كان الجنرالات الألمان يتبادلون أطراف الحديث بحرية، ويتحدثون عن صاروخ «V-2»، أول صاروخ باليستي بعيد المدى في العالم، والذي كان النازيون يطورونه. كان ذلك في مايو (أيار) 1943، وكان الجنود، أسرى الحرب الذين وقعوا في شمال أفريقيا، يقيمون في «ترينت بارك»، وهو منزل ريفي فخم في ضاحية شمال لندن.

كان «ترينت بارك» منزل فيليب ساسون، السياسي الثري والمضيف الشهير، وكان الأسرى يعيشون حياة رغيدة في القصر الفسيح المُحاط بـ400 فدان من الحدائق. كانوا يرتدون بزاتهم العسكرية، ويحتفظون بالخدم الذين أُسروا معهم، ويتنزهون في الغابات، ويقرأون في المكتبة، ويلعبون البلياردو وألعاب الورق، ويجمعون الفطر. ما لم يكونوا يعلمونه هو أنهم كانوا جزءاً من استراتيجية جريئة، وغير متوقعة، وناجحة ببراعة، لاستخلاص معلومات ستلعب دوراً محورياً في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. انخدع هؤلاء القادة العسكريون الكبار بالاحترام الظاهر لمكانتهم، ولم يدركوا أنهم كانوا في الواقع على مسرح مُعدُّ مسبقاً، حيث كانت لقاءاتهم مُدبَّرة، ومحادثاتهم مُراقَبة عبر شبكة معقدة من الميكروفونات المخفية في تجهيزات الإضاءة والمداخن وأحواض النباتات والأشجار والتماثيل. كانت الميكروفونات موصولة بمخبأ سري تحت الأرض أسفل قاعات الاستقبال الفخمة في القصر، حيث كان «المستمعون» - ومعظمهم من اللاجئين اليهود الألمان - يسجِّلون المحادثات ويفرغونها لصالح المخابرات العسكرية البريطانية.

ظلت عملية «ترينت بارك» سريةً حتى عام 1996، ولا يزال هذا الجزء من تاريخ الحرب العالمية الثانية غير معروف للكثيرين من عامة الناس. ولكن في هذا الأسبوع، فُتحت أبواب «ترينت بارك: بيت الأسرار» بوصفه متحفاً يعرض عالمَين متناقضَين: الطابق العلوي الذي يعكس حياة الرفاهية والأناقة، والطابق السفلي الذي شهد أعمالاً سرية وهادئة.
يقول جوزيبي ألبانو، مدير المتحف، في إشارة إلى مقر فكِّ الشيفرات البريطاني الشهير إبان الحرب العالمية الثانية: «يعرف الجميع (بلتشلي بارك)، لكن (ترينت هاوس) كان جزءاً من الشبكة ذاتها لمقرات الاستخبارات، وكان لا يقل عنها أهمية».
لقد كان هناك منزل قائم في «ترينت بارك» - الذي كان يوماً جزءاً من ممتلكات الملك جورج الثالث - منذ أواخر القرن الـ18، إلا أن ساسون، وهو سليل عائلة تجارية يهودية عراقية ثرية، هو مَن حوّله إلى ملاذ فاخر في عشرينات القرن الماضي؛ إذ قام بتغيير الواجهة، وتوسيع المنزل وفتح مساحاته، كما أضاف مسبحاً وملاعب للتنس وملعباً للبولو وآخر للغولف ومهبطاً للطائرات. وفي ذلك المكان، كان يستضيف السياسيين والممثلين والكتاب وأفراد العائلات المالكة - بمَن فيهم ونستون تشرشل، وتشارلي شابلن، ونويل كوارد، وجورج برنارد شو، وتي إي لورانس - مقدماً لهم ما وصفه أحد الضيوف بأنها ضيافة «على الطراز الشرقي».
ويقول داميان كولينز، مؤلف السيرة الذاتية لساسون: «المنزل برمته عبارة عن خدعة بصرية؛ فهو منزل فيكتوري أُعيد بناؤه ليبدو قصراً ريفياً لأحد النبلاء في العصر الجورجي. لقد كان المنزل دائماً بمثابة عرض مسرحي وخيال، وكان ساسون أشبه بمخرج مسرحي يحرّك الشخصيات كيفما يشاء».
بعد وفاة ساسون في يونيو (حزيران) 1939 عن عمر ناهز الخمسين عاماً، تحول المنزل إلى ما يشبه مسرحاً لأحداث جديدة بطاقم مختلف من الشخصيات. فقد استولت عليه وزارة الحرب البريطانية ووضعته تحت إشراف المقدم توماس كيندريك، وجُهِّز المنزل بألواح وأسقف وهمية، وميكروفونات سرية ومعدات تسجيل، وُصلت جميعها بغرف تحت الأرض حيث كان «المستمعون» يعملون في أزواج ضمن مناوبات تستمر 10 أو 12 ساعة ليلاً ونهاراً.

تمكَّن نحو 40 مستمعاً من جمع معلومات استخباراتية من 84 جنرالاً و22 عقيداً، كان معظمهم قد أُسروا في شمال أفريقيا، وبعضهم لاحقاً في فرنسا. وقد أثبتت هذه العملية أهميةً بالغةً، إذ زودت الحلفاء بمعلومات حول آلة الحرب النازية، وأساليب القتال الجديدة، وبرامج الأسلحة السرية، وخطط المعارك؛ وهي معلومات ما كان يمكن الحصول عليها أبداً من خلال أساليب الاستجواب التقليدية.
لم يحظَ الدور المحوري الذي لعبه «ترينت بارك» في الحرب بالاعتراف إلا في وقت متأخر. ففي خمسينات القرن الـ20، تحوَّل المنزل إلى كلية لتدريب المعلمين، وأصبح لاحقاً جزءاً من جامعة ميدلسكس. وفي عام 2013، بيع العقار، الذي كان يعاني من الإهمال، إلى مؤسسة ماليزية للتعليم العالي، لكنها أعلنت إفلاسها بعد فترة وجيزة.
وفي عام 2014، قام جيسون شارالامبوس - وهو محامٍ كان قد انتُخب حديثاً عضواً في المجلس المحلي للمنطقة - بجولة في أرجاء العقار المُهمَل ورأى المنزل المسيّج.

أطلق شارالامبوس حملةً بعنوان «أنقذوا ترينت بارك (Save Trent Park)»، وشكّل فريقاً ضمّ هيلين فراي - مؤلفة كتاب «للجدران آذان (The Walls Have Ears)» - وفريتز لوستيغ، أحد آخر «المستمعين» (أفراد الاستخبارات المكلفين بالتنصت) الذين بقوا على قيد الحياة. كما تواصل مع ديفيد تشولموندلي، وماركيز تشولموندلي وقريب فيليب ساسون (من جهة الأخ)، الذي حضر أول اجتماع عام، حاملاً معه ألبوماً يضم صوراً وقصاصات صحافية.
في عام 2015، بيع العقار لمطور عقاري، ولكن بعد جهود مكثفة ومطالبات مستمرة، وافقت المجموعة على تخصيص الطابق السفلي والطابق الأرضي من المنزل ليكونا متحفاً. وبعد مرور 10 سنوات على بدء التخطيط رسمياً، يقدم المتحف الجديد إعادة بناء دقيقة لغرف الاستقبال الفاخرة التي تعود لحقبة ساسون، وللواقع القاسي الذي عاشه «المستمعون» في الأقبية تحت الأرض.
وفي الطابق العلوي، تتزين الصالونات الكبرى - التي كان يستخدمها الجنرالات - بأحرف اسم ساسون المزخرفة، والأرائك الوثيرة، ورفوف الكتب المجلدة بالجلد.
وتقول توري ريف، مصممة المعرض والقيّمة عليه: «لقد ساعدتنا صور رائعة من مقال نُشر عام 1931 في مجلة (كانتري لايف)، وكذلك اللورد تشولموندلي الذي عثر على بعض قطع الأثاث الأصلية».
أما في الطابق السفلي، وداخل مساحات ضيقة، فيجلس تمثال عرض (مانيكان) مرتدياً سماعات الرأس أمام معدات التنصت وأجهزة التسجيل، بينما تصطف علب المواد الغذائية الأساسية التي تعود لتلك الحقبة (مثل القهوة والشاي والملح) على رفوف المخزن. كما أُعيد تصميم «غرفة المسودات» - حيث كانت تتم طباعة المخطوطات وترجمتها ونسخها - وغرفة الطعام (الميس) بدقة متناهية تحاكي الواقع الأصلي.
* خدمة «نيويورك تايمز»
