الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
TT

الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)

يتنافس في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، 20 فيلماً آتياً من محيط العالم العربي إلى خليجه وما بينهما. في كل عملٍ تُروَى حكاية، إلّا أنَّ خيطاً خفياً يجمع بين تلك الأفلام وهو التأصّل في الجذور، والسعي إلى التعمّق في الهوية الإنسانية والنفسية، والأهمّ جرأة الطرح والموضوعات الخارجة من العلبة.

يلفت المدير المشارك في برمجة الأفلام، فادي حدّاد، إلى أنَّ ما يتحكَّم باختيار الأعمال المتنافسة، «أصالتها وكيفية سردِها لقصص عربية، ضمن سياق عربي، ولجمهور عربي». ويصنِّف حدَّاد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الأفلام المُختارة في هذه الدورة ضمن 3 مجموعات، وفقاً للقضايا التي تطرح، وهي: «المرأة»، و«الهويّة»، و«الحرب».

العدسة على المرأة الأردنية

تهجس غالبية الأفلام الأردنيّة حديثة الإنتاج بقضايا الأنثى، وهكذا هي الحال في الأفلام القصيرة المشاركة في مهرجان عمّان السينمائي. تتصدّر المرأة والفتاة الأردنيتان الصورة. ففي فيلم «لا تقتلع الورد» للمخرجة بنان المناصير، يُطرح واقع الفتيات المراهقات بين الحرية والقمع. يُظهر الفيلم كيف أنّ أحلام البراءة من الممكن أن تتحوّل إلى كوابيس ومآسٍ باسم الكرامة والشرف.

أما «ثورة غضب» من إخراج عايشة شهّال طوق فيقلب المعادلة النسويّة، مقدّماً حبكةً غير متوقعة. فبعد أن تظهر الشقيقتان «بتول» و«رهف» في خانة الضحية، هاربتَين من والدهما في شاحنة تقودها الكبرى، يتحوّل المشهد مع دخول رجلٍ غريب القصة. بين الخوف من الوالد والشكّ في نوايا الغريب الذي يعرض المساعدة في تصليح الشاحنة المعطّلة، يتبيَّن أن ليس كل رجل محوراً للشرّ في الحكاية.

في «زواج سفر» الذي أخرجه الأردني عبد الله الزيادي، عرضٌ لشقاء سيدة فلسطينية مقيمة في الأردن. تعيش الأرملة «هاجر» على المساعدات الاجتماعية، وتبيعها لصاحب الدكّان لفرط حاجتها للمال مواجهةً التحرّش. تخيط الملابس وتستدين من الجيران، لكن كل ذلك لا يكفي من أجل تأمين جواز سفرٍ لابنتها المتفوقة في المدرسة. لقد حصلت الفتاة «روى» على منحة للدراسة في الخارج، وسوف تقوم الوالدة بكل ما تستطيع من تضحيات كي تؤمّن مستقبلاً أفضل لابنتها.

بالانتقال إلى فيلم جوانا عريضة «لساتني أنا»، ليست الصدارة فقط لامرأتَين هما الأمّ المصابة بألزهايمر وابنتها التي تعتني بها، بل تدخل على الخط قضية الأبناء الذين يهتمّون بذويهم كلّما تقدّمَ بهم السنّ والمرض. لم يُطرَح هذا الموضوع كثيراً في السينما العربية، رغم كونه منتشراً في كل بيتٍ عربيّ تقريباً. وقد قدَّمته عريضة باحترافٍ عزَّزه حضور الممثلتان الأردنيتان ريم سعادة وسجى كيلاني.

يحضر موضوع المرأة بصراعاتها المجتمعيّة والعاطفية كذلك، في فيلم «عليا» للمخرجة اللبنانية يارا ملكي.

السينما تتذكّر كبار السن

تعود ثيمة التقدّم في السنّ ورعاية الكبار في الفيلم القصير «ما لم تأخذه الشمس» الآتي من تونس. بأسلوبٍ أقرب إلى التوثيق وبلغةٍ سينمائية صامتة، يصوّر المخرج يوسف القرمازي امرأةً تعتني بأختها المسنّة والمريضة. وسط نوستالجيا ما مضى من أيام والقلق من الموت الطالع من سرير الأخت، يمضي الفيلم بإيقاعٍ ينحدر بطيئاً نحو النهاية المحتومة.

مَن يرى «فلاديمير»، وهو بطل فيلم «كل هذا الموت» للمخرج اللبناني فادي سرياني، يظنّ للوهلة الأولى أنّ شخصية الرسوم المتحرّكة العجوز تلك تنتمي إلى عالم الكوميديا. لكن يكفي أن يبدأ الرجل مساره اليوميّ على أرصفة المدينة مقتلعاً أوراق النعي الكثيرة عن جدرانها ومشاركاً في جنائز الغرباء، حتى يُدرِك المُشاهد أنّ الفيلم المتحرّك الصامت لا يمتّ إلى الضحك بصلة. فلاديمير هو ذاكرة مدينةٍ تتلاشى وتكثر فيها التوابيت، والبيوت المُدمَّرة، والكبار الوحيدون المنتظرون موتاً قريباً.

الحرب ومخلفاتها

في «وبركي قصفوا هون الليلة؟» يعرض المخرج والممثل سمير سرياني لليلةٍ في حياة ثنائيّ مقيم في لبنان. هي ليلة من تلك الليالي الكثيرة التي يظلّلها هدير المسيّرات الإسرائيلية، ما ينسكب ذعراً على سمير الخائف من سقوط الزجاج المركّب حديثاً في سقف بيته، على رأسه ورأس زوجته نادين. بأسلوبٍ هو أقرب إلى شاشة الواقع، يتطرّق الفيلم إلى «التروما» وصدمات الحروب التي تنام مع اللبناني في سريره.

والحرب ليست طائرةً معادية فحسب، إنما مُخلّفات قاتلة كثيرة مثل الهجرة غير الشرعية. ويتكرَّر هذا الموضوع في فيلمَي «لا أثر للأفق» الآتي من السودان للمخرجة إيمان الخليفة، حيث يغادر «عمر» بلاده الممزّقة بالحرب. لكن عندما يتّصل بأمّه «نادية» القلقة عليه، يكشف أنه في عرض البحر يصارع عاصفة.

تعود الهجرة غير الشرعية في «بيمو» للمخرجة أمنية هنادر. يطرح الفيلم الجزائري القصير معاناة الغربة والمهاجرين الشرعيِّين وغير الشرعيِّين، من خلال قصة «سهام» التي تنقلب حياتها عندما تعلم أنَّ شقيقها ركب البحر لينضمّ إليها في مرسيليا الفرنسية.

في قضايا النفس والروح

اللافت في مجموعة الأفلام القصيرة المتنافسة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، أنها تُشرّح النفس البشريّة ولا تتردّد في طرح موضوع الأمراض والندوب النفسية. هكذا يفعل فيلم «سالم غير سالم» للمخرج والممثل البحريني عمر فاروق، والفيلم السعودي «الرجل الذي تَعثّر بكلماته» للمخرج مبارك الزوبع. وكِلاهُما يصوّر بجرأة قضيةً كانت تُعَدُّ من المحرّمات حتى أمسٍ قريب. فبطلا الفيلمَين «سالم» و«نايف» يعيشان صراعَين داخليَّين مع آلامٍ غير مرئية تقلب حياتهما رأساً على عقب.

تُستأنف رحلة تفكيك شيفرة النفس، وهي غالباً ما تكون أمّارةً بالسوء، على غرار ما يدور في فيلم «قُمع» للمخرج المصري مارك أيمن. في هذا الفيلم القصير، تتحوَّل قضية رَكن سيارة إلى عداوة شخصية ضارية بين الأستاذ الجامعي «حسن» وعامل الجراج «محمد».

أما في الفيلم الفلسطيني «أنا سعيد لأنك ميت» الحاصل على «السعفة الذهبية» في «مهرجان كان»، فيغوص المخرج توفيق برهوم في دهاليز النفس البشريّة المحمّلة بأثقال الماضي. يروي قصة شقيقَين يعودان إلى جزيرة طفولتهما ليواجها لعنة ذكرياتٍ مؤلمة دفعت أحدهما إلى ارتكاب فعلٍ رهيب. في أولى تجاربه السينمائية، استقى المخرج الفلسطيني الصاعد القصة من الواقع الفلسطيني وحكاية حصلت مع شخصٍ يعرفه.

يذهب عدد من الأفلام القصيرة المشارِكة في «مهرجان عمّان السينمائي» أبعد من الحبكة النفسيّة. تطرح بعض الأعمال موضوع الصوفيّة الذي يلقى رواجاً مؤخراً لدى المخرجين الشباب. يقتبس المخرج المصري عبد الوهاب شوقي رواية الأديب نجيب محفوظ ليقدِّم على طريقته «آخر المعجزات». هي قصة الصحافي «يحيى» الذي يأخذه خطأٌ مهنيّ صغير في رحلةٍ إلى المجهول، ليتحوّل من ساعٍ خلف الخير إلى ساعٍ خلف الروحانيّة والتصوّف. إلّا أنّ تطوّر الأحداث لا يضمن أنّ طريق الرو يتّجه دائماً نحو الأعلى.

صحيح أنّ فيلم «عايشة» للمخرجة المغربية سناء العلوي ينتمي إلى فئة «الرعب السيكولوجي»، إلّا أنه يتطرّق هو الآخر إلى الصوفيّة، بما أنّ البطلة تنضمّ إلى طقسٍ صوفيّ في محاولةٍ لترميم ما تدمَّر بينها وبين ابنتها.

أما في «قبل الظهر» للمخرج المصري مروان الشافعي، فيخوض البطل المراهق «سيف» رحلة تطهّر روحيّة وإنسانية بعد ابتلائه بمأساة شخصية.

الهويّة والجذور والعائلة

في حين يبقى موضوع الهويّة بمثابة خيطٍ مشترك ما بين الأفلام القصيرة كلّها، يبرز هذا الموضوع أكثر في أفلامٍ مثل «مكان أنتمي إليه» للمخرج التونسي يوسف هندوس، و«كاراميل مملّح» للمخرج العراقي مصطفى خلف. أما في «32 B» للمخرج المصري محمد طاهر فتتصدّر القضايا العائلية المشهد، إذ يروي الفيلم القصير يوميات رجل أرمل مع ابنته المراهقة ومعاناته في مقاربة الموضوعات الأنثويّة وإياها.


مقالات ذات صلة

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

يوميات الشرق الفنان إبراهيم الحساوي قدم عديداً من الأعمال السينمائية والدرامية (الشرق الأوسط)

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

أعلن مهرجان «VS-FILM» للأفلام القصيرة جداً، الاثنين، عن تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي عن مجمل أعماله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو» (إدارة المهرجان)

من بيروت إلى غزة... مهند يعقوبي يستعيد أرشيف جوسلين صعب

الفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم عُرض ضمن مهرجان سراييفو (إدارة المهرجان)

بليرتا باشولي: «دوا» يرصد أحلام المراهقين وسط الحرب

قالت المخرجة الكوسوفية بليرتا باشولي إن فيلمها «دوا» يرتبط بحياتها الشخصية، إذ تستند حكايته إلى تجربتها خلال الحرب في كوسوفو.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

وحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Journal of Nutrition Education and Behavior»، المتخصصة في التغذية والعلوم السلوكية، فقد لُوحظ أن مشاهدة مقاطع الفيديو على «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين وتثير اهتمامهم من أجل تجربة أنواع جديدة من المأكولات.

وذكرت الباحثة من جامعة مينيسوتا، أدريانا بيل، أن «المراهقين يصفون (تيك توك) باعتباره بيئة جاذبة للغاية حيث تستحوذ مقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات على اهتمامهم بسرعة، وتثير رغبتهم في تجربة أصناف جديدة من الأطعمة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتؤكد الدراسة أن الآباء يمكنهم توفير الحماية للمراهقين من مخاطر هذه التطبيقات عن طريق متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء، ومدى تأثير هذا المحتوى على سلوكياتهم.

وشملت الدراسة مجموعة من المتطوعين في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 عاماً من إحدى المدارس الثانوية من الغرب الأوسط الأميركي. وكشف المتطوعون في التجربة عن أنهم يشاهدون عدداً كبيراً من المقاطع التي تتناول تقييمات للمطاعم ووصفات للمأكولات، فضلاً عن نصائح وإعلانات بشأن الوجبات اليومية، وأكدوا أن هذه المقاطع تثير شهيتهم نحو تناول بعض الأطعمة والمأكولات.

وبالنسبة إلى المؤثرين على شبكة الإنترنت، ذكر بعض المراهقين في التجربة أنهم قد يرغبون في تناول بعض الأطعمة إذا كان المؤثر الذي يعرضها على الإنترنت يتسم بمظهر جيد.

ونقل الموقع الإلكتروني «هيلث داي»، المتخصص في الأبحاث الطبية، عن الباحثة أدريانا بيل قولها إن «الآباء يلعبون دوراً مهماً في منع التعرض لمقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات، وفتح نقاشات نقدية مع الأبناء بشأن هذا المحتوى».


رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.