قال المخرج البريطاني غرانت غي إن فيلمه «الجميع يعشق بيل إيفانس (Everybody Digs Bill Evans)» جاء بدافع رغبته في الاقتراب إنسانياً من أسطورة الجاز، موضحاً أن اهتمامه انصب على مرحلة محددة من حياة عازف البيانو الأميركي؛ لأنها تكشف عن هشاشته وعلاقاته الإنسانية بقدر ما تعكس عبقريته الموسيقية.
وأضاف غرانت، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن الشرارة الأولى للمشروع جاءت بعد قراءة رواية «استراحة» للكاتب أوين مارتيل؛ إذ وجد فيها معالجة مختلفة لحياة إيفانس، تبتعد عن استعراض محطات النجاح أو التسلسل الزمني المعتاد، وتركز بدلاً من ذلك على لحظة إنسانية مكثفة تسمح بفهم الشخصية من الداخل، وهو ما سعى إلى نقله للشاشة.
ويتناول الفيلم فترة مفصلية من حياة أحد أبرز عازفي الجاز في القرن الـ20، حين واجه خسائر شخصية قاسية وصراعاً مع الإدمان، مع احتفاظه بمكانته الموسيقية الاستثنائية.
وشهد الفيلم انطلاقته العالمية ضمن الدورة الـ76 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)»، حيث نافس في المسابقة الرسمية، قبل أن يلفت الأنظار بحصول مخرجه البريطاني غرانت غي على جائزة «الدب الفضي» لـ«أفضل مخرج».

وقال غرانت غي إن أكثر ما جذبه في الرواية أنها تعاملت مع بيل إيفانس بوصفه إنساناً يعيش أزمة وجودية، وليس نجماً يلاحقه النجاح والشهرة، مشيراً إلى أن هذا المنظور منح الفيلم مساحة لاستكشاف التفاصيل الصغيرة التي تصنع الإنسان، بعيداً عن تمجيد الإنجازات أو إعادة تقديم الوقائع المعروفة للجمهور.
وأضاف أن كثيراً من أفلام السيرة الذاتية تقع في فخ اختزال حياة كاملة في ساعتين، فتتنقل بين المحطات الكبرى على حساب اللحظات التي تكشف جوهر الإنسان، لذلك فضَّل الاكتفاء بفترة قصيرة، عدَّها كافية لفهم إيفانس وما كان يعيشه من تناقضات على المستويين الشخصي والفني.
وأشار إلى أن الفيلم لا يقدم إجابات جاهزة عن بيل إيفانس، بل يترك للمشاهد فرصة الاقتراب منه ومراقبة حياته اليومية، عاداً الغموض الذي أحاط بالموسيقي الأميركي جزءاً من شخصيته، ومن الخطأ محاولة تفسير كل تصرف أو إحاطة كل قرار بسبب مباشر وواضح.

ولفت إلى أن الرواية نفسها تعاملت مع الفراغات بوصفها جزءاً من الحكاية، وهو ما حاول الاحتفاظ به في النسخة السينمائية، مضيفاً أن «السينما لا تحتاج دائماً إلى تفسير كل شيء، بل يمكنها أحياناً أن تكتفي بطرح الأسئلة وترك المُشاهد يعيش التجربة بنفسه».
وقال غي إن الموسيقى كانت العنصر الأصعب في صناعة الفيلم؛ لأن بيل إيفانس يُعدّ من أكبر عازفي البيانو تأثيراً في تاريخ الجاز، وإن «أي معالجة سطحية لأعماله كانت ستفقد الفيلم مصداقيته؛ لذلك حرص فريق العمل على التعامل مع المادة الموسيقية بأقصى درجات الدقة والاحترام».
وأضاف أن الهدف لم يكن إنتاج فيلم موسيقي يعتمد على العروض الموسيقية والاستعراضات، وإنما «استخدام الموسيقى بوصفها امتداداً للحالة النفسية للشخصية؛ إذ تعكس المقطوعات الموسيقية ما يعجز إيفانس عن التعبير عنه بالكلمات؛ مما منح الموسيقى دوراً درامياً يتجاوز كونها مجرد خلفية للأحداث».
وبيَّن أن العمل على المَشاهد الموسيقية استغرق وقتاً طويلاً؛ لأن الأداء الموسيقي كان جزءاً من بناء الشخصية نفسها، وليس عنصراً منفصلاً عنها، لذلك جرى التعامل مع كل مقطوعة بوصفها لحظة درامية تحمل معنى داخل مسار الفيلم، لا مجرد استعراض لموهبة بطله.
ووفق غي، فإن اختيار الممثل النرويجي آندرس دانييلسن لي جاء بعد اقتناع كامل بأنه يمتلك الحساسية المطلوبة لتجسيد شخصية عازف البيانو، لافتاً إلى أن امتلاك الممثل لخلفية موسيقية حقيقية ساعد بصورة كبيرة على تقديم أداء مقنع، بعيداً عن الحلول الشكلية التي تلجأ إليها بعض أفلام السيرة الذاتية.

وأكد أن دانييلسن لي لم يكتفِ بمحاكاة طريقة العزف أو تقليد الإيماءات الخارجية، بل انشغل بفهم الحالة النفسية للموسيقي الأميركي، وهو ما انعكس على أدائه أمام الكاميرا، مضيفاً أن العلاقة التي نشأت بين الممثل والشخصية كانت من أهم أسباب نجاح الفيلم في نقل الجانب الإنساني من حياة إيفانس.
وأشار غي إلى أن الفيلم لا يُقدم بطله بوصفه شخصية مثالية، بل يكشف نقاط ضعفه وأخطائه بقدر ما يحتفي بموهبته، موضحاً أن الإنسان الحقيقي أكثر تعقيداً من الصورة التي تصنعها الأساطير، وأن الصدق مع الشخصية كان بالنسبة إليه أهم بكثير من تجميل سيرتها أو الدفاع عنها.
وقال غي إن أكثر ما جذبه في شخصية إيفانس هو التناقض الدائم بين حضوره الهادئ على المسرح والعواصف التي كانت تدور داخله، موضحاً أن هذا التناقض منح الفيلم طاقة درامية كبيرة، لأن الشخصية لا تُعبِّر عن نفسها بالصوت المرتفع أو الانفعالات الحادة، وإنما من خلال الصمت والإيقاع والنظرات والتصرفات اليومية.
وأضاف أن هذا الهدوء الظاهري فرض أسلوباً مختلفاً في الإخراج؛ إذ اعتمد على منح الممثلين مساحة للتعبير بأقل قدر ممكن من الحوار، معتبراً أن السينما تستطيع أحياناً نقل المشاعر عبر الصورة والإيقاع أكثر من الكلمات، وهو ما انسجم مع طبيعة إيفانس وشخصيته المتحفظة.
نقل المشاعر عبر الصورة والإيقاع أكثر من الكلمات، وهو ما انسجم مع طبيعة إيفانس وشخصيته المتحفظة.
ولفت غي إلى أن اختيار مرحلة زمنية محدودة من حياة الموسيقي الأميركي أتاح له الابتعاد عن استعراض المحطات الشهيرة التي يعرفها الجميع، والتركيز بدلاً من ذلك على لحظات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف الكثير عن شخصية الرجل وطريقة تعامله مع العالم المحيط به.
