قال المخرج الياباني يوسوكي إيواساكي إن فيلمه «أني مارت» (AnyMart) انطلق من محاولة تأمل العلاقة التي تربط الإنسان المعاصر بمنظومة الاستهلاك والعمل، مشيراً إلى أن السوبر ماركت الذي يعد مكاناً مركزياً في الفيلم، يمثل مساحة مثالية لاختزال المجتمع الحديث، فهو مكان يمر به الجميع يومياً، لكنه يخفي وراء واجهاته اللامعة عالماً معقداً من القواعد الصارمة، والضغوط النفسية، والعلاقات الإنسانية التي تتآكل تدريجياً تحت وطأة السعي إلى تحقيق الكفاءة والإنتاجية.
وأضاف إيواساكي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن فكرة الفيلم بدأت من ملاحظة بسيطة، إذ كان يتردد باستمرار على متاجر السوبر ماركت، ولاحظ أن العاملين هناك يؤدون أعمالهم بالابتسامة نفسها والحركات نفسها والعبارات نفسها، حتى بدا الأمر وكأن شخصياتهم الحقيقية تختفي تدريجياً خلف قواعد خدمة العملاء. ويقول: «من هنا بدأت أتساءل: ماذا يحدث عندما يُطلب من الإنسان أن يخفي مشاعره الحقيقية طوال الوقت؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه الحياة اليومية المتكررة في شخصيته ونظرته إلى نفسه؟».
وتدور أحداث «أني مارت» وهو اسم متجر شهير في اليابان داخل متجر كبير «يمثل نموذجاً مصغراً للمجتمع الاستهلاكي الحديث»، على حد تعبير المخرج؛ حيث يعيش الموظفون وسط روتين لا ينتهي، وزبائن يصعب إرضاؤهم، وتعليمات صارمة تحكم أدق تفاصيل العمل.

ويجسد البطل «ساكاي» هذه الحالة، إذ يبدو شخصاً فقد تدريجياً قدرته على التعبير عن مشاعره، حتى أصبح وجهه خالياً من أي انفعال، وكأن الحياة استنزفت كل ما بداخله، فيما تبدأ الأحداث في اتخاذ منحى مختلف مع وصول الموظفة المؤقتة «أوجاوا»، وهي شابة طموحة تحلم بامتلاك صالون لتصفيف الشعر، وترفض أن تستسلم للواقع الذي يفرضه العمل داخل المتجر.
وأشار إيواساكي إلى أنه لم يكن مهتماً بتقديم فيلم يدين الرأسمالية أو يهاجم ثقافة الاستهلاك بصورة مباشرة، بل كان يسعى إلى طرح أسئلة حول الطريقة التي تتشكل بها هوية الإنسان داخل المؤسسات الحديثة. فالأفراد، بحسب رأيه، يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم في أماكن العمل، وهناك تتحدد الكثير من سلوكياتهم وعلاقاتهم، وأحياناً يفقدون تدريجياً قدرتهم على التمييز بين شخصياتهم الحقيقية والدور الذي يفرضه عليهم العمل.
وأضاف أن شخصية «ساكاي» ليست بطلاً تقليدياً، بل شخصاً عادياً يمكن العثور على نسخة منه في أي مدينة بالعالم، فهناك ملايين الأشخاص الذين يستيقظون كل صباح، ويؤدون العمل نفسه، ويكررون العبارات نفسها، ثم يعودون إلى منازلهم وهم يشعرون بأن شيئاً ما ينقصهم، دون أن يعرفوا ما هو بالتحديد، وكان هدفه أن يمنح هؤلاء الأشخاص صوتاً على الشاشة.
وحظي الفيلم باهتمام واسع منذ عرضه العالمي الأول في الدورة السادسة والسبعين من «مهرجان برلين السينمائي» وحصد جائزة «الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين» (FIPRESCI)، كما عرض مؤخراً في الدورة الستين من «مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك.

وأكد المخرج الياباني أن نجاح الفيلم في مهرجان «برلين» شكّل مفاجأة كبيرة بالنسبة له، خصوصاً أن العمل ينتمي إلى السينما المستقلة منخفضة الميزانية، ولم يكن يتوقع أن يحظى بهذا القدر من الاهتمام الدولي، معتبراً أن فوزه بجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» منحه ثقة في أن «القصص المحلية جداً يمكن أن تصل إلى جمهور عالمي إذا قُدمت بصدق، لأن المشاعر الإنسانية الأساسية تتجاوز الحدود والثقافات»، وفق تعبيره.
ويرى المخرج الياباني أن مشاركة الفيلم في مهرجان «كارلوفي فاري» تمثل محطة مهمة في رحلته، لأن جمهور المهرجانات الأوروبية يتفاعل بصورة خاصة مع الأفلام التي تمزج بين الجرأة الفنية والطابع الإنساني، مما شجعه على مواصلة تقديم أعمال تبتعد عن القوالب التجارية المعتادة، وتمنح مساحة أكبر للتجريب والسخرية.
وأشار إلى أن «الفكاهة في الفيلم ليست وسيلة للترفيه فقط، وإنما أداة لفهم الواقع والتعامل مع قسوته»، لذلك تعمد المزج بين المواقف العبثية واللحظات العنيفة، لأن الحياة نفسها تجمع بين الضحك والألم في الوقت ذاته، مشيراً إلى أن الكوميديا تمنح الجمهور فرصة للتأمل، بينما يأتي العنف ليوقظه من شعور زائف بالأمان.
واختتم إيواساكي حديثه بالتأكيد على أنه يأمل أن يغادر المشاهدون قاعة السينما وهم يفكرون في حياتهم اليومية أكثر من تفكيرهم في أحداث الفيلم نفسها، متسائلين عن مقدار ما يقدمونه من تنازلات من أجل التأقلم مع المجتمع، وما إذا كانوا ما زالوا يحتفظون بشخصياتهم الحقيقية وسط عالم يطالب الجميع بالتشابه، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته بين المهرجانات والجمهور حول العالم.
