مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

العلماء يبحثون عن إجابات تستند إلى أسس علمية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية
TT

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

مساعٍ حثيثة لتحديد تأثير التغيرات المناخية بدقة على الظواهر الجوية

​عندما تضرب موجة حر مدمرة أو إعصار أو فيضان أو حريق غابات، غالباً ما يرغب الناس في معرفة الإجابة عن السؤال: إلى أي مدى ساهم تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية في هذا الحدث، إن كان له دور أصلاً؟ كما كتب كيفن تي. سمايلي، وديتي سينغ، وجينيفر مارلون، وجيم هوريل*.

إجابات تستند إلى أسس علمية

لسنوات كثيرة، لم يكن بوسع العلماء الإجابة عن هذا السؤال إلا بعبارات عامة؛ فقد كانوا يدركون أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يزيد من وتيرة أو شدة بعض أنواع الظواهر الجوية المتطرفة، ولكن تحديد تأثيره على حدث بعينه كان أمراً أكثر صعوبة بكثير.

أما اليوم، فيمكن للباحثين تقديم إجابة تستند إلى أسس علمية تقيّم ما إذا كان تغير المناخ قد جعل موجة الحر أكثر حرارة، أو زاد من كمية الأمطار المصاحبة لإعصار ما، أو فاقم من حدة الجفاف. ومع ذلك، فإن الإجابات ليست دائماً مباشرة، كما أنها لا تتمتع بالقدر نفسه من اليقين لكل نوع من أنواع الظواهر المتطرفة.

لقد شاركنا في لجنة ضمت 14 عضواً تابعة لـ«الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب»، التي أعدت تقريراً جديداً يستعرض واقع هذا المجال المتطور بسرعة، والمعروف باسم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» (علم «عَزْو الظواهر المناخية»).

ويخلص التقرير إلى أن التقدم المحرز في بيانات الطقس والمناخ، والنماذج المناخية، وطرق تحديد المسببات، قد عزز بشكل كبير قدرة العلماء على تقييم تأثير تغير المناخ على كثير من أنواع الظواهر المتطرفة، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على القيود العلمية المهمة.

كيف يمكن للعلماء دراسة حدث بعينه؟

تنتج الظواهر الجوية عن عوامل متفاعلة كثيرة، بما في ذلك حالة الغلاف الجوي اليومية. ولا يطرح العلماء الذين يجرون دراسات حول «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها» سؤالاً عما إذا كان تغير المناخ هو السبب في حدوث إعصار أو موجة حر أو فيضان؛ بل يسألون بدلاً من ذلك عن كيفية تأثير تغير المناخ على ذلك الحدث: كيف كان سيختلف هذا الحدث في عالم خالٍ من زيادة غازات الاحتباس الحراري؟ وكيف تغيرت احتمالات وقوعه نتيجة للاحترار المناخي؟

نهجان متكاملان

ويجيب الباحثون عن هذا السؤال باستخدام نهجين متكاملين:

• النهج الأول يقارن بين معدل تكرار هذا النوع من الأحداث -على سبيل المثال، هطول أمطار غزيرة للغاية تسبب فيضانات- في مناخ اليوم، وبين معدل تكراره المحتمل في مناخ خالٍ من التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

• أما النهج الثاني فيبحث في كيفية تغيير تغير المناخ لخصائص الحدث الذي وقع بالفعل؛ فعلى سبيل المثال، يدرس النهج ما إذا كان الإعصار قد تسبب في هطول أمطار أكثر غزارة، أو ما إذا كانت موجة الحر قد أصبحت أشد حرارة نتيجة لارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي.

ويجمع كلا النهجين بين بيانات الطقس والمناخ، والفهم الفيزيائي لآلية عمل النظام المناخي، والنماذج الحاسوبية. يمكن للعلماء مقارنة النتائج المستمدة من مناهج متعددة لتحديد ما إذا كانت تشير إلى الاستنتاج نفسه، ولتقييم مدى الثقة التي يمكن وضعها في هذه النتائج.

على سبيل المثال، خلصت دراسات تناولت إعصار «هارفي» -الذي أدى إلى هطول أمطار بلغ منسوبها 50 بوصة في أجزاء من منطقة مدينة هيوستن عام 2017 وتسبب في فيضانات واسعة النطاق- إلى أن تغير المناخ زاد من كمية الأمطار التي أنتجها الإعصار. وتوصلت دراسات متعددة، استخدمت مناهج مختلفة، إلى استنتاجات متسقة إلى حد بعيد؛ ما يوضح كيف يمكن للعلماء الذين يجرون دراسات «نسب الظواهر إلى أسبابها» تعزيز الثقة في استنتاجاتهم من خلال الاستناد إلى مسارات مستقلة عدة من الأدلة.

درجة ثقة العلماء تتفاوت باختلاف نوع الظاهرة المناخية

من أهم استنتاجات التقرير أن علم «نسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها المناخية»، لا يمتلك القدرة ذاتها على تقييم جميع أنواع الظواهر الجوية المتطرفة؛ إذ تكون درجة الثقة في أعلى مستوياتها بالنسبة للظواهر التي تكون علاقتها بالمناخ الآخذ في الاحترار مفهومة جيداً، وممثلة بدقة في النماذج المناخية.

وتُعد موجات الحر الشديد المثال الأوضح على ذلك؛ فمع ازدياد تركيزات غازات الاحتباس الحراري نتيجة حرق الوقود الأحفوري، شهدت كل منطقة في العالم تقريباً تكراراً أكبر واشتداداً في حدة موجات الحر المتطرفة. ويدرك العلماء كيف تؤدي زيادة غازات الاحتباس الحراري إلى تسخين الغلاف الجوي، وزيادة احتمالية حدوث موجات الحر المتطرفة وشدتها، ما يتيح عزو كثير من موجات الحر الفردية إلى تغير المناخ بدرجة عالية من الثقة.

كما أن درجة الثقة مرتفعة نسبياً عند عزو مساهمة تغير المناخ في ظواهر هطول الأمطار الغزيرة واسعة النطاق، والأعاصير المدارية، وحالات الجفاف في بعض المناطق؛ فالغلاف الجوي الأكثر دفئاً يميل إلى امتصاص مزيد من الرطوبة، ما يفاقم حالات الجفاف، ويؤدي إلى هطول أمطار أكثر غزارة عند تشكل العواصف.

أخطار جوية يصعُب ربطها بالتغيرات المناخية

في المقابل، لا تزال مسألة تقييم دور تغير المناخ في مخاطر جوية أخرى أكثر صعوبة؛ إذ تعتمد العواصف الرعدية الشديدة، والأعاصير القمعية (التورنادو)، وتساقط حبات البرد الكبيرة، والرياح الخطيرة المستقيمة (غير الدوارة) على عمليات جوية تحدث على نطاق ضيق، وهي عمليات لا تزال النماذج المناخية العالمية تواجه صعوبة في تمثيلها بدقة.

وعلاوة على ذلك، فإن البيانات المتعلقة بهذه الظواهر تكون أقل اكتمالاً، ما يزيد من صعوبة رصد التغيرات طويلة الأمد وتقييم دقة النماذج المناخية.

وتزداد بعض الظواهر تعقيداً؛ فعلى سبيل المثال، قد تحدث ظواهر متعددة في آن واحد أو بشكل متتابع، ما يؤدي إلى تأثيرات تراكمية أو متسلسلة، مثل الجفاف الذي يفاقم مخاطر حرائق الغابات. ولا يزال علم «عزو الظواهر المناخية» في بداياته فيما يتعلق بأخذ هذه التفاعلات في الحسبان.

ولا تعني هذه التحديات أن تغير المناخ ليس له أي تأثير على هذه الظواهر؛ بل إنها تعكس مبدأً علمياً جوهرياً: وهو أن مستوى الثقة يعتمد على قوة الأدلة المتاحة.

ويساعد فهم كيفية تأثير تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة، المجتمعات والشركات والحكومات، على تقييم المخاطر المتغيرة بشكل أفضل، وتحسين التخطيط والبنية التحتية، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن الاستعداد والتكيف. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن معرفة مواضع انخفاض مستوى الثقة تساعد في ضمان أن تظل القرارات مرتكزة على قوة الأدلة العلمية المتاحة.

لماذا يتحسن أداء علم «نسبة الظواهر إلى مسبباتها»؟

لقد أحرز العلم المعني بنسبة الظواهر المتطرفة إلى مسبباتها تقدماً كبيراً منذ آخر تقييم أجرته «الأكاديميات الوطنية» (National Academies) لهذا المجال في عام 2016؛ إذ أصبح بإمكان الباحثين الآن الوصول إلى سجلات رصد أطول وأكثر دقة، مستمدة من محطات الأرصاد الجوية والأقمار الاصطناعية وأنظمة المراقبة الأخرى. كما أصبحت النماذج المناخية أكثر تطوراً وقدرة على تمثيل العمليات الفيزيائية المسببة للطقس المتطرف، مما يتيح محاكاة واقعية لأنواع كثيرة من هذه الظواهر الجوية.

وفي الوقت نفسه، ازداد بشكل ملحوظ عدد الدراسات التي تحلل دور تغير المناخ في الظواهر المتطرفة، لتشمل أنواعاً من الطقس المتطرف والأحداث المناخية، تفوق ما كانت تغطيه الدراسات قبل عقد من الزمان.

الطقس المتطرف وتغير المناخ: نظرة مستقبلية

مع استمرار تأثير الطقس المتطرف على المجتمعات في جميع أنحاء العالم، يبرز علم نسبة الظواهر إلى مسبباتها كأداة قوية ومتنامية، لفهم كيفية تأثير تغير المناخ على أحداث الطقس المتطرف الفردية، موفراً بذلك معلومات تساعد المجتمعات على الاستعداد للمخاطر المستقبلية والتكيف معها.

وبالقدر نفسه من الأهمية، تحدد هذه الدراسات مواضع الثقة العلمية العالية، ومواضع استمرار حالات عدم اليقين المهمة، والمجالات التي تتطلب إجراء مزيد من البحوث. وتساهم هذه التطورات مجتمعة في ضمان بقاء الاستنتاجات العلمية مرتكزة على الملاحظات، والفهم الفيزيائي، والتحليل الدقيق.

* كيفن تي. سمايلي أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة ولاية لويزيانا، وديتي سينغ أستاذة مشاركة في كلية البيئة بجامعة ولاية واشنطن، وجينيفر مارلون باحثة علمية في جامعة ييل، وجيم هوريل أستاذ وحاصل على كرسي «سكوت الرئاسي» في علوم وهندسة البيئة بجامعة ولاية كولورادو (مجلة فاست كومباني).


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».