جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

مبنى استثنائي يثير دهشة الزوار منذ أكثر من قرنين من الزمن

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
TT

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي يثير دهشة الزوار منذ أكثر من قرنين من الزمن. إنه «جامع شفِتسينغن» أو ما يُعرف باسم «مسجد الحديقة»، وهو مَعلم فريد لا يشبه المساجد التقليدية التي شُيّدت لأداء الشعائر الدينية، بل يمثل قصة معقدة ومثيرة تجمع بين الفن والسياسة والتاريخ والتسامح الثقافي.

فعلى الرغم من مآذنه الشاهقة وقبته الكبيرة وزخارفه العربية الواضحة، فإن هذا المبنى لم يُبنَ في الأصل ليكون مسجداً للصلاة، بل كان جزءاً من رؤية فكرية وفنية ولدت في أوروبا خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في النظرة إلى العالم والثقافات الأخرى.

لقاء التصميم مع الطبيعة (الشرق الأوسط)

تقع مدينة شفِتسينغن بين هايدلبرغ ومانهايم في جنوب غرب ألمانيا، واشتُهرت منذ القرن الثامن عشر بقصرها الصيفي الفخم الذي اتخذه أمراء إقليم بالاتينات مقراً للإقامة والاستجمام.

لم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل كان مشروعاً ثقافياً ضخماً أراد أصحابه من خلاله تجسيد صورة مصغرة للعالم. ولهذا السبب؛ امتلأت حدائقه بالمعابد والآثار الاصطناعية والمنشآت المستوحاة من حضارات متعددة، في محاولة لخلق رحلة فكرية وجمالية للزائر وهو يتنقل بين أرجاء المكان.

وسط هذا المشهد المتنوع برز المسجد بوصفه أكثر المباني إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب مظهره الشرقي، وإنما بسبب الرسالة التي حملها في زمن كانت أوروبا تعيد فيه اكتشاف الشرق والعالم الإسلامي.

تعود فكرة إنشاء المسجد إلى الأمير الألماني كارل تيودور، حاكم إقليم بالاتينات وأحد أبرز رعاة الفنون والثقافة في عصره. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت أوروبا تعيش حالة من الفضول تجاه الشرق، خصوصاً الدولة العثمانية التي كانت تمثل قوة سياسية وثقافية مؤثرة.

المسجد من الخارج (الشرق الأوسط)

انتشرت آنذاك موضة معمارية عُرفت باسم «الطراز التركي» أو «الاستشراق المعماري»، حيث بدأت القصور الأوروبية تستعير عناصر من العمارة الإسلامية والصينية والهندية لتزيين حدائقها ومبانيها.

لكن مشروع شفِتسينغن تجاوز مجرد التقليد الزخرفي. فقد أراد كارل تيودور أن يقدم نفسه بوصفه حاكماً متنوراً يؤمن بالتسامح والانفتاح على الثقافات المختلفة، وهي أفكار كانت تشكل جوهر فلسفة عصر التنوير الأوروبي.

أوكل الأمير المهمة إلى المهندس المعماري الفرنسي نيكولا دو بيغاج، أحد أبرز معماريي البلاط في ذلك الوقت.

بدأ العمل على المشروع عام 1779 واستمر حتى عام 1796، وهي فترة طويلة نسبياً تعكس حجم العناية التي أُعطيت لهذا المبنى.

استلهم بيغاج تصميمه من العمارة العثمانية ومن التصورات الأوروبية عن الشرق الإسلامي، فأنشأ مبنى يتوسطه فضاء مقبب تحيط به أروقة وقاعات جانبية، في حين ترتفع على جانبيه مئذنتان تمنحانه هيئة مسجد حقيقي.

ومن الخارج يبدو المبنى وكأنه قادم من إسطنبول أو إحدى مدن الشرق الإسلامي، غير أن التدقيق في تفاصيله يكشف عن مزيج فريد بين العمارة الأوروبية الباروكية والعناصر الشرقية، في انعكاس واضح للحوار الثقافي الذي كان يطمح إليه مصمموه.

المفارقة الكبرى أن المبنى، رغم اسمه وشكله، لم يُصمم ليكون مسجداً مكتمل الوظائف.

روعة في التصميم (الشرق الأوسط)

فهو يفتقر إلى بعض العناصر الأساسية الموجودة في المساجد التقليدية مثل المحراب والمنبر وموضع الوضوء؛ ما يؤكد أن الغرض الأساسي منه كان رمزياً وجمالياً أكثر منه دينياً.

كان المسجد جزءاً من المشهد البصري للحدائق، ومكاناً للتأمل والاستمتاع بالفن والعمارة، كما كان رسالة سياسية وثقافية تعكس رؤية الأمير للعالم ولعلاقته بالثقافات الأخرى.

ولهذا يعدّه كثير من المؤرخين أحد أوائل النُّصب الأوروبية التي حملت مفهوم الاعتراف بقيمة الديانات غير المسيحية داخل الفضاء الثقافي الأوروبي.

ورغم أنه لم يُبنَ للعبادة، فإن التاريخ منح المسجد فرصة ليؤدي هذا الدور لفترات محدودة.فبعد الحرب الفرنسية البروسية في سبعينات القرن التاسع عشر، نُقل عدد من الجنود والأسرى المسلمين القادمين من شمال أفريقيا إلى مناطق قريبة من شفِتسينغن، وتشير مصادر تاريخية إلى أنهم استخدموا المبنى للصلاة.

كما شهد المكان مناسبات دينية متفرقة خلال العقود اللاحقة؛ ما أضفى عليه بعداً روحياً لم يكن جزءاً من الخطة الأصلية لبنائه.

وهكذا تحوّل المبنى، ولو مؤقتاً، من رمز ثقافي إلى فضاء ديني حقيقي، في مفارقة تاريخية تضيف إلى قصته مزيداً من التميز.

يحمل جامع شفِتسينغن أهمية استثنائية في تاريخ العمارة الأوروبية؛ إذ يُعدّ أقدم مبنى ذي طراز مسجدي في ألمانيا، ومن أندر «مساجد الحدائق» التي ما زالت قائمة في أوروبا حتى اليوم.

وخلال القرنين الماضيين تعرَض المبنى لعوامل الزمن والإهمال، إلا أن السلطات الألمانية أطلقت برامج ترميم واسعة للحفاظ عليه، استمرت سنوات طويلة وأعادت إليه رونقه الأصلي.

واليوم، يبدو المسجد كما لو أنه خرج للتو من القرن الثامن عشر، بألوانه وزخارفه وتفاصيله الدقيقة التي تعكس مهارة البنّائين والفنانين الذين شاركوا في إنشائه.

لا يمكن فهم جامع شفِتسينغن بعيداً عن ظاهرة «الاستشراق» التي طبعت الثقافة الأوروبية في تلك الحقبة.

ففي زمن كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق بوصفه عالَماً غامضاً ومليئاً بالسحر والرمزية، أصبحت العمارة الإسلامية مصدر إلهام للكثير من الفنانين والمهندسين.

لكن مسجد شفِتسينغن يختلف عن كثير من المباني الاستشراقية الأخرى؛ إذ لم يكن مجرد ديكور غريب لإبهار الزوار، بل حمل أيضاً مضموناً فلسفياً يرتبط بقيم التسامح والتعددية والانفتاح على الآخر.

ولهذا السبب ينظر إليه المؤرخون اليوم بصفته شاهداً على لحظة نادرة حاولت فيها النخب الأوروبية بناء جسور فكرية مع العالم الإسلامي بدل الاكتفاء بالنظر إليه من مسافة بعيدة.

في الوقت الحاضر يستقبل قصر وحدائق شفِتسينغن آلاف الزوار سنوياً، ويظل المسجد أكثر معالمه جذباً للانتباه.

فالسائح الذي يتجول بين الأشجار والبحيرات الصغيرة والحدائق الهندسية لا يتوقع أن يعثر فجأة على مسجد ذي مآذن وقبة وسط المشهد الألماني الكلاسيكي.

هذا التناقض البصري هو بالضبط ما يمنح المكان سحره الخاص.

وبينما تغيرت أوروبا والعالم مرات عدّة منذ بناء المسجد، بقيت رسالته الأساسية حاضرة: أن الفن قادر على تجاوز الحدود، وأن العمارة يمكن أن تتحول لغةً مشتركة بين الشعوب والثقافات.

وفي الختام، يمكن لنا القول إن جامع شفِتسينغن ليس مجرد مبنى جميل داخل حديقة ملكية، بل وثيقة تاريخية تحكي قصة علاقة معقدة بين الشرق والغرب في زمن التحولات الفكرية الكبرى.


مقالات ذات صلة

«بيكي بلايندرز» في لندن... تجربة تنقلك إلى عالم «شيلبي» وأجواء برمنغهام القديمة

سفر وسياحة تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)

«بيكي بلايندرز» في لندن... تجربة تنقلك إلى عالم «شيلبي» وأجواء برمنغهام القديمة

يصل عالم مسلسل «بيكي بلايندرز»، الذي تدور أحداثه في مدينة برمنغهام بعد الحرب العالمية الأولى، ويتابع قصة عائلة «شيلبي» وصعودها في عالم الجريمة، إلى قلب لندن...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مطار الملك خالد الدولي بالرياض (مطار الملك خالد)

شركات الطيران تتنافس على «كعكة» أوامر الإركاب السعودية

تدخل سوق الإركاب الحكومي في السعودية مرحلة جديدة من المنافسة مع انضمام مزيد من شركات الطيران إلى الاتفاقيات المخصصة لتلبية احتياجات سفر موظفي الجهات الحكومية.

بندر مسلم (الرياض)
سفر وسياحة دليلك إلى 3 بلدات لبنانية تحتضن أجمل الشواطئ

دليلك إلى 3 بلدات لبنانية تحتضن أجمل الشواطئ

يَزخر لبنان بوجهات سياحية متنوعة تجمع بين البحر والجبل ضمن مسافات قصيرة.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة هل أصبحت السياحة الفضائية جاهزة للانطلاق أخيراً؟

هل أصبحت السياحة الفضائية جاهزة للانطلاق أخيراً؟

في عام 2001، دفع رائد الأعمال الأميركي «دنيس تيتو» ما يناهز 20 مليون دولار مقابل رحلة إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة الفضاء الروسية «سويوز».

ستيفانو مونتالي (نيويورك)
سفر وسياحة فريق عمل في الموقع ضمن بعثات اكتشافات بدأت منذ عقود (الشرق الأوسط)

«أم الدرج» تكشف الحياة الدينية والسياسية لمملكة لحيان

بين صخور صلدة قرب مدخل وادي «ساق» شمال غربي العلا، يقف جبل «أم الدرج» شامخاً، حارساً إرث مملكة لحيان القديمة.

عمر البدوي (الرياض)

«بيكي بلايندرز» في لندن... تجربة تنقلك إلى عالم «شيلبي» وأجواء برمنغهام القديمة

تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)
تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)
TT

«بيكي بلايندرز» في لندن... تجربة تنقلك إلى عالم «شيلبي» وأجواء برمنغهام القديمة

تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)
تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)

يصل عالم مسلسل «بيكي بلايندرز» البريطاني، الذي تدور أحداثه في مدينة برمنغهام بعد الحرب العالمية الأولى ويتابع قصة عائلة «شيلبي» وصعودها في عالم الجريمة والمراهنات، إلى قلب لندن من خلال تجربة غامرة تحمل اسم «بيكي بلايندرز أندروورلد (Peaky Blinders Underworld)»، تنقل الجمهور إلى أجواء عشرينات القرن الماضي، عبر مزيج من التمثيل الحي والموسيقى والطعام والألعاب والتفاعل المباشر مع الشخصيات.

تقع التجربة على مسافة قصيرة من محطة «لندن بريدج»، وتنقسم إلى جزأين؛ الأول: هو «غاريسون تافرن»، الذي يمكن دخوله من دون تذكرة، ويضم موسيقى حية ومقهى. ويتجول ممثلون يؤدون أدوار شخصيات من عالم العصابة بين الزوار؛ مما يمنح المكان أجواء مسرحية تتجاوز مجرد الديكور.

تجربة مثيرة لمحبي المسلسل (غيتي)

أما الجزء الثاني، فيتطلب حجزاً مسبقاً، ويمنح الزوار نحو ساعة لاستكشاف نسخة مفصلة من حي سمول هيث، بما يضمه من أزقة ومحال ومقاهٍ وساحة مخصصة للألعاب.

وتقوم التجربة على مهمتين رئيسيتين: الأولى محاولة الكشف عن هوية شخص يسرّب المعلومات إلى رجل العصابات اللندني «داربي سابيني»، من خلال العثور على 5 أدلة مخفية. والثانية جمع معلومات عن شحنات «أَلْفِي سولومونز» بهدف الحصول على خصم على الشحنة التالية.

المهمتان ليستا معقدتين، ويمكن إنجازهما خلال الوقت المحدد، لكنهما لا تقودان إلى تطورات درامية كبيرة. وهنا تبدو إحدى نقاط الضعف في التجربة؛ فالمكان مليء بالممثلين القادرين على الارتجال والتفاعل مع الجمهور، إلا إن قرارات الزائر لا تترك أثراً واضحاً في مسار القصة.

في المقابل، تبدو الأجواء والتفاصيل البصرية من أقوى عناصر الـ«أندروورلد (Underworld)»، فالشوارع المرصوفة بالحجارة، والدخان، واللافتات، والملابس والموسيقى، إلى جانب الألعاب الشعبية والجوائز الصغيرة، تساعد على خلق عالم مقنع يَشعر الزائر معه بأنه دخل فعلاً إحدى حلقات المسلسل.

مشهد من مسلسل «بيكي بلايندرز» البريطاني (غيتي)

وتبدو أحياناً التفاعلات العفوية مع الشخصيات، والبحث في الأزقة والزوايا المخفية، أمتع من إنجاز المهام نفسها.

تقدم الـ«بيكي بلايندرز أندروورلد (Peaky Blinders Underworld)» تجربة لافتة لمحبي المسلسل، خصوصاً بفضل تصميم المكان والتمثيل الحي والتفاصيل الدقيقة. إلا إن قوة التجربة تكمن في الأجواء أكثر من القصة. وبالنسبة إلى من يبحث عن مغامرة تفاعلية تتغير أحداثها وفقاً لقراراته، فقد تبدو التجربة أقل عمقاً مما يوحي به عالمها الغني.

أما محبو «بيكي بلايندرز»، فسيجدون فيها فرصة ممتعة للابتعاد عن الشاشة والدخول، ولو ساعة، إلى عالم «شيلبي» وشوارعه وشخصياته.

«بيكي بلايندرز» مسلسل بريطاني تدور أحداثه في مدينة برمنغهام بعد الحرب العالمية الأولى، ويتابع قصة عائلة «شيلبي» وصعودها في عالم الجريمة والمراهنات. عُرف المسلسل بأجوائه المميزة وشخصياته القوية، وعلى رأسها «توماس شيلبي».


دليلك إلى 3 بلدات لبنانية تحتضن أجمل الشواطئ


أجواء رائعة للغروب والجلوس أمام الأمواج (أ.ف.ب)
أجواء رائعة للغروب والجلوس أمام الأمواج (أ.ف.ب)
TT

دليلك إلى 3 بلدات لبنانية تحتضن أجمل الشواطئ


أجواء رائعة للغروب والجلوس أمام الأمواج (أ.ف.ب)
أجواء رائعة للغروب والجلوس أمام الأمواج (أ.ف.ب)

يَزخر لبنان بوجهات سياحية متنوعة تجمع بين البحر والجبل ضمن مسافات قصيرة. وهي ميزة ترافق الزائر؛ إذ يستطيع أن يجول في مناطقه، مختاراً أكثر من وجهة للتعرّف إليها في يوم واحد. وأحياناً يكون لديه إمكانية الاستمتاع بيومٍ كاملٍ يقضيه صباحاً على البحر ومساءً في الجبل.

People bathe at the beach of a resort in Lebanon's northern village of Thoum on July 12, 2023. (Photo by JOSEPH EID / AFP)

ويُعدّ الساحل اللبناني من الشمال إلى الجنوب وجهة سياحية متكاملة، تتنوّع فيها الخيارات بين الشواطئ الرملية والصخرية والمنتجعات البحرية والمسابح، إلى جانب المقاهي والمطاعم التي تنتشر بمحاذاة البحر. كما تتميّز كل منطقة بخصوصيتها، فتجمع بعض البلدات بين البحر والآثار والتراث، فيما تستقطب أخرى الزوار بما توفره من أجواء صيفية وحياة ليلية ونشاطاتٍ بحرية، ما يجعل الساحل مقصداً مناسباً لرحلات قصيرة ومتنوعة.

وقد اخترنا لك 5 وجهات لبلدات تقع على الساحل وتتمتع كل منها بإيقاعها السياحي الذي يناسب أفراد العائلة الواحدة كما مجموعة أصدقاء.

بحر أنفه من الوجهات السياحية الجميلة في لبنان (الشرق الأوسط)

بلدة عمشيت: جارة التاريخ والطبيعة

تتميز بلدة عمشيت بموقعها الفريد على ساحل قضاء جبيل شمالي بيروت بنحو 37 كيلومتراً، وتعرف بـ«عروسة البلاد الجبيليّة». تجمع البلدة بين سحر البحر والأبنية التراثية العريقة والمحيط الطبيعي الأخضر. وتعدُّ وجهة سياحية وثقافية بارزة في لبنان. تحيط ببيوتها أشجار النخيل والبساتين، وتتميز بشاطئ صخري رائع على البحر الأبيض المتوسط، وتضم بيوتاً قديمة ذات هندسة معمارية لبنانية تقليدية، وعقود حجرية جميلة. تشتهر بساحتها الفسيحة المعروفة بـ«ساحة الجيش اللبناني»، كما تحتفظ بأزقة تراثية هادئة ونظيفة تعكس أصالة القرى اللبنانية.

مائدة طعام غنية بالمأكولات البحرية (إنستغرام)

ويتميز شاطئ عمشيت بكونه واحداً من أجمل الشواطئ اللبنانية وأكثرها تميزاً، ويجمع بين نظافة مياهه، وطبيعته الصخرية الخلابة، وكونه بمعظمه شاطئاً عاماً ومتاحاً للجميع مجاناً. كما يضم تكوينات صخرية ومناظر بحرية ساحرة تناسب الاسترخاء والجلوس. ويستطيع زائرها القيام بنشاطات على طول كورنيشها البحري، فطبيعتها الجغرافية التي تجمع بين الشاطئ الصخري والجبال القريبة يجعلها مركزاً حيوياً لممارسة رياضات بحرية كالسباحة والغطس الحر. وتمنحك طبيعة شاطئ عمشيت الصخرية مياهاً عميقة وصافية جداً. وهي مثالية للرياضتين المذكورتين. ويمكن استكشاف المغاور البحرية الطبيعية، ورؤية السلاحف البحرية التي تمر أحياناً بالمنطقة. ومن النشاطات الأخرى التي يمكن ممارستها التجديف بالكاياك (قوارب الكاياك أو ألواح التجديف وقوفاً).

أنفه: نحن والبحر جيران

تقع أنفه على ساحل قضاء الكورة في محافظة الشمال، على بُعد 65 كيلومتراً شمال بيروت. وتُعرف بـ«اليونان الصغيرة» أو «أنفوريني» لشبهها بجزيرة سانتوريني ببيوتها البيضاء وزرقة بحرها. تشتهر بشاطئها الصخري الجميل، وملاحات استخراج الملح التاريخية، وبرأسها البحري الممتد في المياه.

غالباً ما يقصدها الزوار لممارسة السباحة وصيد الأسماك. في مجمعاتها السياحية يمكنك تمضية يوم كاملٍ وتناول الأطعمة البحرية.

بيكسلز

تصطف مطاعمها على شاطئ البحر بشكل متلاصق. ويمكن الوصول إليها عبر سلالم حجرية أو أزقة ضيقة. ومن أشهر مطاعمها «شي فؤاد» و«سليم سير مير» و«سمكة جرجي الضيعة». ومن خلال بيوت الضيافة التي تتوزع على مساحاتها يمكن لزائرها تمضية إقامة جميلة ومسلية، من بينها «بيت لور» و«إسكندر غيست هاوس» و«مرسة بي إن بي». وجميعها تقع على بعد خطوات قليلة من شاطئ البحر.

بيكسلز

الدامور وأفضل مشهد لغروب الشمس

تعدّ الدامور مدينة ساحلية مميزة في قضاء الشوف جنوب بيروت. تشتهر بشمسها الساطعة، ومياه بحرها الزرقاء، ومطاعمها البحرية. كما أن نسيمها العليل يجعلها وجهة صيفية مفضلة للرّاحة والاستجمام على شاطئ المتوسط.

يقصدها الزوار سعياً وراء الاستمتاع بطقس معتدل وممشى ساحلي دافئ. فيها منتجعات ومسابح تطل مباشرة على البحر. كما تتميز بأجواء رائعة للغروب والجلوس أمام الأمواج، وتشتهر بالسهول الخضراء المزروعة بالموز والحمضيات.

بيكسلز

يمكنك قضاء يومٍ في الدامور يجمع بين الطبيعة الخضراء، والبحر، والتاريخ. تبدأ صباحك بترويقة لبنانية قرب النهر أو الساحل، ومن ثم زيارة الجسر الأثري القديم الذي غنت له الراحلة صباح «على جسر الدامور». هناك يحلو للناس التقاط صور تذكارية تحملها معها من هذه الزيارة، بعدها يمكنك الاستمتاع بالسباحة والاسترخاء على شواطئ الدامور أو في أحد المنتجعات الترفيهية العائلية. ولا يمكن اختتام النهار إلا بالجلوس أمام منظر مغيب الشمس الرائع وتناول طعام العشاء من المأكولات البحرية الطازجة في أحد مجمعاتها السياحية.


هل أصبحت السياحة الفضائية جاهزة للانطلاق أخيراً؟

رحلة تجريبية لشركة "فيرجين غالاكتيك" (أ.ف.ب)
رحلة تجريبية لشركة "فيرجين غالاكتيك" (أ.ف.ب)
TT

هل أصبحت السياحة الفضائية جاهزة للانطلاق أخيراً؟

رحلة تجريبية لشركة "فيرجين غالاكتيك" (أ.ف.ب)
رحلة تجريبية لشركة "فيرجين غالاكتيك" (أ.ف.ب)

في عام 2001، دفع رائد الأعمال الأميركي «دنيس تيتو» ما يناهز 20 مليون دولار مقابل رحلة إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة الفضاء الروسية «سويوز»، ليصبح رسمياً أول سائح فضائي في العالم.

وقال تيتو، من سهوب كازاخستان، بعد عودته إلى الأرض: «لقد كانت 8 أيام من السعادة الغامرة».

وبعد مرور 25 عاماً، فإن الضجة المحيطة بالطرح العام الأولي لأسهم شركة «سبيس إكس»، إلى جانب النجاح الأخير الذي حققته بعثة «أرتيمس 2» التابعة لوكالة «ناسا»، جعلت الناس يحلمون بالسفر إلى الفضاء مجدداً.

وتبدو الساحة الحالية للسياحة الفضائية الحديثة أكثر ازدهاراً وتجارية مما كانت عليه عندما حلَّق تيتو. فمن ناحية، تهيمن عليها شركات خاصة يقودها مليارديرات: إذ تقود الطريق شركة «فيرجين غالاكتيك» التابعة لريشارد برانسون، و«سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك، و«بلو أور يجين» التابعة لجيف بيزوس، على الرغم من أن خططهم قصيرة المدى قد تباينت في الأشهر الأخيرة.

مجموعة من المسافرات من بينهن لورا سانشيز وكايتي بيري أمام مركبة "نيو شيبارد" (إ.ب.إ)

وحتى هذا العام، سافر نحو 140 شخصاً إلى الفضاء كسائحين، أغلبهم في رحلات قصيرة من وإلى حافة الغلاف الجوي. بيد أن الخطط الأوسع نطاقاً لرحلات فضائية أكثر طموحاً - وهي الرحلات التي تأخذ الركاب في رحلات أطول بداخل المدار - لم تتحقق بعد باستثناء حفنة من الحالات الخاصة التي مولها مليارديرات. وفي الوقت نفسه، تعرقل تطوير سوق أوسع للسياحة الفضائية بسبب التأجيلات، والارتفاع المتزايد في التكاليف، وتغير الأولويات لدى الحكومات والشركات.

وإليكم ما يجب معرفته عن الوضع الحالي للسياحة الفضائية والوجهة التي قد تتجه إليها.

في الوقت الراهن، فإن الغالبية العظمى من الرحلات الفضائية التجارية هي رحلات دون مدارية، وتعد شركة «فيرجين غالاكتيك» التابعة لبرانسون هي المزود الرئيسي لها. وفي رحلة ذهاب وإياب تستغرق نحو 90 دقيقة، يصعد السائحون إلى نقطة قريبة من «خط كارمان»، وهو الحد المعترف به دولياً للفضاء، والذي يقع على ارتفاع نحو 62 ميلاً فوق مستوى سطح البحر، حيث يختبرون بضع دقائق من انعدام الوزن.

"بلو أور يجين" التابعة لجيف بيزوس (غيتي)

وقد حلقت رائدة الفضاء «جميلة غيلبرت» على متن آخر رحلة تجريبية لشركة «فيرجين غالاكتيك» قبل أن تشرع في تقديم خدماتها التجارية من عام 2023. وفي مقابلة أجريت معها مؤخراً، قالت إنها تتذكر فك حزام الأمان والطفو داخل الكابينة بينما تلوح الأرض بشكل ساحر خارج نافذتها، وأضافت: «كل ما عرفته طوال حياتك قد عاش داخل حدود هذا الكوكب، وفجأة تجد نفسك تتطلع إليه من الأعلى».

وقبل الرحلة إلى الفضاء، يتعين على السائحين الخضوع لتدريب مدته 3 أيام في ميناء الفضاء «سبيس بورت أميركا» التابع للشركة في ولاية نيومكسيكو، والذي يتضمن فحوصات طبية، وإيجازات عن المهمة، وإعدادات بدنية ونفسية.

وفي يوم الإطلاق، تحلق طائرة حاملة تابعة لشركة «فيرجين غالاكتيك» تُدعى «فيرجين ماذر شيب» لمدة 50 دقيقة تقريباً لتصل إلى ارتفاع نحو 50 ألف قدم، قبل أن تطلق مركبة الفضاء الملحقة بها والتي ستنقل الركاب في بقية الطريق إلى «خط كارمان».

وقالت غيلبرت: «عندما تغادر الغلاف الجوي، تجد نفسك فجأة في أكثر الأماكن هدوءاً وصمتاً في حياتك».

وقد نقلت شركة «فيرجين غالاكتيك» 32 راكباً إلى الفضاء منذ عام 2018. وكان سعر التذكرة في البداية 200 ألف دولار، ثم أخذ في الارتفاع المطرد منذ ذلك الحين. وبعد توقف دام عامين، استأنفت الشركة بيع التذاكر هذا العام بسعر يصل إلى 750 ألف دولار للمقعد الواحد. وفي هذا الصيف، تختبر الشركة سفينتها الفضائية الجديدة، والتي ترفع سعة الركاب إلى 6 أشخاص بدلاً من 4، ومن المتوقع استئناف الرحلات دون المدارية بحلول نهاية العام.

من المنتظر أن تكون الرحلات متاحة ابتداء من العام المقبل (رويترز)

وهناك نحو 650 راكباً ينتظرون دورهم على متن رحلات «فيرجين غالاكتيك». ولكن إذا سارت الأمور وفقاً للخطة، فمن المتوقع أن يسافر معظمهم بحلول عام 2027 أو 2028، حيث ذكرت الشركة أنها تخطط لامتلاك القدرة على نقل 750 راكباً إلى الفضاء سنوياً.

وقالت «كلير بيلي»، نائبة الرئيس لعمليات رواد الفضاء: «لدينا أشخاص أرادوا السفر إلى الفضاء طوال حياتهم، بما في ذلك بعض الذين شاهدوا الهبوط على سطح القمر وقالوا: سأفعل ذلك يوماً ما». وأضافت أن عملاء الشركة يجمعهم قواسم مشتركة من القيم والأهداف الحياتية أكثر مما تجمعهم تركيبة ديموغرافية معينة، مشيرة إلى أن قائمة الانتظار تضم ممثلين عن 60 دولة حول العالم.

وتُقدر الشركة أن نحو 300 ألف شخص حول العالم يمتلكون القدرة المالية المناسبة والرغبة في المشاركة في رحلة دون مدارية، وهو رقم يتوقع مسؤولو الشركة أن ينمو بنسبة 8 في المائة سنوياً.

وذكرت شركة «فيرجين غالاكتيك» أنها تخطط لزيادة إمكانية الوصول إلى رحلات الفضاء دون المدارية بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة مع إضافة رحلات جديدة؛ حيث يجري بناء العديد من المركبات الفضائية الإضافية، وهناك خطط لإنشاء ميناء فضائي آخر على الأقل في أوروبا أو الشرق الأوسط.

وقالت غيلبرت: «تماماً كما أن تسلق قمة إيفرست لن يكون مناسباً للجميع، فإن الطيران إلى الفضاء لن يكون كذلك أيضاً؛ لكن خيار خوض هذه التجربة، والذي لم يكن متاحاً من قبل على الإطلاق، أصبح قائماً وحقيقياً الآن».

وقد يتجه آخرون إلى الانسحاب من قطاع السياحة الفضائية؛ إذ أعلنت شركة «بلو أوريجين»، المنافسة لشركة بيزوس، بعد إتمام رحلتها دون المدارية الناجحة رقم 38 في يناير (كانون الثاني) الماضي، أنها ستوقف مؤقتاً برنامجها الخاص للركاب على متن مركبة «نيو شيبارد» لمدة عامين على الأقل. وقالت الشركة إنها تعتزم، بتعليق عملياتها دون المدارية، التركيز بدلاً منها على بناء صاروخ مداري وتطوير مركبة هبوط على سطح القمر لصالح وكالة «ناسا».

وعلى عكس شركة «فيرجين غالاكتيك»، التي تقلع مركباتها مثل الطائرات العادية، فإن صواريخ «بلو أوريجين» تنطلق عمودياً، وتستغرق رحلاتها دون المدارية نحو 11 دقيقة. وقد سافر ما مجموعه 92 شخصاً إلى الفضاء على متن صاروخ «نيو شيبارد» القابل لإعادة الاستخدام، والذي يحلق بشكل ذاتي القيادة.

ومقارنة بالرحلات دون المدارية، فإن الرحلات المدارية تعد أكثر تعقيداً من الناحية التقنية بكثير، وتتطلب وصول المركبات الفضائية إلى سرعات أعلى بشكل ملحوظ.

وتقدم شركة «سبيس إكس» للمسافرين فرصة دخول المدار على متن المركبة «كرو دراغون»، والتي رُوِّج لها بوصفها «أول مركبة فضائية خاصة تنقل البشر إلى المحطة الفضائية». وتستغرق هذه الرحلات الخاصة من 3 إلى 6 أيام، وتتطلب ما يصل إلى 9 أشهر من التدريب المكثف، وتبلغ تكلفتها نحو 200 مليون دولار لـ4 ركاب. وحتى الآن، خاض هذه الرحلة نحو 24 سائحاً، من بينهم أحد أقطاب العملات الرقمية، وملياردير في مجال التجارة الإلكترونية، وصديق للفائز في إحدى مسابقات الجوائز. (وعلى غرار «بلو أوريجين»، تعمل «سبيس إكس» أيضاً على بناء مركبة هبوط على سطح القمر لصالح وكالة «ناسا»، وإن كانت السياحة القمرية لا تزال في مراحل التخطيط الأولية فقط).

وقد نقلت شركة «أكسيوم سبيس»، ومقرها هيوستن، أكثر من 20 راكباً من القطاع الخاص منذ عام 2022 على متن صواريخ «سبيس إكس» للإقامة في محطة الفضاء الدولية. وتتراوح أسعار التذاكر بين 55 مليوناً و65 مليون دولار للمقعد الواحد، وتستمر الرحلات لفترات تصل إلى نحو أسبوعين. وتتنافس «أكسيوم» أيضاً على بناء بديل للمحطة الفضائية الدولية - حيث تخطط وكالة «ناسا» وشركاؤها الدوليون لإخراج المحطة الحالية من الخدمة في نهاية عام 2030 - لتكون أول محطة فضاء تجارية في العالم.

ويتوقع بعض الخبراء، مثل «راشيل فو»، أستاذة السياحة والضيافة في جامعة فلوريدا، أن تصبح مجموعة كبيرة من التجارب السياحية متاحة في السنوات المقبلة، بما في ذلك الفنادق المدارية، ومختبرات الأبحاث، والبعثات القمرية.

بينما يتوقع آخرون أنه مع بدء عمل المزيد من الكيانات في الفضاء، فإن وجود منظومة بيئية أكثر ازدحاماً سيفرض تحديات جديدة، بما في ذلك كيفية تعايش الدول والشركات هناك.

وقالت فو إن السؤال الحاسم لم يعد «هل يمكننا الذهاب؟» بل أصبح: «هل يمكننا البقاء والعمل والازدهار؟».

*خدمة «نيويورك تايمز»