بعد توقف إعلان إيرادات السينما المصرية يومياً منذ الأسبوع الماضي، بسبب رغبة بعض المنتجين في عدم الكشف عن تفاصيل عائدات أفلامهم، إلى جانب التضارب الواضح في الأرقام المعلنة والسجالات التي شهدها موسم الصيف بين صناع الأعمال، بدأ فنانون مصريون في إبراز إيرادات أفلامهم في دول الخليج العربي، بدلاً من الحديث عن نتائجها في شباك التذاكر المصري.
وبلغ سجال «الأعلى إيراداً» ذروته مع تلاسن غير مباشر بين محمد إمام، بطل فيلم «صقر وكناريا»، وأحمد العوضي، بطل فيلم «شمشون ودليلة»، حول العمل المتصدر لشباك التذاكر. وفي الوقت نفسه، استقبلت دور العرض خلال الشهر الحالي عدداً من الأفلام، من بينها «خلي بالك من نفسك» الذي جمع بين ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا في أول تعاون سينمائي بينهما.

وفي الوقت الذي التزم فيه أحمد العوضي الصمت، ولم ينشر أي أخبار عن إيرادات فيلمه خلال الأيام الأخيرة، عبّر محمد إمام الأسبوع الماضي عن سعادته بتجاوز فيلمه حاجز 12 مليون ريال خلال أول 4 أسابيع من عرضه في السعودية. كما نشرت ياسمين عبد العزيز عدداً من التدوينات عبر حسابها على «فيسبوك» حول تصدر فيلمها شباك التذاكر في عدد من الدول العربية، من بينها السعودية والكويت والعراق. ولم يقتصر الاحتفاء بالأرقام الخليجية على منافسة فيلمي إمام والعوضي، إذ امتد الأمر إلى أعمال أخرى خلال الموسم.
من جانبها، أعادت الفنانة ليلى علوي، التي يُعرض لها فيلم «ابن مين فيهم»، نشر أرقام إيرادات الأفلام في السعودية، بعد احتلال فيلمها المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي خلال أول أسبوعين من عرضه. ويشاركها بطولة الفيلم بيومي فؤاد، وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي، مع ظهور عدد من الفنانين بصفتهم ضيوف شرف.
ويرى الناقد الفني خالد محمود أن ما يحدث في ملف إيرادات السينما المصرية يكشف عن أزمة حقيقية، مشيراً إلى أن غياب جهة رسمية تتولى إصدار إحصاءات دقيقة ومنتظمة أدى إلى حالة من العشوائية والارتباك، وهو أمر لا يتناسب مع صناعة بحجم السينما المصرية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الصناعات السينمائية الكبرى تعتمد على مؤسسات أو جهات مستقلة تعلن الأرقام بصورة يومية أو أسبوعية، بما يضمن الشفافية ويحدّ من الجدل في حجم الإيرادات أو ترتيب الأفلام في شباك التذاكر.

ورأى محمود أن إسناد مسؤولية إعلان الإيرادات إلى المنتجين أو الموزعين أفقد الأرقام المتداولة جزءاً كبيراً من مصداقيتها، إذ يسعى كل طرف إلى إبراز نجاح فيلمه من وجهة نظره الخاصة، ما يفتح الباب أمام تضارب البيانات وتعدد الروايات. وأشار إلى أن «المنافسة بين صناع الأفلام تحولت في بعض الأحيان إلى سباق لإثبات من هو الأعلى إيراداً، بدلاً من التركيز على القيمة الفنية للأعمال وتأثيرها لدى الجمهور، وهو ما ينعكس سلباً على صورة السينما المصرية أمام الجمهور ووسائل الإعلام».
وشدَّد خالد محمود على أن استمرار هذا الوضع ستكون له آثار بعيدة المدى على صناعة السينما، موضحاً أن غياب سجل رسمي للإيرادات يعني فقدان جزء مهم من الذاكرة الاقتصادية للسينما المصرية، ويجعل من الصعب لاحقاً توثيق نجاح الأفلام أو إجراء دراسات دقيقة حول تطور السوق. وأكد أن الحل ليس معقداً، بل يبدأ بإنشاء جهة موثوقة تعتمد على بيانات بيع التذاكر الفعلية، وتعلن الإيرادات بصورة دورية وشفافة، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف، ويعيد الثقة إلى منظومة شباك التذاكر، ويضع حداً للجدل المتكرر في الأرقام.
وهو رأي يدعمه الناقد الفني محمد عبد الرحمن، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة الأساسية تتمثل في غياب جهة رسمية تتولى إعلان إيرادات شباك التذاكر داخل مصر، مما فتح الباب أمام تضارب الأرقام وتعدد الروايات». وأشار إلى أن «هذا الفراغ دفع المنتجين والنجوم إلى البحث عن بديل لإثبات نجاح أفلامهم، فوجدوا في السوق السعودية مرجعاً أكثر وضوحاً، بعدما أصبحت خلال السنوات الأخيرة مصدراً رئيسياً لإيرادات الفيلم المصري، وسوقاً قادرة على تعويض تعثر بعض الأعمال في شباك التذاكر المحلي».

وأضاف أن «استثمار النجوم لإيرادات أفلامهم في السعودية لا يعكس فقط أهمية هذه السوق، بل يؤكد أيضاً أنها باتت مؤشراً رئيسياً لقياس نجاح الأفلام في المرحلة الحالية»، ولفت إلى أن بعض الأعمال التي لم تُحقق النتائج المأمولة في مصر استطاعت تسجيل إيرادات كبيرة في المملكة، في حين يستخدم بعض الفنانين هذه الأرقام للرد على منافسيهم ومنتقديهم، والتأكيد على أن الجمهور في السعودية، سواء من السعوديين أو المصريين المقيمين أو الجاليات العربية، لديه تقييم مختلف للأفلام.
ويرى عبد الرحمن أن «تحويل الإيرادات إلى وسيلة للمفاخرة أو لتبادل الرسائل بين النجوم أمر مؤسف ويضر بصناعة السينما، لأن المنافسة تتحول من جودة الأفلام وتأثيرها إلى سباق على الأرقام». ورأى أن «الأكثر إثارة للدهشة هو استمرار اعتقاد بعض المنتجين والنجوم بأن إخفاء الإيرادات داخل مصر يمثل حلاً، في حين أن غياب البيانات الرسمية يؤدي إلى اتساع دائرة التكهنات والتشكيك؛ فالشفافية والإعلان المنتظم عن الإيرادات هما الطريق الطبيعي لحماية مصداقية السوق السينمائية المصرية».
