات المهمة للهوية الثقافية، وأحد عناصر التجربة السياحية».

واستهدفت المسابقة «منح طلاب السياحة والفنادق فرصة عملية للتعرف على قيمة الأكلات المصرية التراثية، وتشجيعهم على تطوير طرق تقديمها والحفاظ على وصفاتها وذاكرتها المرتبطة بالبيئات والمناطق المختلفة في مصر»، وفق البيان.

وتتضمن الفعاليات التي تمتد إلى يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي جلسة حوارية تتناول أهمية التراث المصري والحفاظ عليه، ودور المطبخ المصري بصفته أحد عناصر التراث والهوية، وكيفية توظيف هذا التراث في دعم السياحة والثقافة المصرية.

المطبخ المصري يضم أكلات تراثية متنوعة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

ويأتي مشروع «المطبخ المصري تراث وهوية» ضمن جهود جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية لتوثيق الموروث الغذائي المصري والتعريف بأكلاته من مختلف مناطق مصر، وربط هذا التراث بصناعة السياحة والثقافة والهوية المصرية، بما يسهم في تقديم المطبخ المصري كأحد عناصر التجربة السياحية المصرية.

وتحرص مصر على تقديم أنماط متنوعة من السياحة، من بينها السياحة الثقافية والترفيهية والبيئية والعلاجية والرياضية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وأطلقت وزارة السياحة والآثار برنامجاً ترويجياً في هذا الإطار بعنوان «مصر... تنوع لا يُضاهى».

وكان المتحف القومي للحضارة المصرية قد استضاف من قبل فعاليات حول الأكلات المصرية الشعبية والتراثية ضمن مبادرة «طبلية مصر»، وتقدمت مصر بملف لـ«اليونيسكو» لتسجيل الكشري المصري ضمن الأكلات المصرية الأصيلة، وبالفعل تم تسجيل «الكشري المصري» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بـ«اليونيسكو» عام 2025.


خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
TT

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)

في عائلة هارلو لا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد على مناسبة شخصية لكل فرد، بل يجتمع خمسة أجيال في اليوم نفسه من كل عام. فقد وُلد أفراد خمسة أجيال متتالية من العائلة في 14 سبتمبر (أيلول)، في مصادفة نادرة تحولت إلى رقم قياسي عالمي موثّق في موسوعة «غينيس».

وتضم السلسلة ويلبر، ثم ابنته آدي، وحفيدها فريد هارلو، وابنته إيما بيل، وصولاً إلى حفيده آرثر، الذي جاء إلى الدنيا في التاريخ نفسه، ليكمل سلسلة من خمسة أجيال تشترك في يوم الميلاد ذاته، وفقاً لشبكة «سي تي في» الكندية.

ويقول فريد إن العائلة لطالما عدّت هذا التزامن أمراً مميزاً، لكنها لم تتخيل أنه قد يتحول يوماً إلى رقم قياسي عالمي. ويضيف: «عندما تُرزق بأطفال، فإنهم هدية، وهذه هدية فريدة جداً. كنا دائماً نرى الأمر شيئاً رائعاً، لكنني لم أفكر يوماً في أنه قد يجعلنا أصحاب رقم قياسي. كنت أعتقد ببساطة أن كل شيء يحدث لسبب».

ولم تبدأ العائلة التفكير جدياً في توثيق الرقم إلا في الآونة الأخيرة. وتقول إيما إن أفراد الأسرة كانوا يمزحون دائماً بشأن الأمر، خصوصاً بعد أن أصبح لديهم أربعة أجيال يتشاركون اليوم نفسه.

وتوضح: «كنا نقول دائماً: لدينا أربعة أجيال، ولا بد أن يكون ذلك رقماً قياسياً عالمياً».

واكتشفت إيما لاحقاً أن أربع عائلات أخرى كانت تتقاسم رقماً قياسياً مماثلاً، مع أربعة أجيال مولودة في اليوم نفسه. لكن الفكرة لم تتحول إلى إجراءات رسمية إلا بعد وفاة جدتها آدي، حين اكتشفت إيما أنها حامل بطفلها الثاني، وأن موعد ولادته المتوقع يصادف 14 سبتمبر.

وتقول إيما إن جدتها كانت تكرر عليها منذ طفولتها أمنية طريفة: «يجب أن يكون لديك ولد في 14 سبتمبر»، مضيفة أنها كانت تسمع هذه العبارة منها كل عام.

وكانت إيما قد أنجبت طفلها الأول قبل موعده، لذلك، عندما حملت بطفلها الثاني، كانت تأمل أن يصل هذه المرة في الموعد المنتظر. وبالفعل، وُلد آرثر في 14 سبتمبر، ليصبح بذلك الحلقة الخامسة في السلسلة العائلية، ويمنح أسرته رقماً قياسياً جديداً.

ويقول فريد، في تعليق على وصول أصغر أفراد العائلة: «وها هو ذا، لقد أصبح صاحب رقم قياسي».

ورغم أن آدي تُوفيت قبل ولادة آرثر، فإن أفراد العائلة يتخيلون مدى سعادتها بهذا الإنجاز. وتقول إيما: «أعتقد أنها كانت ستشعر بالفخر والإعجاب، لأننا نجحنا بالفعل في تحقيق ذلك، وأن المولود كان ولداً في يوم 14».

ولا تتوقف المصادفة عند التاريخ، إذ يلفت أفراد العائلة إلى نمط آخر رافق الأجيال الخمسة؛ فالتسلسل جاء بالتناوب بين الذكور والإناث: ولد، ثم بنت، ثم ولد، ثم بنت، ثم ولد.

وتقول إيما: «بدأ الأمر مع ويلبر، ولذلك يأتي التسلسل: ولد ثم بنت ثم ولد ثم بنت ثم ولد».

ومع ذلك، لا تنوي العائلة تحويل هذا الرقم القياسي إلى تقليد يتعين على الأجيال المقبلة الحفاظ عليه. وفي الوقت الحالي، يكفي أفراد هارلو أن يجتمعوا كل عام للاحتفال بأعياد ميلادهم معاً، بعدما منحتهم مصادفة عائلية نادرة مناسبة إضافية للاحتفال.

ويختصر فريد الحكاية قائلاً: «إنه أمر مذهل حقاً».

أما إيما فتكتفي بوصف التجربة بكلمتين: «لقد كان الأمر ممتعاً».


نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.