الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
TT

الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)

يتنافس في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، 20 فيلماً آتياً من محيط العالم العربي إلى خليجه وما بينهما. في كل عملٍ تُروَى حكاية، إلّا أنَّ خيطاً خفياً يجمع بين تلك الأفلام وهو التأصّل في الجذور، والسعي إلى التعمّق في الهوية الإنسانية والنفسية، والأهمّ جرأة الطرح والموضوعات الخارجة من العلبة.

يلفت المدير المشارك في برمجة الأفلام، فادي حدّاد، إلى أنَّ ما يتحكَّم باختيار الأعمال المتنافسة، «أصالتها وكيفية سردِها لقصص عربية، ضمن سياق عربي، ولجمهور عربي». ويصنِّف حدَّاد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الأفلام المُختارة في هذه الدورة ضمن 3 مجموعات، وفقاً للقضايا التي تطرح، وهي: «المرأة»، و«الهويّة»، و«الحرب».

العدسة على المرأة الأردنية

تهجس غالبية الأفلام الأردنيّة حديثة الإنتاج بقضايا الأنثى، وهكذا هي الحال في الأفلام القصيرة المشاركة في مهرجان عمّان السينمائي. تتصدّر المرأة والفتاة الأردنيتان الصورة. ففي فيلم «لا تقتلع الورد» للمخرجة بنان المناصير، يُطرح واقع الفتيات المراهقات بين الحرية والقمع. يُظهر الفيلم كيف أنّ أحلام البراءة من الممكن أن تتحوّل إلى كوابيس ومآسٍ باسم الكرامة والشرف.

أما «ثورة غضب» من إخراج عايشة شهّال طوق فيقلب المعادلة النسويّة، مقدّماً حبكةً غير متوقعة. فبعد أن تظهر الشقيقتان «بتول» و«رهف» في خانة الضحية، هاربتَين من والدهما في شاحنة تقودها الكبرى، يتحوّل المشهد مع دخول رجلٍ غريب القصة. بين الخوف من الوالد والشكّ في نوايا الغريب الذي يعرض المساعدة في تصليح الشاحنة المعطّلة، يتبيَّن أن ليس كل رجل محوراً للشرّ في الحكاية.

في «زواج سفر» الذي أخرجه الأردني عبد الله الزيادي، عرضٌ لشقاء سيدة فلسطينية مقيمة في الأردن. تعيش الأرملة «هاجر» على المساعدات الاجتماعية، وتبيعها لصاحب الدكّان لفرط حاجتها للمال مواجهةً التحرّش. تخيط الملابس وتستدين من الجيران، لكن كل ذلك لا يكفي من أجل تأمين جواز سفرٍ لابنتها المتفوقة في المدرسة. لقد حصلت الفتاة «روى» على منحة للدراسة في الخارج، وسوف تقوم الوالدة بكل ما تستطيع من تضحيات كي تؤمّن مستقبلاً أفضل لابنتها.

بالانتقال إلى فيلم جوانا عريضة «لساتني أنا»، ليست الصدارة فقط لامرأتَين هما الأمّ المصابة بألزهايمر وابنتها التي تعتني بها، بل تدخل على الخط قضية الأبناء الذين يهتمّون بذويهم كلّما تقدّمَ بهم السنّ والمرض. لم يُطرَح هذا الموضوع كثيراً في السينما العربية، رغم كونه منتشراً في كل بيتٍ عربيّ تقريباً. وقد قدَّمته عريضة باحترافٍ عزَّزه حضور الممثلتان الأردنيتان ريم سعادة وسجى كيلاني.

يحضر موضوع المرأة بصراعاتها المجتمعيّة والعاطفية كذلك، في فيلم «عليا» للمخرجة اللبنانية يارا ملكي.

السينما تتذكّر كبار السن

تعود ثيمة التقدّم في السنّ ورعاية الكبار في الفيلم القصير «ما لم تأخذه الشمس» الآتي من تونس. بأسلوبٍ أقرب إلى التوثيق وبلغةٍ سينمائية صامتة، يصوّر المخرج يوسف القرمازي امرأةً تعتني بأختها المسنّة والمريضة. وسط نوستالجيا ما مضى من أيام والقلق من الموت الطالع من سرير الأخت، يمضي الفيلم بإيقاعٍ ينحدر بطيئاً نحو النهاية المحتومة.

مَن يرى «فلاديمير»، وهو بطل فيلم «كل هذا الموت» للمخرج اللبناني فادي سرياني، يظنّ للوهلة الأولى أنّ شخصية الرسوم المتحرّكة العجوز تلك تنتمي إلى عالم الكوميديا. لكن يكفي أن يبدأ الرجل مساره اليوميّ على أرصفة المدينة مقتلعاً أوراق النعي الكثيرة عن جدرانها ومشاركاً في جنائز الغرباء، حتى يُدرِك المُشاهد أنّ الفيلم المتحرّك الصامت لا يمتّ إلى الضحك بصلة. فلاديمير هو ذاكرة مدينةٍ تتلاشى وتكثر فيها التوابيت، والبيوت المُدمَّرة، والكبار الوحيدون المنتظرون موتاً قريباً.

الحرب ومخلفاتها

في «وبركي قصفوا هون الليلة؟» يعرض المخرج والممثل سمير سرياني لليلةٍ في حياة ثنائيّ مقيم في لبنان. هي ليلة من تلك الليالي الكثيرة التي يظلّلها هدير المسيّرات الإسرائيلية، ما ينسكب ذعراً على سمير الخائف من سقوط الزجاج المركّب حديثاً في سقف بيته، على رأسه ورأس زوجته نادين. بأسلوبٍ هو أقرب إلى شاشة الواقع، يتطرّق الفيلم إلى «التروما» وصدمات الحروب التي تنام مع اللبناني في سريره.

والحرب ليست طائرةً معادية فحسب، إنما مُخلّفات قاتلة كثيرة مثل الهجرة غير الشرعية. ويتكرَّر هذا الموضوع في فيلمَي «لا أثر للأفق» الآتي من السودان للمخرجة إيمان الخليفة، حيث يغادر «عمر» بلاده الممزّقة بالحرب. لكن عندما يتّصل بأمّه «نادية» القلقة عليه، يكشف أنه في عرض البحر يصارع عاصفة.

تعود الهجرة غير الشرعية في «بيمو» للمخرجة أمنية هنادر. يطرح الفيلم الجزائري القصير معاناة الغربة والمهاجرين الشرعيِّين وغير الشرعيِّين، من خلال قصة «سهام» التي تنقلب حياتها عندما تعلم أنَّ شقيقها ركب البحر لينضمّ إليها في مرسيليا الفرنسية.

في قضايا النفس والروح

اللافت في مجموعة الأفلام القصيرة المتنافسة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، أنها تُشرّح النفس البشريّة ولا تتردّد في طرح موضوع الأمراض والندوب النفسية. هكذا يفعل فيلم «سالم غير سالم» للمخرج والممثل البحريني عمر فاروق، والفيلم السعودي «الرجل الذي تَعثّر بكلماته» للمخرج مبارك الزوبع. وكِلاهُما يصوّر بجرأة قضيةً كانت تُعَدُّ من المحرّمات حتى أمسٍ قريب. فبطلا الفيلمَين «سالم» و«نايف» يعيشان صراعَين داخليَّين مع آلامٍ غير مرئية تقلب حياتهما رأساً على عقب.

تُستأنف رحلة تفكيك شيفرة النفس، وهي غالباً ما تكون أمّارةً بالسوء، على غرار ما يدور في فيلم «قُمع» للمخرج المصري مارك أيمن. في هذا الفيلم القصير، تتحوَّل قضية رَكن سيارة إلى عداوة شخصية ضارية بين الأستاذ الجامعي «حسن» وعامل الجراج «محمد».

أما في الفيلم الفلسطيني «أنا سعيد لأنك ميت» الحاصل على «السعفة الذهبية» في «مهرجان كان»، فيغوص المخرج توفيق برهوم في دهاليز النفس البشريّة المحمّلة بأثقال الماضي. يروي قصة شقيقَين يعودان إلى جزيرة طفولتهما ليواجها لعنة ذكرياتٍ مؤلمة دفعت أحدهما إلى ارتكاب فعلٍ رهيب. في أولى تجاربه السينمائية، استقى المخرج الفلسطيني الصاعد القصة من الواقع الفلسطيني وحكاية حصلت مع شخصٍ يعرفه.

يذهب عدد من الأفلام القصيرة المشارِكة في «مهرجان عمّان السينمائي» أبعد من الحبكة النفسيّة. تطرح بعض الأعمال موضوع الصوفيّة الذي يلقى رواجاً مؤخراً لدى المخرجين الشباب. يقتبس المخرج المصري عبد الوهاب شوقي رواية الأديب نجيب محفوظ ليقدِّم على طريقته «آخر المعجزات». هي قصة الصحافي «يحيى» الذي يأخذه خطأٌ مهنيّ صغير في رحلةٍ إلى المجهول، ليتحوّل من ساعٍ خلف الخير إلى ساعٍ خلف الروحانيّة والتصوّف. إلّا أنّ تطوّر الأحداث لا يضمن أنّ طريق الرو يتّجه دائماً نحو الأعلى.

صحيح أنّ فيلم «عايشة» للمخرجة المغربية سناء العلوي ينتمي إلى فئة «الرعب السيكولوجي»، إلّا أنه يتطرّق هو الآخر إلى الصوفيّة، بما أنّ البطلة تنضمّ إلى طقسٍ صوفيّ في محاولةٍ لترميم ما تدمَّر بينها وبين ابنتها.

أما في «قبل الظهر» للمخرج المصري مروان الشافعي، فيخوض البطل المراهق «سيف» رحلة تطهّر روحيّة وإنسانية بعد ابتلائه بمأساة شخصية.

الهويّة والجذور والعائلة

في حين يبقى موضوع الهويّة بمثابة خيطٍ مشترك ما بين الأفلام القصيرة كلّها، يبرز هذا الموضوع أكثر في أفلامٍ مثل «مكان أنتمي إليه» للمخرج التونسي يوسف هندوس، و«كاراميل مملّح» للمخرج العراقي مصطفى خلف. أما في «32 B» للمخرج المصري محمد طاهر فتتصدّر القضايا العائلية المشهد، إذ يروي الفيلم القصير يوميات رجل أرمل مع ابنته المراهقة ومعاناته في مقاربة الموضوعات الأنثويّة وإياها.


مقالات ذات صلة

مهرجانات للسينما بمصر تراهن على الشباب والأفلام النوعية

يوميات الشرق مهرجان «ميدفيست مصر» تناول قضايا الصحة النفسية (فيسبوك)

مهرجانات للسينما بمصر تراهن على الشباب والأفلام النوعية

تراهن العديد من المهرجانات السينمائية التي أقيمت أخيراً بمصر على سينما الشباب وعلى الأفلام النوعية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق زحمة مهرجان «تورونتو» (ملف مهرجان تورونتو)

أزمة إسرائيلية في سماء مهرجان تورونتو الـ51

يتميّز مهرجان «تورونتو» عن غيره من المهرجانات الكبرى بأن أبرز جوائزه تُمنح بناءً على تصويت الجمهور، لا بقرار لجنة تحكيم.

محمد رُضا (تورونتو)
يوميات الشرق ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)

عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

قال المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، أحد مؤسسي أكاديمية غزة للسينما، إن فكرة الأكاديمية ولدت من حاجة تتجاوز تعليم صناعة الأفلام إلى بناء مساحة سينمائية مستدامة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج البرتغالي إدغار بيرا (الشركة المنتجة)

إدغار بيرا: الحرية هي القضية التي تشغلني في كل أفلامي

قال المخرج البرتغالي إدغار بيرا إن فيلمه «حرب العصابات على الأسفلت» رحلة عبر 4 عقود، تطرح أسئلة عن الحاضر والمستقبل من خلال السينما.

أحمد عدلي (القاهرة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
TT

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يهدف إلى ترسيخ ممارساتٍ واعية، ومسؤولة، وعادلة في توظيف التقنيات في الصناعات الإبداعية، والحد من مخاطر إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والمحافظة على أصالة الإبداع، والثقافة.

ويستهدف الدليل الإرشادي -الذي يشمل 11 قطاعاً ثقافياً- المؤسسات، والممارسين الثقافيين، ومطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومستعرضاً أبرز أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع.

كما يقدّم إرشاداتٍ تسهم في تمكين العاملين في القطاع الثقافي من مواكبة التقنيات الحديثة، وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة، وتعزيز الابتكار بما يدعم تطوره، ونموه، ورفع مستوى الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية هي: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداةً لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول للمحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها.

ويؤكد الإصدار بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية، والصياغة الفنية النهائية، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مساندةً تدعم قدرات المبدعين، مع الإفصاح عن استخدامه، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات، والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف، والملكية الفكرية.

ويتوافق الدليل مع الإرشادات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وينسجم مع توصية منظمة «الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا). كما يُعد وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في البلاد.

ويأتي الإصدار ضمن جهود الوزارة لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وترسيخ الإبداع البشري، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، والمحتوى الثقافي، والإسهام في حفظ التراث، وإدارته، بما يدعم بناء مستقبل ثقافي رقمي أكثر أماناً، وشمولاً، واستدامة، وينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
TT

مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة دولية، عن أن تغير المناخ يفرض تهديداً لا يحظى بالاهتمام الكافي على إنتاج الكاكاو، يتمثل في الأمطار الغزيرة وتوقيت هطولها، وليس الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فقط؛ ما قد يؤثر في محصول أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته.

ووجد باحثون من جامعة هارفارد الأميركية وجامعة غانا في الدراسة التي نُشرت نتائجها، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». أن أنماطاً جوية واسعة النطاق قد تجعل بعض مخاطر الأمطار الشديدة قابلة للتنبؤ قبل أشهر؛ ما يمنح مزارعي الكاكاو وقتاً لاتخاذ إجراءات تساعد على حماية الأشجار والمحاصيل.

وتعتمد أشجار الكاكاو، التي يمكن أن تعيش لعقود، على سلسلة دقيقة من المراحل لإنتاج محصول جيد، تبدأ بالإزهار والتلقيح ثم تكوين الثمار ونموها. ويمكن للأمطار القليلة جداً أو الغزيرة في التوقيت الخاطئ أن تلحق أضراراً بالمحصول وتؤثر في إنتاج الموسم بأكمله. وأوضح الباحثون أن الأمطار الغزيرة خلال الإزهار، أو التي توفر ظروفاً مواتية لانتشار الأمراض الفطرية خلال الإزهار والمراحل الأولى من نمو الثمار، قد تأثر بدرجة تأثير الجفاف نفسها.

وركز الباحثون في البداية على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو، وحللوا نحو عقدين من بيانات الإنتاج على مستوى المناطق، إلى جانب سجلات الطقس اليومية. وأظهرت النتائج أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التغيرات السنوية في إنتاج الكاكاو في غانا.

واختبر الباحثون مجموعة من العوامل المناخية، بينها متوسط هطول الأمطار، والأمطار الغزيرة، وفترات الجفاف، ورطوبة التربة، ودرجات الحرارة القصوى. وتبيَّن أن أفضل مؤشرين للتنبؤ بالتغيرات في الإنتاج هما الأمطار الشديدة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف.

وتظهر التأثيرات الأشد للأمطار في غانا بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، عندما تكون الأشجار في مرحلة الإزهار وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن، في حين قد يؤدي نقص الأمطار بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) إلى الإضرار بالمحصول أثناء استمرار نمو الثمار. كما يمكن للرطوبة وتناثر مياه الأمطار أن يساعدا في انتشار الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار.

وللتأكد من اتساع نطاق النتائج؛ حلل الباحثون بيانات من الإكوادور وإندونيسيا، وهما من كبار منتجي الكاكاو، ووجدوا نمطاً مشابهاً؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطاراً أغزر خلال مواسم الأمطار بتراجع الإنتاج. ويرى الباحثون أن فهم توقيت الأمطار الشديدة ربما يساعد المزارعين على تحسين توقيت إجراءات مكافحة الأمراض، خصوصاً مع توفر توقعات جوية مسبقة. وقد تشمل إجراءات الحماية زيادة الغطاء النباتي لحماية الأزهار من قطرات المطر الكبيرة، والإبقاء على مزيد من الأوراق المتساقطة على الأرض للحد من تناثر المياه ونقل مسببات العدوى من التربة إلى الثمار.

وحسب الفريق، ترتبط بعض أنماط الأمطار المؤثرة في المحصول بظواهر مناخية واسعة النطاق، مثل «النينيو» والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي؛ ما قد يتيح التنبؤ ببعض مواسم الخطر قبل أشهر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الأمطار ليست التحدي الوحيد؛ إذ يؤثر في إنتاج الكاكاو أيضاً تقدم عمر الأشجار، والتنقيب عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.


القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
TT

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.

المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.

ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة (فيسبوك ميراكي)

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.

وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.

من المقهى إلى المجلس

في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.

وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.

وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.

جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.

لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.

مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

«ميراكي» محاولة للجمع بين القديم والجديد (إنستغرام قهوة ميراكي)

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.

ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.

وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.

أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.

وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.

فنجان يجمع الماضي بالحاضر

تصميم مقهى «كمل ستيب» يستلهم تاريخ المكان ومواده وعادات أهله (موقع المقهى)

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.

فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended