عندما تضرب موجة حر مدمرة أو إعصار أو فيضان أو حريق غابات، غالباً ما يرغب الناس في معرفة الإجابة عن السؤال: إلى أي مدى ساهم تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في هذا الحدث، إن كان له دور أصلاً؟ كما كتب كيفن تي. سمايلي، وديتي سينغ، وجينيفر مارلون، وجيم هوريل*.
إجابات تستند إلى أسس علمية
لسنوات كثيرة، لم يكن بوسع العلماء الإجابة عن هذا السؤال إلا بعبارات عامة؛ فقد كانوا يدركون أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يزيد من وتيرة أو شدة بعض أنواع الظواهر الجوية المتطرفة، ولكن تحديد تأثيره على حدث بعينه كان أمراً أكثر صعوبة بكثير.
أما اليوم، فيمكن للباحثين تقديم إجابة تستند إلى أسس علمية تقيّم ما إذا كان تغير المناخ قد جعل موجة الحر أكثر حرارة، أو زاد من كمية الأمطار المصاحبة لإعصار ما، أو فاقم من حدة الجفاف. ومع ذلك، فإن الإجابات ليست دائماً مباشرة، كما أنها لا تتمتع بالقدر نفسه من اليقين لكل نوع من أنواع الظواهر المتطرفة.
لقد شاركنا في لجنة ضمت 14 عضواً تابعة لـ«الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب»، التي أعدت تقريراً جديداً يستعرض واقع هذا المجال المتطور بسرعة، والمعروف باسم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» (علم «عَزْو الظواهر المناخية»).
ويخلص التقرير إلى أن التقدم المحرز في بيانات الطقس والمناخ، والنماذج المناخية، وطرق تحديد المسببات، قد عزز بشكل كبير قدرة العلماء على تقييم تأثير تغير المناخ على كثير من أنواع الظواهر المتطرفة، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على القيود العلمية المهمة.

كيف يمكن للعلماء دراسة حدث بعينه؟
تنتج الظواهر الجوية عن عوامل متفاعلة كثيرة، بما في ذلك حالة الغلاف الجوي اليومية. ولا يطرح العلماء الذين يجرون دراسات حول «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» سؤالاً عما إذا كان تغير المناخ هو السبب في حدوث إعصار أو موجة حر أو فيضان؛ بل يسألون بدلاً من ذلك عن كيفية تأثير تغير المناخ على ذلك الحدث: كيف كان سيختلف هذا الحدث في عالم خالٍ من زيادة غازات الاحتباس الحراري؟ وكيف تغيرت احتمالات وقوعه نتيجة للاحترار المناخي؟
نهجان متكاملان
ويجيب الباحثون عن هذا السؤال باستخدام نهجين متكاملين:
• النهج الأول يقارن بين معدل تكرار هذا النوع من الأحداث -على سبيل المثال، هطول أمطار غزيرة للغاية تسبب فيضانات- في مناخ اليوم، وبين معدل تكراره المحتمل في مناخ خالٍ من التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.
• أما النهج الثاني فيبحث في كيفية تغيير تغير المناخ لخصائص الحدث الذي وقع بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، يدرس النهج ما إذا كان الإعصار قد تسبب في هطول أمطار أكثر غزارة، أو ما إذا كانت موجة الحر قد أصبحت أشد حرارة نتيجة لارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي.
ويجمع كلا النهجين بين بيانات الطقس والمناخ، والفهم الفيزيائي لآلية عمل النظام المناخي، والنماذج الحاسوبية. يمكن للعلماء مقارنة النتائج المستمدة من مناهج متعددة لتحديد ما إذا كانت تشير إلى الاستنتاج نفسه، ولتقييم مدى الثقة التي يمكن وضعها في هذه النتائج.
على سبيل المثال، خلصت دراسات تناولت إعصار «هارفي» -الذي أدى إلى هطول أمطار بلغ منسوبها 50 بوصة في أجزاء من منطقة مدينة هيوستن عام 2017 وتسبب في فيضانات واسعة النطاق- إلى أن تغير المناخ زاد من كمية الأمطار التي أنتجها الإعصار. وتوصلت دراسات متعددة، استخدمت مناهج مختلفة، إلى استنتاجات متسقة إلى حد بعيد؛ ما يوضح كيف يمكن للعلماء الذين يجرون دراسات «نسب الظواهر إلى أسبابها» تعزيز الثقة في استنتاجاتهم من خلال الاستناد إلى مسارات مستقلة عدة من الأدلة.
درجة ثقة العلماء تتفاوت باختلاف نوع الظاهرة المناخية
من أهم استنتاجات التقرير أن علم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها المناخية»، لا يمتلك القدرة ذاتها على تقييم جميع أنواع الظواهر الجوية المتطرفة؛ إذ تكون درجة الثقة في أعلى مستوياتها بالنسبة للظواهر التي تكون علاقتها بالمناخ الآخذ في الاحترار مفهومة جيداً، وممثلة بدقة في النماذج المناخية.
وتُعد موجات الحر الشديد المثال الأوضح على ذلك؛ فمع ازدياد تركيزات غازات الاحتباس الحراري نتيجة حرق الوقود الأحفوري، شهدت كل منطقة في العالم تقريباً تكراراً أكبر واشتداداً في حدة موجات الحر المتطرفة. ويدرك العلماء كيف تؤدي زيادة غازات الاحتباس الحراري إلى تسخين الغلاف الجوي، وزيادة احتمالية حدوث موجات الحر المتطرفة وشدتها، ما يتيح عزو كثير من موجات الحر الفردية إلى تغير المناخ بدرجة عالية من الثقة.
كما أن درجة الثقة مرتفعة نسبياً عند عزو مساهمة تغير المناخ في ظواهر هطول الأمطار الغزيرة واسعة النطاق، والأعاصير المدارية، وحالات الجفاف في بعض المناطق؛ فالغلاف الجوي الأكثر دفئاً يميل إلى امتصاص مزيد من الرطوبة، ما يفاقم حالات الجفاف، ويؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة عند تشكل العواصف.
أخطار جوية يصعُب ربطها بالتغيرات المناخية
في المقابل، لا تزال مسألة تقييم دور تغير المناخ في مخاطر جوية أخرى أكثر صعوبة؛ إذ تعتمد العواصف الرعدية الشديدة، والأعاصير القمعية (التورنادو)، وتساقط حبات البرد الكبيرة، والرياح الخطيرة المستقيمة (غير الدوارة) على عمليات جوية تحدث على نطاق ضيق، وهي عمليات لا تزال النماذج المناخية العالمية تواجه صعوبة في تمثيلها بدقة.
وعلاوة على ذلك، فإن البيانات المتعلقة بهذه الظواهر تكون أقل اكتمالاً، ما يزيد من صعوبة رصد التغيرات طويلة الأمد وتقييم دقة النماذج المناخية.
وتزداد بعض الظواهر تعقيداً؛ فعلى سبيل المثال، قد تحدث ظواهر متعددة في آن واحد أو بشكل متتابع، ما يؤدي إلى تأثيرات تراكمية أو متسلسلة، مثل الجفاف الذي يفاقم مخاطر حرائق الغابات. ولا يزال علم «عزو الظواهر المناخية» في بداياته فيما يتعلق بأخذ هذه التفاعلات في الحسبان.
ولا تعني هذه التحديات أن تغير المناخ ليس له أي تأثير على هذه الظواهر؛ بل إنها تعكس مبدأً علمياً جوهرياً: وهو أن مستوى الثقة يعتمد على قوة الأدلة المتاحة.
ويساعد فهم كيفية تأثير تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة، المجتمعات والشركات والحكومات، على تقييم المخاطر المتغيرة بشكل أفضل، وتحسين التخطيط والبنية التحتية، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن الاستعداد والتكيف. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن معرفة مواضع انخفاض مستوى الثقة تساعد في ضمان أن تظل القرارات مرتكزة على قوة الأدلة العلمية المتاحة.
لماذا يتحسن أداء علم «نسبة الظواهر إلى مسبباتها»؟
لقد أحرز العلم المعني بنسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها تقدماً كبيراً منذ آخر تقييم أجرته «الأكاديميات الوطنية» (National Academies) لهذا المجال في عام 2016؛ إذ أصبح بإمكان الباحثين الآن الوصول إلى سجلات رصد أطول وأكثر دقة، مستمدة من محطات الأرصاد الجوية والأقمار الاصطناعية وأنظمة المراقبة الأخرى. كما أصبحت النماذج المناخية أكثر تطوراً وقدرة على تمثيل العمليات الفيزيائية المسببة للطقس المتطرف، مما يتيح محاكاة واقعية لأنواع كثيرة من هذه الظواهر الجوية.
وفي الوقت نفسه، ازداد بشكل ملحوظ عدد الدراسات التي تحلل دور تغير المناخ في الظواهر المتطرفة، لتشمل أنواعاً من الطقس المتطرف والأحداث المناخية، تفوق ما كانت تغطيه الدراسات قبل عقد من الزمان.
الطقس المتطرف وتغير المناخ: نظرة مستقبلية
مع استمرار تأثير الطقس المتطرف على المجتمعات في جميع أنحاء العالم، يبرز علم نسبة الظواهر إلى مسبباتها كأداة قوية ومتنامية، لفهم كيفية تأثير تغير المناخ على أحداث الطقس المتطرف الفردية، موفراً بذلك معلومات تساعد المجتمعات على الاستعداد للمخاطر المستقبلية والتكيف معها.
وبالقدر نفسه من الأهمية، تحدد هذه الدراسات مواضع الثقة العلمية العالية، ومواضع استمرار حالات عدم اليقين المهمة، والمجالات التي تتطلب إجراء مزيد من البحوث. وتساهم هذه التطورات مجتمعة في ضمان بقاء الاستنتاجات العلمية مرتكزة على الملاحظات، والفهم الفيزيائي، والتحليل الدقيق.
* كيفن تي. سمايلي أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة ولاية لويزيانا، وديتي سينغ أستاذة مشاركة في كلية البيئة بجامعة ولاية واشنطن، وجينيفر مارلون باحثة علمية في جامعة ييل، وجيم هوريل أستاذ وحاصل على كرسي «سكوت الرئاسي» في علوم وهندسة البيئة بجامعة ولاية كولورادو (مجلة فاست كومباني).
